تشريع الاستبداد

 

جاد الكريم الجباعي

احتفل اللبنانيون، قبل أيام، بمرور عشر سنوات على عودة الحياة البرلمانية إلى لبنان على طريق آلام طويلة ومضنية كبدت لبنان كثيراً من ثروته البشرية والمادية، ولا عجب أن يرى اللبنانيون في عودة الحياة البرلمانية تعبيراً عن عودة الدولة وإعادة بناء النظام العام فوق خرائب الحرب الطائفية القذرة. ويستعد السوريون لدور تشريعي جديد أو لانتخابات جديدة لأعضاء ما يسمى مجازاً "مجلس الشعب"، في مناخ من الانفراج النسبي يجعلهم يتطلعون إلى أن تكون هذه الانتخابات خطوة على طريق عودة الدولة التي ابتلعتها سلطة المصالح الخاصة والامتيازات. ولعل تحليل العملية الانتخابية في البلدان التي تجري فيها انتخابات "برلمانية" يلقي ضوءاً كافياً على بنية المجتمع المعني وعلاقاته الداخلية والخارجية بوجه عام وعلى طبيعة حياته الثقافية والسياسية بوجه خاص، ويكشف بمزيد من الوضوح عن حيوية المجتمع وتفتح طاقاته وإمكاناته، أو عن ركوده وتعفنه وتخثر تاريخه الداخلي. وإذا كانت ماهية مجتمع ما تتحدد بما ينتجه على الصعيدين المادي والروحي، فإن الانتخابات التشريعية ممارسة جماعية ومجتمعية تتجلى فيها الشروط المادية، الموضوعية والذاتية لعملية الإنتاج الاجتماعي التي تحدد ماهية المجتمع وهويته الوطنية وبنية نظامه العام. وحين نتحدث عن عودة الدولة هنا أو هناك إنما نتحدث عنها بصفتها تعبيراً سياسياً عن الكلية الاجتماعية وتحديداً ذاتياً للشعب وتجريداً للعمومية؛ أي إننا نتحدث عن دولة المجتمع لا عن مجتمع الدولة، وعن سلطة الشعب لا عن شعب السلطة.

ويبدو لي أن الفكر المرتبط بالممارسة والمنبثق عنها ملزم، في حالتنا وأوضاعنا التي لا تسر سوى العدو، بنوع من "معارضة الواقع بالمثال" الممكن والواجب، ونقد الحاضر بدلالة المستقبل الذي لا يبعد أن يكون ماضي بعض الأمم والشعوب والدول المتقدمة، إذا اعترفنا بأن التأخر نسبي وقياسي، وأن تاريخنا القديم والحديث والمعاصر جزء من تاريخ العالم؛ وملزم من ثم بمعارضة المنهج الوضعي بالجدل أو الديالكتيك، سواء وعى ذلك أو لم يع. وذلك بقدر ما تظهر الممارسة العملية من مفارقات.

وفي الوقت الذي بات فيه الإصلاح ضرورة ملحة وراهنة، وباتت دوائر واسعة في السلطة، عندنا في سورية، وفي غيرها كما أظن، فضلاً عن المعارضة، مقتنعة بضرورة الإصلاح وراهنيته، بل بأن الرؤية الإصلاحية دخلت في سباق مع الزمن لدرء ما يمكن درؤه من مخاطر، وللحد من الاحتمالات غير المرغوب فيها، أو لجعل الخسائر المحتملة أقل قدر الإمكان، نرى في الانتخابات التشريعية القادمة فرصة مواتية لتجسيد بعض ملامح الرؤية الإصلاحية في الواقع، أو لإطلاق مشروع إصلاح يريده الجميع آمناً ومتدرجاً تشارك فيه جميع القوى والفعاليات صاحبة المصلحة الفعلية في طي ملف الماضي وتجاوز الأوضاع القائمة؛ ولا أمل في أي إصلاح لا يحقق مصالح فعلية وجذرية لجميع فئات المجتمع بلا استثناء، بمن فيهم أولئك الذين يعارضونه.

