صراع الحضارات

 

جاد الكريم الجباعي

شاعت في العقد الأخير من القرن العشرين أربع مقولات أو أربعة مفاهيم كانت العنوانات العريضة لمرحلة ما بعد الحرب الباردة التي انتهت بسقوط الاتحاد السوفييتي وأنظمة "الاشتراكية المحققة" في شرقي أوربة. هذه المقولات هي: "النظام العالمي الجديد" و "نهاية التاريخ" و "صراع الحضارات" و "العولمة الاقتصادية الجديدة" التي غدت علماً على بداية القرن الحادي والعشرين وبداية الألفية الثالثة، وراح الناس يستعملونها على الطالع والنازل من دون أي صفة. وتجريدها من صفاتها يجعل منها شيئاً غامضاً وعصياً على التحديد، لأن كل صفة هي حد وتعيين، وكل حد هو فرق ينشئ تعارضاً، وكل تعيين هو نفي. ومن المهم البحث في العلاقة أو العلاقات التي تربط هذه المقولات، هل هي مجرد علاقات تزامن وتواقت، أم إن هنالك ما هو أبعد من ذلك وأعمق غوراً؟ وإذا كان الوضعويون  والبنيويون منهم خاصة يذهبون إلى أن العلاقة بين هذه المقولات هي علاقة تزامن وتواقت فحسب، فإننا نرى فيها نوعاً من التمهيد الثقافي لمرحلة الهيمنة الأمريكية "المطلقة" على العالم، ونوعاً من تعبير ثقافي عن "روح العصر"، روح الرأسمالية المتوحشة، أو الرأسمالية الخالصة ذات الطابع الأمريكي. فالقول بنهاية التاريخ هو المرادف المنطقي للقول بقيام نظام رأسمالي عالمي جديد أجهز على نقيضه الاشتراكي، وعلى إمكانات إعادة إنتاجه من داخل التشكيلة الرأسمالية ذاتها، ومن ثم فهو  لا يختلف في جميع تعييناته وتفصيلاته عن "العولمة الرأسمالية" وما تنطوي عليه من آليات دمج وتفتيت متعاكسة، أعني دمج الاقتصادات الوطنية والمحلية في اقتصاد عالمي واحد، وتفتيت سائر البنى السياسية والاجتماعية والثقافية، في أطراف النظام التي لم تعد تقتصر على ما كان يسمى العالم الثالث. والتفتيت هو الشرط الضروري للدمج والتوحيد. وقد برهنت مجريات الحياة الواقعية على هذه القضية في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وفي الاتحاد اليوغسلافي السابق وغيرها. وليست الأحاديث المتواترة عن نهاية الدولة الوطنية ونهاية عصر القوميات سوى التعبير الأيديولوجي عن هذه الآليات. وآليات الدمج والتفتيت هذه هي ذاتها آليات الصراع الذي اخترع له هنتنغتون اسماً مضللاً هو صراع الحضارات.

وفي اعتقادي أن مقولة صراع الحضارات تحيل واقعياً على مقولة "العدو الضروري" الذي تقتضيه قواعد اللعبة السياسية، بعد أن تم القضاء على "إمبراطورية الشر". فما أن فرغت الولايات المتحدة الأمريكية من حربها على "المعسكر الاشتراكي" حتى برز الإسلام، و "التطرف الإسلامي" عدواً جديداً يهدد "العالم الحر"، المتمدن، على افتراض أن الإسلام هو القبائل البربرية التي تهدد حصون روما الجديدة. وليس مستهجناً أن تنزلق عبارة "الحرب الصليبية" على لسان الرئيس الأمريكي بوش الابن وهو يعلن عن استئناف الحرب التي بدأها أبوه عام 1991، أي قبل عشر سنوات من كارثة واشنطن ونيويورك وبنسلفانيا. ولهذا التحقيب العقدي دلالة مهمة تتصل بما اصطلح الاقتصاديون على تسميته "الأزمة الدورية" في النظام الرأسمالي الذي يعاني اليوم، أكثر من أي وقت مضى من " عدم التوازن الفعال" على جميع الصعد. ومقولة العدو الضروري، على الصعيد السياسي، تكشف عن تهافت "مقولة "اليد الخفية" التي تنظم حركة السوق العالمية وتضبط إيقاعها وتوفر لها التوازن التلقائي والمواءمة الذاتية، على الصعيد الاقتصادي الحاكم على بقية الصعد في عالم اليوم. فلم يكن للإسلام أن يكون العدو الضروري الافتراضي لولا الثروات والمواد الخام، ولا سيما النفط، والأسواق التي تتوفر عليها بلاد المسلمين. والتنظير الأمريكي الذي يستعيد أو يستبطن تاريخ الإمبراطورية الرومانية لا يقصر حقده وعداوته على الإسلام والمسلمين، بل يتعداهما إلى "قبائل القرن الحادي والعشرين": القبيلة اليابانية والقبيلة الصينية والقبيلة الهندية، وهي القوى المرشحة للإطاحة بنظام القطب الواحد، ووضع حد لطغيان الإمبراطورية الأمريكية.

