إشكالية الوطني والقومي في الخطاب السياسي

 

جاد الكريم الجباعي

تنفرد الأمة العربية أو تكاد تنفرد في التباس مفهومي الوطنية والقومية وتعارضهما في خطاب النخب السياسية؛ بحكم التجزئة الاستعمارية الحديثة التي قطعت أوصال الأقاليم العربية: المغرب العربي ووادي النيل وبلاد الشام والجزيرة العربية واليمن السعيد وبلاد الرافدين، من دون أن تفلح في تقطيع الروابط الاجتماعية والثقافية والقيمية بين أهل هذه الأقاليم، وما نشأ فيها من دول قطرية، كان من أبرز سماتها الانغلاق على الذات والتبعية للخارج. فمنذ نشوئها كانت الدولة القطرية، ولا تزال تناقضاً في ذاتها بين الشكل السياسي والمحتوى الاجتماعي، فضلاً عن كونها شكلاً سياسياً وحقوقياً (حديثاً) لبنية اجتماعية اقتصادية وثقافية تقليدية، هو أقرب ما يكون إلى استطالة سياسية وحقوقية للدولة الحديثة في المراكز الاستعمارية، وخاصة في المرحلة القصيرة التي تلت الاستقلال الهش والمثلوم، الذي لم يكن ، على العموم، أكثر من جلاء الجيوش الاستعمارية عن أراضيها. وهذا ما يفسر علاقة التخارج المزمنة بين المجتمع والدولة في كل منها، وقد آلت هذه العلاقة في كثير من الأحيان إلى وضعية مأزقية غدت معها "الدولة ضد الأمة"، وهو ما يعادل قولنا "الدولة ضد المجتمع".

الوطني في اللغة نسبة إلى الوطن أو اسم منسوب إلى الوطن، والوطنية مصدر صناعي يدل على شعور الفرد  بالانتماء إلى الوطن، ويحيل على عاطفة حب الوطن والتعلق به والدفاع عنه والعمل في سبيل منعته وقوته واستقلاله وتقدمه، وعلى الحنين إليه. والوطن في العربية اسم يدل على مكان الإقامة، (راجع لسان العرب والقاموس المحيط) قبل أن تتطور دلالته إلى الرقعة الجغرافية التي تقوم عليها الدولة التي قوامها أرض وشعب وسلطة سياسية، وعلاقات جدلية بين هذه العناصر، بما هي عناصر جملة حية أو كلية عينية، وتتجلى هذه العلاقات بصورة خاصة في القانون العام أو النظام العام ونظام الحكم. ومن ثم فإن مفهومي الوطن والوطنية مفهومان حديثان لا تزال دلالة كل منهما ملتبسة بالدولة القطرية ونزعة الانتماء الحصري إليها، حتى لتكاد الوطنية تعادل النزعة القطرية من جهة، وبمفهوم الدولة الوطنية الحديثة التي ترتسم معالمها في أفق تطور الدولة القطرية إلى "المستقبل الماضي"، أي إلى مستقبل هو ماضي الشعوب المتقدمة التي نستعير منها بعض العناصر البنيوية، كالتبنين الطبقي والتصنيع والعلمانية والديمقراطية وغيرها، من جهة أخرى. وملتبسة من جهة ثالثة بمفهوم القومية، أي بشعور الأفراد بالانتماء إلى أمة، حتى لتكاد صفة الوطنية تعادل صفة القومية أو ترقى إليها، حين نقول: الوطن العربي والمجتمع العربي والأمة العربية والدولة القومية، وفي هذه الحال تتعادل النزعة الوطنية والنزعة القومية. وهذا الالتباس الأخير يتجلى بوضوح في تعارض الممارسة العملية القطرية والأيديولوجية القومية، ولا سيما حيث يستأثر حزب قومي كحزب البعث العربي الاشتراكي بالسلطة والثروة والقوة ويحتكر لنفسه الحقيقة والوطنية وينفيهما عن الآخرين، حتى عن الأحزاب القومية الأخرى في الوقت الذي يعزز فيه القطرية ويعمقها. ويبدو لنا أن الوطنية معادلة للقطرية في الواقع، ومعادلة للقومية في الأيديولوجية، أو في الوعي الأيديولوجي؛ ومن ثم فليس لها بعدُ ارتسام واقعي في سائر الأقطار العربية. (لعله من الواضح أننا نعارض الدولة القطرية القائمة بالفعل بالدولة الوطنية الممكنة، والموقف القطري بالموقف الوطني، والمنطق الوضعي بالمنطق الجدلي)