الانتخابات التشريعية أو البرلمانية نوع من الممارسة الأكثر دلالة بصفتها "ممارسة جماعية" يتجلى فيها مستوى الوعي الاجتماعي ومحتوى العلاقات الاجتماعية، وتفصح عما يريده المجتمع المعني لنفسه في يومه وحاضره، (الإرادة العامة) وعن صورة المستقبل الذي ينشده، (الرأي العام)، وعن القاعدة المعرفية والأخلاقية، بل المعرفية / الأخلاقية التي يقوم عليها، (الروح الجماعي والقيم المجتمعية والوطنية والإنسانية).

أجل، هي ممارسة جماعية ومجتمعية تكشف في أي مجتمع وفي أي دولة عن مدى رسوخ أو عدم رسوخ الحقوق المدنية والحريات الأساسية في المجتمع المعني والدولة المعنية؛ ولهذه الحقوق والحريات معايير موضوعية هي حرية الفرد وحقوق الإنسان ومساواة المواطنين كافة أمام القانون الذي يفترض أنه يكفل سائر الحقوق المدنية والحريات الأساسية لجميع المواطنين بلا استثناء. وتكشف من ثم عن مدى رسوخ أو عدم رسوخ مبدأ المواطنة، وعن صيرورة أو عدم صيرورة المواطنة علاقة مدنية ذات محتوى اجتماعي اقتصادي وسياسي وثقافي وأخلاقي تتجاوز العلاقات والروابط ما قبل الوطنية أو ما قبل القومية، كالعشائرية والمذهبية والأقوامية أو الإثنية والجهوية وغيرها مما يعيق اندماج المجتمع ووحدنه الجدلية.

وتنطوي الانتخابات التشريعية في كل مجتمع وفي كل دولة على اعتراف صريح بالتنوع والاختلاف والمغايرة، وباختلاف مصالح الأفراد والفئات الاجتماعية وتعارضها، ووحدتها الموضوعية في نطاق المصلحة العامة المشتركة (المصلحة الوطنية = القومية)، ولولا ذلك لكانت الانتخابات نافلة أو غير ضرورية. وبتكرارها الدوري مرة تلو مرة تتعزز الوحدة الوطنية وتنمو شكلاً ومضموناً، ويغدو اختلاف المصالح وتعارضها عاملاً رئيساً من عوامل النمو والتقدم حين يدرك الأفراد والفئات الاجتماعية أن مصالحهم ومصالحها لا تتحقق إلا في إطار المصلحة العامة وبكفالة القانون. والمؤسسة التشريعية هي الجهة المعنية لا بوضع القانون الذي يكفل هذه المصالح فحسب، بل بتحديد اتجاه التطور الاجتماعي ومضمونه، ولذلك كان في الانتخابات مصلحة فعلية لجميع أفراد المجتمع ولجميع الفئات الاجتماعية بلا استثناء.

فالانتخابات التشريعية التي تستحق اسمها تؤكد في كل مرة حقيقة أن الكل الاجتماعي هو السيد الذي يشرِّع لنفسه، فلا معنى لسيادة الدولة من دون هذه السيادة، سيادة الشعب. ومن ثم فإن أي جزء من أجزاء المجتمع طبقة كان أو حزباً أو تحالف أحزاب لا يستطيع أن يحدد الكل أو أن يشرع للكل، بل لا يحق له أن يفعل ذلك.