هناك دوماً فارق مهم بين الأفكار في ذاتها، ووظيفة هذه الأفكار في هذا النسق الأيديولوجي أو ذاك. فمما لا شك فيه أن في العالم حضارات متعددة وثقافات مختلفة، وأن التاريخ العالمي، في بعض وجوهه، هو تنويعة على أشكال العلاقة بين هذه الحضارات والثقافات. ولكن، مما لا شك فيه أيضاً أن كل واحدة من هذه الحضارات والثقافات هي حضارة وثقافة في التاريخ وفي العالم، أي إن كل واحدة منها تنتمي إلى مجال زماني عام هو التاريخ البشري، وإلى مجال مكاني عام هو العالم، إذا اعترفنا أن الحضارة والثقافة والمدنية والعمران تعرَّف دوماً بالإضافة إلى الإنسان، ومن ثم فإن محرزات أي واحدة منها كانت، ولا تزال، محرزات عامة لبني الإنسان. وكل عامٍّ على الإطلاق يحدد حقولاً أو مجالات خاصة هي الحقول أو المجالات التي يتجلى فيها؛ فالعام لا يتجلى واقعياً وعيانياً إلا في الخاص، ولذلك يقال إن الخاص هو العام، بهذا المعنى. وليس في تاريخ البشر حضارة أو ثقافة نشأت واستمرت بمعزل عن غيرها من الحضارات والثقافات، أو بمعزل عن مجالها الزماني المكاني العام. ومن دواعي فخرنا واعتزازنا نحن العرب أن مبادئ حضارتنا وثقافتنا مبثوثة في معظم الحضارات والثقافات الحية، إن لم نقل فيها جميعاً. وفضلاً عن ذلك، يمكن القول: إن كل واحدة من حضارات العالم وثقافاته الحية المختلفة تنتمي إلى نمط إنتاج عام، عالمي، ومن ثم، فإن جميع الحضارات والثقافات التي يزخر بها عالم اليوم تنتمي إلى نمط الإنتاج الرأسمالي الذي غدا نمط إنتاج عالمياً لا يخرج من دائرته أحد حتى البدو الرحل والجماعات المغلقة على هوامش النظام العالمي وأطرافه. وهذا هو السند الموضوعي للعالمية، لا للعولمة، ولوحدة العالم التناقضية.