نحن إذاً إزاء ثلاثة مفاهيم مختلفة تحدد ثلاثة مجالات متباينة في الفكر والممارسة؛ هذه المفاهيم الثلاثة هي القطرية والوطنية والقومية، والمجالات الثلاثة التي تحددها هي الدولة القطرية والدولة الوطنية والدولة القومية. الدولة القطرية التي وصفناها بالانغلاق على الذات والتبعية للخارج نعني بها الدولة التي انبثقت عن التجزئة الاستعمارية الحديثة ولا تزال تتكيف مع منطق التجزئة بوصفها حجر الزاوية في استراتيجية عمل الإمبريالية في العالم العربي. وهذا التكيف يعني تعميق الاندماج في النظام الرأسمالي العالمي والاندراج في استراتيجية الدول الكبرى ونظام أمنها القومي، وهو ما يعمق الهوة باطراد بين الدولة والمجتمع ويفرض أن تكون الدولة القطرية دولة استبداد محدث واستلاب لفاعلية مجتمعها وشعبها. ولذلك لا يزال العالم العربي جزءاً أساسياً من منطقة "الشرق الأوسط" في استراتيجيات الدول الكبرى وموضوعاً مطاوعاً لإراداتها، ولم يتحول بعد، ولا بد أن يتحول، إلى ذات حرة ومستقلة تقف إزاء الخارج موقف الند المكافئ، وآية ذلك أن الطغم الحاكمة وبطانتها جزء رث وتابع من الطغمة العالمية تشاركها مشاركة التابع الذليل في نهب ثروات أوطانها وقوة عمل شعوبها؛ (قد تكفي في هذا المجال مقارنة أرصدة هذه الطغم العربية في الخارج بمديونية دولها للخارج، وهاتان الأرصدة الهاربة والمهربة والمديونية الخارجية خلاصة مكثفة لسياساتها الوطنية ولعلاقتها بأوطانها ومواطنيها).

الدولة القطرية هي الواقع القائم بالفعل، أو الموجود بالفعل، والدولة الوطنية هي الممكن، أو الموجود بالقوة، والدولة القومية هي الواجب، أو الأفق الذي تسعى إليه الدولة الوطنية. سمتا الدولة الوطنية الرئيستان هما التعبير عن الكلية الاجتماعية في الداخل والاستقلال إزاء الخارج؛ وبمقدار ما تكون تعبيراً فعلياً عن الكلية الاجتماعية وعن نزوعها إلى الحرية والاستقلال والتقدم تنمو فيها الميول الوحدوية التكاملية التي تلبي الحاجة إلى الحرية والاستقلال والتقدم. ومن ثم فإن الأساس الطبيعي الذي تقوم عليه هو الفرد / المواطن، بصفته ذاتاً حرة وفاعلة أو منتجة ومسؤولة؛ ومقدمتاها الضروريتان هما العائلة (الأسرة الحديثة) و المجتمع المدني ، وتجريد عموميتها هو القانون الذي مضمونه الحق ومعياره العدالة، ومشرعيتها وسيادتها تستمدان من شعبها، لا من عقيدة أرضية أو سماوية؛ فالشعب هو المصدر الوحيد للشرعية والسيادة والمصدر الوحيد لجميع السلطات.

العلاقة النوعية التي تميز الدولة الوطنية من الدولة القطرية، في الوضع العربي، هي المواطنة، وتعني الموافقة أو التوافق والمشاركة والاعتماد المتبادل، لأن كل مواطن يقوم بوظيفة ضرورية للآخرين. المواطنة علاقة أو رابطة حديثة ذات محتوى اجتماعي اقتصادي وسياسي وثقافي وأخلاقي، تتعدى العلاقات والروابط ما قبل الوطنية أو ما قبل القومية كالعشائرية والمذهبية والمحلوية أو الجهوية وما إليها، وتقوم بإزاء هذه التحديدات الذاتية تحديداً موضوعياً يشمل سائر أفراد المجتمع المعني والدولة المعنية.

المواطنة صفة موضوعية لا تقبل التفاوت والتفاضل، كالإنسانية سواء بسواء، فليس بين أبناء الوطن الواحد وأعضاء المجتمع المدني الواحد والدولة الوطنية الواحدة من هو مواطن أكثر من الآخر، أو إنسان أكثر من الآخر؛ ومن ثم فلا سبيل إلى أي نوع من أنواع الامتيازات المعروفة في الدولة ما قبل الوطنية، (والدولة القطرية، من هذه الزاوية، دولة ما قبل وطنية وما دون وطنية؛ فهي إما دولة طغمة أو دولة عشيرة أو دولة حزب أو دولة طائفة، أو كل هذه مجتمعة، ولذلك كانت دولة امتيازات، لا دولة حقوق، وعلاقاتها الداخلية علاقات ولاء وتبعية شخصية ومباشرة، لا علاقات مدنية دستورية وقانونية). الدولة الوطنية دولة حق وقانون لجميع مواطنيها على السواء. وعدم التتفاوت والتفاضل في المواطنة وفي الإنسانية هو الأساس الواقعي لمساواة المواطنين أمام القانون.

قوام المواطنة منظومة من الحقوق الطبيعية الثابتة والحقوق المدنية المكتسبة والالتزامات المتبادلة، والحريات الأساسية، تعينها جميعاً، في كل مرة، نسبة القوى الاجتماعية وعلاقاتها المتبادلة وموقع كل منها على سلم الإنتاج الاجتماعي الذي تتجلى فيه ماهية المجتمع المعني أو الأمة المعنية، وتتحدد في ضوئه وعلى أساسه الهوية الوطنية أو القومية، فماهية مجتمع ما هي ما ينتجه هذا المجتمع بالفعل على الصعيدين المادي والروحي. ومن ثم فإن مفهوم المواطنة مرادف لمفهوم المشاركة في الإنتاج الاجتماعي وفي الشأن العام؛ وهو، على صعيد الفرد نزوع أصيل إلى الكلية التي تتعين في المجتمع المدني والدولة الوطنية، وفي الجماعة الإنسانية التي هي مستقبل الجميع.

في ضوء هذا التحديد تبدو لنا المواطنة حكم واقع، لأنها انتماء موضوعي إلى وطن، إلى مجتمع ودولة؛ والوطنية حكم قيمة وتحديداً ذاتياً للفرد والمجتمع والدولة؛ فلا وطنية بلا مواطنة، ولا مواطنة بلا حقوق مدنية وحريات أساسية؛ ومن ثم فإن نفي حكم الواقع هو نفي حكم القيمة المرتبط به أوثق ارتباط، وبالمقابل فإن نفي صفة الوطنية عن فرد أو مجموعة أفراد أو عن جماعة دينية أو مذهبية أو إثنية أو ثقافية أو لغوية يضمر نفي صفة المواطنة عن ذلك الفرد أو هذه الجماعة أو تلك، وينفي في الوقت ذاته صفة الوطنية عن الدولة وعن سلطتها السياسية التي تفعل ذلك.

في ضوء هذه الحيثية تبدو لنا الدولة الوطنية، دولة الحق والقانون التي يرى فيها جميع مواطنيها بلا استثناء صورتهم السياسية وموطن اعتزازهم الأدبي، تبدو لنا شكل التوسط الضروري بين الدولة القطرية القائمة والدولة القومية المنشودة، فقد أثبتت تجربة القرن الماضي ضرورة هذا التوسط الذي لا بد أن ينتج دلالة جديدة لمفهوم الأمة معادلة لمفهوم المجتمع المدني، بما هو منظومة حاجات ومصالح، وبما هو وحدة التنوع والتعدد والاختلاف والتعارض، أي بما هو فضاء الحرية وميدان التاريخ، ولا بد أن ينتج دلالة جديدة لمفهوم القومية بصفتها انتماء إلى المجتمع المدني والدولة الديمقراطية المنبثقة عنه، لا بصفتها عقيدة قومية ذاتية لهذا الحزب أو ذاك تنفي مواطنية الآخر المختلف أيديولوجياً أو إثنياً أو ثقافياً أو لغوياً، وتنفي من ثم عضويته في الدولة. الدولة القومية الحديثة ليست قومية على مواطنيها، بل هي لا تبدو لمواطنيها من الداخل إلا بصفتها دولة حق وقانون، في حين تبدو لغير مواطنيها من الخارج بصفتها القومية. لذلك بتنا لا نرى في المشروع القومي سوى مشروع ديمقراطي يعيد إنتاج  الاندماج القومي والاجتماعي الذي تنجزه الدولة الوطنية، ولا بد أن تنجزه، في الحقل السياسي العام المشترك بين جميع القوى والفئات والطبقات، بما فيها الجماعات غير العربية التي تنتمي إلى هذه الدولة القومية التي تعادل صفتها القومية صفتها الديمقراطية، وإلا فلا وحدة عربية ولا من يحزنون.

