الواقع والممكن

صورة العرب في ضوء الحرب على الإرهاب

 

جاد الكريم الجباعي

مقاربة الوضع العالمي الراهن، وموقعنا نحن العرب فيه، تقتضي تمييز مفهوم "النظام العالمي" الذي بات يوصف بالجديد، من مفهوم النظام الدولي؛ على اعتبار أن الأول يحيل على النظام الرأسمالي الذي لم يعد أحد يماري في عالميته، في حين يحيل الثاني على نسق العلاقات الدولية الذي يسير على إيقاع التطور الرأسمالي في المراكز المتقدمة، ويتشكل في كل مرة وفق ما تسفر عنه وتنتهي إليه أزمات هذا النظام، سواء منها أزمات النمو والتقدم، أو أزمات الركود والانكماش الدورية. ولا يحتاج المرء إلى كثير من النباهة ليستنتج أن موقعنا في النظام الرأسمالي العالمي قوةً سالبةً ومنفعلةً يحدد بصورة نهائية موقعنا في نسق العلاقات الدولية الاقتصادية منها والثقافية والسياسية. كما تقتضي المقاربة ذاتها أن ننظر إلى النظام الرأسمالي، أو نمط الإنتاج الرأسمالي على أنه جملة حية أو منظومة مترابطة، أو تشكيلة اجتماعية اقتصادية، كما وصفه كارل ماركس، كل تغير في أحد عناصرها يقتضي تغيراً في سائر العناصر الأخرى، وإلا فإن النظام لا يلبث أن يتفكك وينهار. والمدة الفاصلة بين التطور النوعي في أحد عناصر النظام واستجابة العناصر الأخرى لهذا التطور هي بالأحرى مرحلة انتقالية تتسم بالاضطراب واختلال التوازن. ويبلغ هذان أحياناً ذروة يبدو معها النظام مترنحاً كأنه على وشك الانهيار. فتظهر في مثل هذه المراحل جميع عيوبه ونقاط ضعفه التي يقتضي تلافيها كلفاً إنسانية واجتماعية ومادية باهظة، هي بالأحرى كلف صيانة النظام. ومن ثم فإن نسق العلاقات الدولية بوجه عام وعلاقات المركز بالأطراف بوجه خاص، تتغير في المرحلة الانتقالية عما كانت عليه في مرحلة التوازن والاستقرار. وبلدان الأطراف، بما هي عاهة النظام الرأسمالي وموطن ضعفه والميدان الذي تتجلى فيه جميع مساوئه، هي التي تدفع معظم هذه الكلف أو كلها. وليس ثمة تفسير للحروب والنزاعات المسلحة في عالم يفترض أنه متمدن إلا باختلال التوازن في بنية النظام العالمي. وفي المرحلة الانتقالية التي تنفتح فيها جميع الاحتمالات تتحدد، في الغالب، اتجاهات التطور المقبل، كما هي الحال اليوم.

يميل المرء إلى الاعتقاد بأن النظام الرأسمالي العالمي يعاني من اختلال التوازن منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي، أي منذ بدأت إرهاصات التغير في الاتحاد السوفييتي السابق، وبات كسب الحرب الباردة التي كلفت الولايات المتحدة وأوربة الغربية ثمناً غالياً جداً في متناول اليد. ومع أن "إمبراطورية الشر" قد زالت من الوجود إلا أن أزمة الرأسمالية لم تنته، ولم يعد النظام إلى حالة التوازن والاستقرار. عبرت عن ذلك الحرب العراقية الإيرانية التي غذتها الدول الرأسمالية بالمال والسلاح، وحرب التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة على العراق، الحرب التي لم تنته فصولاً بعد. ولا أظن الحرب على أفغانستان سوى أحد فصولها. كما عبر عنه تعثر عملية التسوية في "الشرق الأوسط"، وتعثر الوحدة الأوربية، ومشروع الشراكة المتوسطية، وإخفاق المساعي الدولية لحل المشكلات ذات الطابع العالمي، كمشكلة تلوث البيئة وتدميرها المطرد، ومشكلة ديون العالم الثالث التي تزيد اليوم على ألفي مليار دولار، (قدرت عام 1996 بنحو 1.94 ألف مليار دولار)، وغيرها من المظاهر. ولعل "العولمة" الاقتصادية هي التعبير الغامض والملتبس عن هذه الأزمة التي هي في أهم جوانبها أزمة نمو متسارع في قوى الإنتاج، لم تتكيف معه بعد بقية عناصر النظام. واللافت أن سباق العلم والتقانة الذي كان ولا يزال يسير جنباً إلى جنب مع سباق التسلح يغذيه ويتغذى منه، ارتبط بنمو الاحتكارات، وهيمنة الشركات متعدية القومية ومتعددة الجنسيات على معظم الإنتاج العالمي وعلى معظم التجارة العالمية. كما ارتبط بهيمنة قطب واحد على النظام الدولي. فالعالم يعيش اليوم في ظل احتكار غير مسبوق في مجالات الاقتصاد والمال والإعلام والسياسة، وفي ميادين العلم والتقانة والمعلومات. هذا الاحتكار يقسم العالم عمودياً هذه المرة إلى عالمين: عالم الخمس من أغنياء يزدادون غنى وقوة، وعالم أربعة الأخماس من فقراء يزدادون فقراً وضعفاً، ولا تلوح في الأفق القريب إمكانية ردم الهوة بينهما. والاحتكار، كما هو معروف نسق مولد للتطرف والعنف والإرهاب؛ لأنه هو ذاته تطرف وعنف وإرهاب.

الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة على "الإرهاب"، وهي حرب طويلة ومتعددة الجبهات ومتعددة الأساليب والوسائل، بحسب تصريحات جميع المسؤوليين الأمريكيين وفي مقدمهم الرئيس بوش، هي التي ستحدد صورة العالم ونسق العلاقات الدولية لسنوات قادمة يرغب الأمريكيون أن يكون عنوانها سيادتهم المطلقة على العالم، وهي سيادة سوف تنتج من المشكلات والأزمات أكثر مما تحل، لا بحكم الوسائل والأساليب المتبعة لتحقيقها فحسب، بل بحكم الروح العدوانية التي تقسم العالم عالمين: عالم أمريكي وآخر بربري وهمجي وإرهابي، أو لنقل عالم السادة والنبلاء وعالم العبيد والتابعين. والانتصار السهل الذي أحرزته أمريكة على حركة طالبان وتنظيم القاعدة، في أفغانستان، سوف يغريها بنقل المعركة إلى أماكن أخرى، قد يكون أولها العراق. ومما سيغريها بذلك اطمئنانها أن من تستهدفه بعدوانها لن يكون له ظهير أو حليف، وليس مسموحاً لأحد أن يقف على الحياد. ويعتقد المرء أن الصورة التي سوف تكون عليها أفغانستان بعد طالبان، إذ ستتكشف أهداف أمريكة الفعلية من الحرب، هي صورة مصغرة ورمزية لما ستكون عليه الأوضاع العالمية والعلاقات الدولية، ما لم يتجرأ أحد على تغيير قواعد اللعبة. وهذا الأحد يمكن أن يكون هو العرب، إذا ما استأنفت الولايات المتحدة عدوانها على العراق أو على أي قطر عربي آخر.

العدوان المحتمل على العراق سيكون اختباراً جديداً، إن لم يكن الاختبار الأخير، لقوى الأمة العربية، وسوف يضع الحكام العرب أمام أحد خيارين لا ثالث لهما: إما أن يكونوا مع شعوبهم، وإما أن يكونوا مع العدو الذي يستهين بهم ويهينهم أكثر مما أهانوا شعوبهم واستهانوا بها. وإن أهم معايير وقوفهم مع شعوبهم هو وقوفهم متضامنين في وجه العدوان على أي بلد عربي أو تهديده أو محاصرته اقتصادياً أو سياسياً، لا بالبيانات والخطب الرنانة، ولا بالشجب والاستنكار، بل بقطع جميع العلاقات مع الولايات المتحدة، وإغلاق سفاراتها التي لم تكن يوماً سوى مراكز تجسس واستخبار، وطرد سفرائها الذين لم يكونوا سوى مندوبين سامين تعنو لهم جباه أدمنت الذل، وعدم استقبال مبعوثيها ومندوبيها، والكف عن تسول مبادراتها لحل قضية لن يكون حلها النهائي إلا بيد العرب. وإعلان تعبئة قومية عامة تفسح في المجال لشعوب الأمة العربية أن تدافع عن مصالحها، بل عن وجودها ومستقبلها. في مثل هذه الحال يمكن أن تتحول وظيفة الحكومات العربية من "تنظيم" العنف والقمع والعسف والفساد في بلدانها إلى تنظيم المقاومة، وأن يتغير موقعها من قوى متعالية على شعوبها ومنفصلة عنها إلى جزء حي من شعوبها، وأن يتحول ولاؤها من الولاء لمصالحها الخاصة إلى الولاء لأوطانها. إذا استطاعت الحكومات أن تختار مثل هذا الخيار المشرف تكون الإدارة الأمريكية قد قدمت لها فرصة تاريخية للتصالح مع شعوبها وإعادة بناء الحياة السياسية في بلدانها بما يحقق مصالح الجميع في نطاق المصلحة القومية. ولن تخسر السلطات العربية من جراء ذلك سوى قيودها واستهانة أمريكة وإسرائيل بها، وسوف تضع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والدول الأوربية خاصة أمام استحقاق تاريخي، إما أن تلتزم القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وشرعة حقوق الإنسان، وإما أن تلتزم الانقياد لليانكي الأمريكي، إما أن تلتزم قيم الحضارة الحديثة وإما أن تلتزم قيم الثأر والانتقام التي تجاوزتها جميع الشعوب المتمدنة. يجب أن تسمع الإدارة الأمريكية من الحكام والمسؤولين العرب كلاماً صريحاً وأن تلمس موقفاً صريحاً مفادهما أن العراق ليس وحده هذه المرة، وأن العرب لن يكونوا وحدهم إلا إذا كان العالم قد فقد رشده، والذين لهم مصالح حيوية عند العرب بقدر ما للعرب من مصالح عندهم، قد تخلوا عن مصالحهم، وحين يكون الأمر كذلك، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