في اعتقادي أن في عالم اليوم "حضارة" واحدة تنتمي إليها جميع الحضارات والثقافات "الخاصة" وتحمل خصائصها، مثلما تحمل قطرة من ماء البحر خصائص ماء البحر كله؛ إلا إذا كان مفهوم الحضارة يحيل على الماضي البعيد، وليس الأمر كذلك. فالبشر لا يتصارعون على الماضي، بل على الحاضر والمستقبل، ولا يتنافسون على الجنة أو على مكارم الأخلاق، بل على الثروة والسلطة والقوة. وفي ظني أن الترسيمة الخلدونية في نشوء الدول والممالك والحضارات وزوالها لا تزال صحيحة وراهنة، بدلالاتها المعرفية والأخلاقية، مع تعديل طفيف، أن البربرية أو الهمجية التي تقوض الحضارات وتديل الدول تولد، هذه المرة، من رحم الحضارة الرأسمالية ذاتها وتنشأ في كنفها. والبربرية هذه المرة هي الرأسمالية الخالصة أو الرأسمالية المتوحشة، وما يصطلح الباحثون على تسميته "دكتاتورية السوق" بما هي نسق مولد للعنف والإرهاب اللذين يستهدفان أربعة أخماس البشرية. أليس أمراً ذا دلالة أن يملك 358 شخصاً من أغنياء العالم مقدار ما يملكه 2.5 مليار نسمة من أبناء الدول المتوسطة والفقيرة؟

في سياق تركيز الثروة والسلطة والقوة في أيدي طغمة عالمية، انفكت جميع روابطها بأوطانها وشعوبها، وتناقضت مصالحها الأنانية الضيقة والعمياء مع مصالح مجتمعاتها، تجري في كل مكان من العالم عملية إيقاظ الهويات ما قبل الوطنية، أو ما قبل القومية، وما قبل الدولة الحديثة وإنجازها الأكثر عقلانية، أعني فكرة المواطنة والمساواة أمام القانون، الحاملة في ثناياها فكرة العدالة بوصفها التعبير الواقعي عن المساواة؛ مما يؤكد أن المضمون الفعلي لمقولة صراع الحضارات هو تراجع الأمم والشعوب وانتكاسها إلى أسوأ ما في تاريخها، إلى الحروب الدينية والمذهبية والإثنية، في سياق الحرب العالمية الثالثة التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية على العالم، والتي قوامها الحروب الإقليمية والنزاعات المحلية.

وفي ضوء ذلك، يبدو واضحاً أن مقولة صراع الحضارات لا تعدو كونها غطاء أيديولوجياً لآليات التفكيك والتفتيت الضرورية لتوحيد الاقتصاد العالمي وتركيزه في أيدي هذه الطغمة العالمية التي حددنا بعض سماتها. وأن آليات التفكيك والتفتيت تستهدف العالم غير الأمريكي الأوربي، وإذا شئتم، فإنها تستهدف العالم غير الإنكلو سكسوني. تؤكد ذلك المساعي الأمريكية التي لا تفتر لعرقلة الوحدة الأوربية التي يمكن أن تجعل من أوربة القوة الاقتصادية والسياسية والثقافية الأولى في العالم. ومن دون أن نغمط السيد هنتنغتون حقه نقول: إن مقولة صراع الحضارات التي تستعيرها السياسة الأمريكية، وتغذي بها النزاعات المحلية والحروب الإقليمية، تعبر عن روح العصر الأمريكي وانحطاطه الروحي والأخلاقي.

المهم ألا نعتقد، نحن العرب، أن الصراع الدائر في العالم اليوم هو صراع حضارات، أو يمكن أن يكون كذلك، فننكفئ على ذواتنا، ونولي وجوهنا شطر الماضي، أكثر مما فعلنا، فنخرج من عصرنا وعالمنا ذاتيا،ً ونظل موضوعياً مادة لفعل الآخرين وموضوعاً لإرادتهم وسماداً لتاريخهم. المهم أن نظل، نحن العرب، أوفياء لمبدأ التوحيد الذي قامت عليه حضارتنا وثقافتنا، ولمبدأ النقص والاحتياج الذي في جبلَّة البشر وفطرتهم، إيماناً منا بأن مبدأ النقص والاحتياج هو نفسه مبدأ التقدم، وهو نفسه مبدأ نزوع الـ أنا إلى كماله وتمامه بـ الآخر. وأن نظل أوفياء للمثل الأعلى الأخلاقي، فنتمثل عقلياً وروحياً قوله، جل شأنه: "يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم".

 

جاد الكريم الجباعي

دمشق، تيلفاكس  6711599 11 00963

 

 jebaae@scs-net.org  E.Mail: