رهان العلمانية في فكر أركون

 

جاد الكريم الجباعي

فكر أركون إشكالي إلى حد بعيد، ينتج صيغاً من سوء التفاهم معه، لعل أركون كان يتوقع بعضاَ منها. فقد يرى فيه بعضنا مفكراً إسلاموياً يعمل في سبيل إعادة الإسلام إلى نقائه الأول، في حين يرى فيه بعضنا الآخر مفكراً علمانياً، بل قد يرميه بعضهم بالإلحاد، إذا دفع بعض مقولاته إلى نهاياتها، كالوفاء بجميع حقوق العقل، أو كقوله: " ليس هناك من حقيقة غير الحقيقة التي تخص الكائن الإنساني المتفرد والمتشخص والمنخرط ضمن أوضاع محسوسة قابلة للمعرفة والدرس" ، و "إنها (أي الحقيقة) تتجسد دائماً، وفي كل مكان عن طريق الفاعلين الاجتماعيين".

وحين يتحدث أركون عن "عقل إسلامي" أظنه يربط بين مفهوم العقل الإسلامي ومفهوم المجتمع الإسلامي، وهذا الأخير يحيل، وفق تعريفه، على المجتمع الذي تسيطر عليه "الظاهرة القرآنية"، ويستند فكره على الفرضية التي تقول: إن الأفكار ذات قوام متماسك وثابت، وإنها ذات دلالات ومعان فوق تاريخية، ويبرزها بمثابة كائنات عقلية مستقلة عن الإكراهات اللغوية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ويبرزها كأنها مزودة بقوة موجِّهة تتردد وتتكرر في التاريخ التطوري للمجتمعات . ويربط هذا التصور بالفلسفة الجوهرانية الماهياتية للأنظمة التيولوجية والميتافيزيق. ومن ثم فإن القارئ يمكن أن يلاحظ الإيحاء السلبي لكل من مفهومي الفكر الإسلامي والمجتمع الإسلامي. وإذ يميز أربعة خطابات "إسلامية": الخطاب الكلاسيكي والخطاب السكولاستيكي والخطاب التجييشي المعاصر والخطاب العلموي الذي يعمل على إنتاجه في سبيل "تأسيس تاريخ منفتح وتطبيقي للفكر الإسلامي"؛ فإنه يرشح هذا الأخير، أي الخطاب العلموي، لأن يكون حاكماً على الخطابات الأخرى، وكاشفاً عن التوتر بين العامل الأسطوري والعامل العقلاني أو العقلي في هذه الخطابات، ومعرياً معادلهما الموضوعي، أي التوتر بين الثقافة الشفوية والكتابة، وتضامن هذه الأخيرة مع السلطة السياسية والدولة المركزية، وما ينجم عن هذا التضامن من إعادة إنتاج الأرثوذكسية أو الدين القويم أو الدين الحق والقول الحق الذي يرمي كل ما عداه في دائرة الباطل والضلال والكفر، أي في دائرة "الجاهلية"؛ وما تؤول إليه هذه الحال من تلاعب أيديولوجي للسيطرة على "ذروة السيادة العليا والمشروعية".

إذا كانت هذه القراءة مقاربة لما يقوله النص الأركوني، ولما يرمي إليه، فإن الباحث يغامر في وصف مشروع أركون بالمشروع العلماني، وهو ما توحي به الأهداف والغايات التي يلح عليها في جميع كتبه.

العلمانية إذاً في بؤرة فكر أركون أو في مركزه؛ فكيف ينظر إلى العلمانية وكيف يحدد تخومها مع الدين بوجه عام ومع الإسلام بوجه خاص؟.

العلمانية (بفتح العين) اعتراف قطعي بموضوعية العالم وبكرامة الإنسان والثقة بقدرة العقل البشري على معرفة الحقيقة وإنتاجها. وفي مركز العلمانية ثمة الإنسان الذي ينتج وجوده الاجتماعي وأشكال وجوده الاجتماعية والثقافية والسياسية، في الوقت الذي ينتج فيه معاشه. وينتج من ثم ذاته في العالم وفي التاريخ ثم يستعيد موضوعيتهما في ذاته، وهكذا إلى ما شاء الله.