القومية المعتقدية الدوغماتية، أو العقيدة القومية التي تعيد إنتاج مقولة "شعب الله المختار" ولا تعترف بحقوق متساوية للمواطنين المختلفين اختلافات لا حصر لها، ولا سيما للمواطنين غير العرب، ولا تقوم من ثم على مبدأ المواطنة الديمقراطي هي مرض القومية الخبيث، وقد جر هذا المرض الخبيث على الأمم التي ابتليت به ويلات وكوارث هي من أهم دروس التاريخ الحديث، ولم تنج منه أمتنا بكل أسف. العقيدة السياسية القومية كالعقيدة السياسية الدينية أو الاشتراكية تنطوي بداهة على جميع خصائص العقيدة (الدوغما) من حصرية وتمامية واحتكار للحقيقة والمشروعية تتناسل منه جميع أنواع الاحتكار الأخرى، ومن تطرف وأوهام ذاتية وعدم اعتراف بالآخر المختلف، بل عدم الاعتراف بأفرادية الواقع ومعقولية العالم. وليس بوسع مثل هذه العقيدة أن تنتج سوى التطرف والعنف وثقافة الفتنة.

يلفت النظر أن النخب، بل الطغم، السياسية العربية الحاكمة، ولا سيما "التقدمية والثورية" منها، تتحدث عن الوطنية والقومية بمناسبة وبلا مناسبة، على الطالع والنازل، من دون أن تلتفت إلى جذرهما الواقعي، الموضوعي، أي المواطنة، بل إنها لا تعترف بهذا الجذر، لأنها لا تعترف بالواقع الفعلي، بل بالواقع الذي صنعته رغباتها وأوهامها الذاتية، حتى غدت صفتا الوطنية والقومية صفتين إقصائيتين وطاردتين لصفة المواطنة خاصة، ومعاديتين لـ الآخر ولفكرة الاختلاف والمغايرة، ومن ثم لحرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن، ولفكرة الاجتماع المدني ولمفهوم المجتمع المدني الذي يطارده اليوم رجال المخابرات ومثقفو الدولة الشمولية التسلطية ومثقفو الأحزاب الأيديولوجية العقائديون الذين خفضوا الوطن وقلصوه حتى غدت حدوده مطابقة لحدود السلطة الاستبدادية أو الحزب الأيديولوجي أو القائد الملهم. النخب السياسية عامة والسلطات الاستبدادية خاصة كإله إسرائيل اختارت شعوبها وقضي الأمر. ولم يبق سوى أن تختار الشعوب "نخبها" السياسية، وتنتخب حكامها. الدولة الوطنية في الأفق، وهذا الأفق يقترب منا بقدر ما نسعى إليه، والمشروع القومي الديمقراطي برمته يتوقف على هذا المسعى.

في الوطنية المعتقدية والقومية المعتقدية اللتين لا تعترفان بجذرهما الواقعي، وفي مختلف الأيديولوجيات / العقائد الشمولية، الاستبدادية، تتضخم الـ نحن، الكتلة المتجانسة، تضخماً ورمياً على حساب الـ أنا والـ أنا أفكر خاصة، فتَنتُج  عن هذا التضخم عقيدة التكفير والتخوين، وتغدو حرية الفكر والضمير كفراً ومروقاً وهرطقة وخروجاً على الجماعة وخيانة يعاقب عليها "القانون" الذي خفض إلى مستوى إرادات فردية اعتباطية ونزوية ترى الوطن والوطنية من منظور مصالحها الخاصة فحسب؛ وتنتج من ثم هوية نحنوية (كتلية أو جماهيرية) وهمية وفارغة من أي مضمون سوى العدم، عدم وجود الفرد الذات الحرة المستقلة الفاعلة والمسؤولة، عدم وجود الأنا أفكر، ومن ثم عدم وجود الآخر وعدم الفردية وعدم الحرية وعدم الاستقلال والذاتية وعدم وجود الواقع الفعلي وعدم الأخلاق وعدم الضمير وما شئتم من صنوف العدم التي محصلتها عدم الإنتاج وعدم التقدم.

 

دمشق، تلفاكس   6711599 11 00963

ُE.Mail   jebaae@ scs-net.org