نقطة ضعف النظام الرأسمالي العالمي في أطرافه وهوامشه حيث تصدر المراكز أزماتها ونفاياتها وفتات مساعداتها. وهذه المراكز معنية، بلا استثناء، بإبقاء الأطراف أطرافاً وبتعميق هامشيتها، مع أن هذه الأطراف من أهم مصادر قوتها، ولكنها لا تعي ذلك، وإن وعته فإنها تفتقر إلى الإرادة السياسية وإلى احترام الذات والثقة بها. وحين توفرت على احترام الذات والثقة بها وعلى قدر مناسب من الإرادة السياسية أنتجت ظاهرة باندونغ، وحين تتوفر اليوم على شيء من ذلك يمكن أن تعيد إنتاج تلك الظاهرة في الشروط العالمية الجديدة. وقد يقول قائل إن الصراع بين النظامين والمعسكرين هو ما منح باندونغ القوة التي كانت له. هذا صحيح، ولكن ذلك الصراع الذي سمي الحرب الباردة لم يكن مصدر القوة الوحيد لظاهرة باندونغ إلا في نظر من لا يقيم وزناً لقوة الشعوب التي انضوت تحت لوائه. بل إنه كان مصدر قوة ومصدر ضعف في الوقت ذاته؛ إذ لم يستطع العرب خاصة أن يؤكدوا استقلال مشروعهم القومي عن أي من النظامين وعن أي من الدولتين العظميين آنذاك، فضلاً عن تفويت المسألة الديمقراطية. نريد أن نقول إن النظام العالمي يكون كما تصوغه القوى المشاركة فيه مشاركة إيجابية، فهل آن لأمتنا العربية أن تشارك في صوغ هذا النظام، أم إنها ستظل موضوعاً لإرادات الآخرين وسماداً لتاريخهم؟

لقد فوتت الأمة العربية الفرصة عام 1991 ، عام العدوان الأمريكي على العراق، فماذا كانت النتيجة؟ كان بوسع العرب أن يدافعوا عن الكويت وأن يضعوا حداً لطغيان صدام حسين، لو أن الحكام أصغوا لشعوبهم وضمائرهم وتوافقوا على أن يضعوا حداً للطغيان. فإن من يستعبد شعبه لا يستطيع الدفاع عن حرية غيره. الفرصة التاريخية التي نشير إليها تعني أن يتوافق الحكام العرب على الدفاع عن الحرية لا عن الطغيان، وأن يتعاونوا فيما بينهم أولاً ومع غيرهم تالياً في سبيل مكافحة أسباب الإرهاب لا في مكافحة نتائجه فقط؛ فما دامت الأسباب موجودة ستظل النتائج موجودة.

إذا اجترح العرب حكاماً ومحكومين مثل هذه "المعجزة"، معجزة الدفاع عن الحرية والدفاع عن الحق ومكافحة أسباب الإرهاب على كل صعيد سيطلقون حركة تاريخهم الداخلي الراكد أو المتخثر، ويصيرون ذاتاً فاعلة في التاريخ العالمي. وسوف يكفون عن كونهم عبيداً وتابعين للإدارات الأمريكية المتعاقبة ويصيرون أصدقاء فعليين للشعب الأمريكي المفعم بحب الحرية والاستقلال، وأصدقاء فعليين لجميع الشعوب المحبة للحرية والعدالة والأمن والسلام، يقفون معهم في مصف واحد بدون عقدة نقص أو تفوق، وبدون شعور بالدونية أو الاستعلاء. كفانا توليف جميع قنوات استقبالنا على ترددات محطات الإرسال الأمريكية، فإن في العالم محطات كثيرة ترسل إشارات مختلفة؛ بل كفانا إدمان الاستقبال بلا إرسال وإدمان الانفعال بلا فعل.

وإذا كان للحكام العرب من عدو فعلي فإن هذا العدو ليس شعوبهم بالتأكيد، بل إسرائيل والولايات المتحدة اللتان تضعان هؤلاء الحكام أو بعضهم في مواجهة شعوبهم، وحين تستغنيان عن خدماتهم و"صداقتهم" تعملان سراً وعلانية على الدخول من الهوة الفاصلة بين هؤلاء وشعوبهم وإثارة الفتن والقلاقل وزعزعة الاستقرار بما كان الحكام أنفسهم قد قدموه لهما من أسباب وأدوات ومعلومات، ما دمنا في زمن ثورة المعلومات على من يفرط بها. وإنه لمدعاة للخجل ومدعاة للعار أن يتحول حكام في شتى بقاع العالم إلى مخبرين لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، ويتحدثون عن السيادة. مبدأ السيادة أن يكون المرء سيد نفسه، ولا سيد له سوى الله.