والعلمانية عند أركون" موقف منفتح للروح إزاء قضايا المعرفة وقضايا الواقع"

هذا الموقف المنفتح للروح يتعارض مع "عقل أبدي خالد منسجم تماماً بشكل مسبق مع تعاليم الوحي... (أي مع عقل يبدو متعالياً وخاضعاً لتحديدات كلام الله المعنوية وإكراهاته" (تا ص65) ويتعارض مع الفكر الإسلامي الذي تأسس وتطور على قاعدة الإيمان بالأصل الإلهي للعقل والدعم الإلهي للعقل، هذا الإيمان المتجسد في نص لغوي محدد تماماً هو القرآن، ثم جاء الشافعي وأضاف إليه السنة "(ثا ص65) فالعلمانية تنقل مركز ثقل المعرفة من السماء إلى الأرض.

هل يؤدي دفع هذه الأفكار إلى نهاياتها إلى الإلحاد؟

أركون لا يدفعها إلى نهاياتها ويتحرز من ذلك كثيراً بمحاولة إنتاج تركيب بين العقل التيولوجي (الديني) والعقل الفلسفي والعقل العلمي الإيجابي. وهذا التركيب يفضي إلى العلمانية أيضاً، ولكن إلى علمانية معتدلة وتوافقية. هل يفضي هذا التركيب إلى عِلمانية بكسر العين؟ هذا السؤال مفتوح والإجابة عنه معلقة.

ويتعلق بهذا السؤال سؤال آخر: هل دولة العلم والإيمان الساداتية شفاء من مرض الثورة التي افتتحتها الناصرية.؟

لا نريد أن نقوِّل النص ما لم يقله، وإن كان من حقنا أن نتساءل عن السكوت عنه.

يدعي الباحث أنه كلما اتجه الفكر إلى مقاومة الاستبداد يغدو علمانياً. والاستبداد والاحتكار صنوان، إن لم يكن الاحتكار، احتكار السلطة واحتكار الثروة واحتكار الحقيقة، أساس الاستبداد وعلته. فلا نستطيع أن نقرأ الكواكبي قراءة تلامس روحه الحر إلا بهذه الحيثية. وأركون يقارب هذا الموقف في أكثر من مكان.

ولكن ما حدود العلمانية في فكر أركون؟

1_ يرى أركون أن لفظ العلمانية هو المقابل العربي لكلمة laicos اليونانية التي تعني جماع الشعب ما عدا رجال الدين أي بعيداً عن تدخلهم في حياته (ثا ص219)

واستمر هذا المعنى من اليونان حتى اللاتين في القرون الوسطى. أي إن هناك تناقضاً بين الأغلبية الساحقة عددياً التي لا تستخدم الكتابة والتي لها ثقافتها الشفوية، وبين الأقلية التي تمتلك الكتابة بشكل منتظم، وهذه تتيح لها سلطة الهيمنة والتدخل في حياة الشعب. فالكتابة يقول أركون لم تكن امتيازاً ثقافياً فقط، إنما كانت تنطوي على بعد سحري وديني ومقدس. وهذا التمييز الذي يوحي به المعنى الأصلي السوسيولوجي _ الألسني، بين الشعب ورجال الدين هو تمييز يخص تطوراً اجتماعياً وثقافياً ونفسانياً بأسره (راجع ثا ص291)

يلاحظ هنا أن أركون يسقط تحليل ليفي شتراوس للجماعات البدائية على المجتمعات  الإسلامية. وهذه هفوة منهجية وإجرائية لا تغتفر له. بل أغامر في الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى أن رؤية أركون العلمانية هي رؤية لا تاريخية. فهو حين يتحدث عن العلمانية، لا يتحدث عنها بصفتها سيرورة نمو الروح الإنساني وانبساطه في العالم وفي التاريخ.

  سيرورة نممو العلمنة وانبساطها في الغرب

1. فصل العلم عن اللاهوت (الثورة الكوبرنيكية)

2. فصل السياسة عن اللاهوت (مكيافلي)

3. نقد ازدواجية السلطة الزمنية والروحية (هوبز لوك" وفكرة المجتمع المدني)

4. الدولة المركزية – الدولة / الأمة

5. فكرة السيادة – سيادة الأمة (بودان

6. فكرة العقد الاجتماعي والتربية (روسو)

7. فكرة الحرية ومشروعية الاختلاف (فولتير)

8. روح القوانين (مونتسكيو)

9. الثورة الفرنسية – وقبلها البرلمان البريطاني

ويضيف: "لكي نتتبع أصول ونشأة ما نسميه بالعلمانية اليوم، فإنه ينبغي علينا رصد مجموعة من الوقائع والأحداث المتتالية التي جرت على أرضية المجتمعات البشرية، ثم رصد العلاقات المتشابكة بين الشعب وطبقة رجال الدين الأقلية بالضرورة" (ثا ص 292)

ولكن ماذا يمكن أن يقول أركون بعد شيوع الكتابة وتجردها. جزئياً أو كلياً من طابعها السحري والديني والمقدس وعن الميل المتنامي لتقلص مساحة الثقافة الشفوية وانتشار الثقافة العالمة أو الكتابية فضلاً عن تلك التي تنقلها وسائل الاتصال والإعلام، والتي تسهم في تشكيل الوعي الاجتماعي، و"صناعة" الرأي العام؟

مسألة العلمانية تتجاوز في نظره ظهور العقلانية في الغرب وتتجاوز كذلك جميع الصراعات التي حصلت ما بين العقل والإيمان وأطرها العملية، لذلك ينبغي" تفحص الذرى الكينونية (الوجودية) التي تعاش ضمنها العلائق التي تربط العلمنة بالدين " (ثا ص 292) فلا يجوز اختزال المسألة إلى الصراع بين التيولوجيين ورجال العلم والعقلانيين أو المفكرين الأحرار. بل لا بد من الكشف عن تلك الحاجات والدوافع الأنتربولوجية المتزامنة التي تذهب في اتجاهين مترابطين "الرغبة مع كل القوى الملحقة بها "وإلحاح الفهم والتعقل"

فإن ما يحكم الوعي ولسلوك هما الرغبة والفهم أو التعقل مجردين من أي محمولات غير بشرية، ومنظوراً إليهما في نطاق المجتمع والدولة أو السلطة السياسية حيث يصير الفرد الطبيعي كائناً اجتماعياً وسياسياً، وحيث المجتمع والدولة ينتجان الأسطورة والدين وعياً مقلوباً لهذا العالم بصفته عالماً مقلوباً حسب تعبير ماركس.

يؤسس محمد أركون العلمانية أنطولوجياً ثم يبين لنا أن هذا الأساس الوجودي الذي تكشف عنه الأناسة أو الأنتربولوجيا يقنع ويحجب بمنظومات "فكرية" لا تلبث أن تصير منظومات أيديولوجية مغلقة على حقائقها الناجزة وأفكارها الثابتة، أي تتحول إلى أرثوذكسية دينية أو علمانية لا فرق ما دامت ميدان الإيمانات / العقائد واللاإيمانات / اللاعقائد

العلمانية في الإسلام

ثمة مظاهر علمانية في الإسلام التاريخي يجعل أركون بدايتها في قضية الخلافة والصراعات التي دارت حولها وعليها وعمليات التسويغ والتبرير التي نجمت عن هذه الصراعات ورافقتها من اجتماع السقيفة (منا أمير ومنكم أمير) إلى معركة صفين وما تلاها حتى تحولت الخلافة إلى سلطنة . فالعلمانية تتعمق جراء الانتقال من النبي إلى الخليفة أو الإمام فالسلطان، مع البويهيين. وهنا ينوه أركون بعمل علي عبد الرازق في الإسلام وأصول الحكم. ويطرح ضرورة مواصلة هذا العمل في ضوء الأنتربولوجيا السياسية التي افتتحها جورج بالاندييه.

وهو يرى أن السلطة في الإسلام كانت دوماً سلطة زمنية , وأن هناك تجارب معمقة يمكن وصفها بالعلمانية ، ولكن لم ينظَّر لها.

سلطة زمنية موجهة من السيادة الدينية، جعل منها الوعي الأيديولوجي، الأسطوري، أي الذي ضمر فيه العنصر العقلاني، ولا سيما في عهد المماليك والعثمانيين، سلطة دينية، وأنتج تصوراً لا تاريخياً عن تاريخه الخاص. لكن أركون لم يلاحظ أن المؤسسة الدينية مؤسسة الفقه والإفتاء كانت دوماً في قبضة الحاكم ورهن إرادته.

الانشقاق الإسلامي الأول يعمق الطابع الزمني للسلطة ويسفر عن أرثوذكسيات مغلقة ومتنافية السنة والشيعة والخوارج فأغلق "الإسلام الرسمي نفسه في تحديدات دوغمائية قاسية لا تناقش وأسبغ عليها صفة الحقائق التيولوجية الخالصة، في حين كان الأمر يتعلق كلياً بصراعات وخلافات سوسيولوجية / ثقافية.

الوعي الإسلامي إذن كان يحل الوهمي محل الواقعي حتى حين اغتصب السلطة أمراء المماليك بالقوة العارية؛ ولم يكن لسلطتهم أي علاقة بالإطار الإسلامي للسلطة أو بنظرية التبرير التسويغ.

على أن ما سيعمق الرؤية الوهمية للتاريخ هو "جمع القرآن وإعادة كتابته، وتدوين الحديث وتدوين اللغة وظهور "علوم الدين" وتشكل ما صار يسمى التراث بالمفرد وبالجمع. وتجلى ذلك كله في مقولة الإسلام دين ودنيا ودولة أي أنه لا يميز الديني من الزمني.

لنقل هنا إنه بعد الأساس التيولوجي للعلمانية يقترح أركون أساساً معرفياً هو الشك والنقد، الشك بالروايات الرسمية التي وصلتنا ونقدها. وتجدر الإشارة إلى أن أركون يميز الفكر من الأيدييولوجية فالفكر عنده هو الجهد الذي يقوم به المفكر من أجل تنشيط الأفكار التي تشكل نظاماً فكرياً ما وتوسيعها وإغنائها وتجديدها والتحقق من مدى تطابقها مع الواقع. أما الأيديولوجية، فعلى العكس، تهتم باختيار بعض الأفكار التبسيطية المنتقاة عن قصد مسبق، والتي هدفها تعبئة القوى الاجتماعية (الجماهير) للقيام بأعمال محدودة". (ثاص212) وكلاهما الفكر والأيدييولوجيا يرتكزان على الأفكار، لا على الصور والرموز كالأسطورة. ما مصير "الفكر الإسلامي" في ضوء تعريف أركون للفكر على هذا النحو؟

يعتقد الباحث أن أركون، على الرغمم من تأسيس العلمانية أونطولوجياً ومعرفياً، لم يعن بسيرورة نمو العلمانية وانبساطها في التاريخ الحديث، كما سبقت الإشارة أولاً، ولم يموضعها في مشروع أشمل هو نقد الدين على غرار ما فعل شتراوس وكانط وباور وفويرباخ وماركس وغيرهم من أعلام الفكر والفلسفة، فإن ذلك النقد للدين كان في اعتقادي ذا طابع تحريري للإنسان والمجتمع والدولة من جهة، وللدين ذاته من جهة أخرى فالنقد الفلسفي لا يوهن عزيمة الدين ولا يقوض أركانه، بل يحثه على التجدد والنمو والتطور في رحاب المجتمع المدني، وفق قوانينه الخاصة، وتحت مقولة "لا إكراه في الدين".

على أن ما فات محمد أركون في مسألة العلمانية، على الرغم من توكيد مقوماتها الإنسانوية والعقلانية، هو اقتران العلمانية بمفهوم الوطن والمواطن ومبدأ مساواة المواطنين أمام القانون بما هو تجريد العمومية وتعبير عن الكلية الاجتماعية والمجتمعية وماهية الدولة الحديثة.

ولذلك لم يلاحظ مثلاً أن الدولة "الحديثة" في جميع الأقطار العربية نشأت في ظل الاستعمار الكولونيالي ، ومنذ ذلك الحين كانت المؤسسة الدينية، أو ما أميل إلى تسميته "الدين الوضعي" المشيخي تحت سلطة الدولة وفي حمايتها وانتقلت "ذروة السيادة العليا من الدين إلى الأمة. بالمعنى العلماني أو إلى الطبقة بالمعنى الاقتصادي. في حين ظلت كتلة الشعب المهمشة تجتر تثافتها الشفوية وتعيد إنتاجها، حتى بعد انتشار التعليم العلماني الذي سيعمق الهوة بين الثقافة والسياسة من جهة واللهجات المحلية من جهة أخرى ويولد نوعاً من ازدواجية ثقافية ولغوية كانت ولا تزال من أهم أسباب التأخر. وحين أخذت الدولة القطرية المرسملة والتابعة تتحول تديرجياً إلى دولة تسلطية منذ مطلع سبعينات القرن الماضي، أنتجت معارضة إسلامية على صورتها ومثالها ووضعت من كان مواطناً مؤمناً بين مسدس الجنرال وخنجر الشيخ.

  الدولة الكولونيالية كانت دولة علمانية لا مكان فيها للدين ورجال الدين. والدولة القطرية كذلك باستثناء سيطرتها على ذروة السيادة العليا باعترافها أن القرآن مصدر أساسي للتشريع أو مصدر من مصادر التشريع، وباحتفالها بالشعائر الدينينة في وسائل الإعلام، ونفاق حكامها بإظهار الإيمان والتقوى وممارسة الشعائر. وردت لهم المؤسسة المشيخية الجميل بالدعاء لهم من على منابر المساجد.

التاريخ القريب حسم قضية علاقة الدين بالدولة أو قضية علمانية السياسة، لكن المفارقة تكمن في دينية المجتع وعلمانية الدولة القطرية المرسملة والتابعة. ومن ثم فإن رفض المؤمنين والإسلامويين على السواء للعلمانية، لا يعدو تعبيراً أيديولوجياً عن رفضهم هذه الدولة التسلطية أو معارضتهم لها. الإسلامويون يحولون الدين إلى أداة لأسوأ دنيا. فضلاً عن تحويله إلى مجرد مظاهر خاوية من أي معنى.

الاستبداد والتطرف الديني كلاهما يقتلان المعنى ويغتالان الروح، ويحتاجان كلاهما إلى تفكيك لا يقوى عليه فكر محمد أركون.

في ضوء هذه العلمنة المتوحشة للسياسة، وفي ضوء تهميش المجتمع، الأكثرية التي تتقن أكثريتها الكتابة، وتحول الدين إلى مجرد ملجأ وملاذ وعزاء، لم يعد مجدياً طرح علمانية حاف، بل بات ضروريا،ً على ما أرى، موضعة العلمانية في المشروع الديمقراطي الواجب والممكن.

يعتقد الباحث أن البعدين الأسطوري والتقديسي متلازمان في وعي البشر؛ وملازمان لوجودهم؛ ويعبران عن التصور الشعبي للمطلق. ولكم هي ذات دلالة قولة أبيقور، كما أظن، ليس الكافر من ينكر وجود الآلهة، بل الكافر هو من يتبنى تصور الجمهور عن الآلهة. وإن ما يلفت النظر هو إنتاج الأسطوري والمقدس في العقائد المذاهب الوضعية والنظريات السياسية، ومن ثم فإن المسألة تتعدى الإسلام و"الفكر الإسلامي" إلى الظاهرة الدينية بوجه عام، وإلى أثر الدين المهم والحاسم أحياناً في حياة البشر.

                  

تساؤلات

1_ الدولة التسلطية أممت التراث ودوَّلته وعلمنته ، جراء تضامن العلم والدين" دولة العلم والإيمان" وبالمقابل برزت الجماعات الإسلامية التي تلح على عدم تناقض العلم والدين مما أنتج حالة فريدة من تضامن الوضعانية والتيولوجية.

2_ أركون الذي يراوح بين الشك الديكارتي وإعادة إنتاج الكوجيتو "أنا أفكر إذاً أنا موجود" وبين ديالكتيك ماركس وماديته، لا يحتفظ بالأول ولا يبلغ الثاني.

3_ هل تصلح الأدوات المعرفية والمناهج التي يستعملها أركون لدراسة "المجتمع الإسلامي" ولا سيما أن هذه الأدوات والمناهج بنت مناخ وضعوي عالمي سمته الأساسية هي "التفكيك" وإحياء الهويات ما قبل الوطنية، وبنت تطور اجتماعي اقتصادي وثقافي وسياسي مختلف نوعياً عن أوضاع المجتمعات العربية والإسلامية؟.

4_ هل ثمة صلة بين مقولات ما بعد الحداثة ومناهجها وبين العولمة الثقافية؟

5_ ما العوامل التي تؤدي إلى تحول منظومة فكرية منفتحة وفعالة إلى منظومة مغلقة؟