وهي، في حقيقة الأمر تعبير مباشر عن إرادة جميع أفراد المجتمع المعني، جميع مواطني الدولة، وعن رغبتهم في المشاركة السياسية، وفي أن يكونوا أعضاء كاملي العضوية في الدولة، أو في الجسم السياسي؛ وقوام العضوية هو المشاركة والمسؤولية. ومن ثم، فإن للبطاقة الانتخابية، كما يفترض، قيمة سياسية لا تقل أهمية عن قيمة وحدة العملة الوطنية في الاقتصاد. ذلك لأن الصيغة السياسية التي ينتجها المجتمع لنفسه هي الشكل الأخير لفاعليته الإنتاجية على الصعيدين المادي والروحي. وهي بهده الصفات مدخل إلى تقدم المجتمع، في ضوء الخبرة التي يراكمها بين دورين تشريعيين، فيعدل ويحدث على أساسها النظام العام والقوانين الناظمة لسائر مجالات حياته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية؛ ففي المدة الفاصلة بين دورين تشريعيين تختبر البرامج والتوجهات التي ينتخب على أساسها أعضاء المؤسسة التشريعية في نار الممارسة العملية، فتظهر الحاجة إلى سن قوانين جديدة أو تحديث القوانين القديمة وتعديلها. والمؤسسة التشريعية أو السلطة التشريعية التي ينتخب الشعب أعضاءها انتخاباً حراً ومباشراً وسرياً بإشراف قضاء نزيه ومستقل، ليمثلوا الشعب لا لينوبوا عنه، هي السلطة السيدة التي تمارس التشريع وتراقب تنفيذ القوانين وتحاسب الحكومة فتمنحها الثقة أو تحجبها عنها.

والمؤسسة التشريعية التي ينتخبها الشعب على النحو الذي أشرت إليه مسؤولة فقط أمام الشعب الذي انتخبها بصفتها تعبيراً عن سيادته وعن كونه مصدر جميع السلطات؛ فهو الذي يمنحها الثقة أو يحجبها عنها كلاً أو جزءاً. وبهذا تتأكد حقيقة أن الشعب عامة وكل مواطن خاصة هو حاكم ومحكوم، فيتحول القانون إلى وازع داخلي وقوة روحية في الفرد والمجتمع، بل يغدو عنصراً حياً في الضمير الفردي والجماعي. ولا تتجلى حيوية المجتمع وحياته الثقافية والسياسية في شيء أكثر مما تتجلى في مراقبة جميع السلطات ونقدها ومحاسبتها مادياً ومعنوياً.

لعل أهم أسباب الركود الذي عانت منه بلادنا ولا تزال تعاني هو صورية الانتخابات وشكليتها، وعدم قيام الهيئات المنتخبة، ولا سيما الهيئة التشريعية، بالوظائف التي يفترض أنها منوطة بها. ومن ثم فإن أهم ما تثيره الانتخابات التشريعية القادمة في سورية من قضايا هو علاقة الحزب الحاكم  والجبهة الوطنية التقدمية بالسلطة؛ فهل يقبل حزب البعث العربي الاشتراكي بنوع من تسوية تاريخية مع المجتمع تقتضيها ظروف البلاد الداخلية قبل الخارجية، وتفضي إلى إصلاح فعلي، أو تضع البلاد على طريق الإصلاح الفعلي؟ تسوية قوامها: الكل هو الذي يشرع والجزء هو الذي يحكم بموجب تشريع الكل، فتعود للدولة صفة الكلية والعمومية، إذا تواضع حزب البعث العربي الاشتراكي واعترف بحقيقة أنه جزء من الجسم السياسي السوري، وان الجزء لا يحق له أن يشرع للكل.

فهل لنا أن نأمل في أن الإصلاح التدريجي الآمن الذي يربح فيه الجميع يمكن أن يبدأ فعلياً بالانتخابات التشريعية القادمة أم ستظل وظيفة الانتخابات تسويغ الوضع القائم وتشريع الاستبداد والاحتكار؟

لكي تكون الانتخابات مدخلاً إلى الإصلاح، ونحن نعتقد أنها مدخل ضروري، بعد أن تعذر على السلطة السير في طريق الإصلاح الاقتصادي والإداري أو إصلاح القضاء والتعليم، ينبغي أن تتخلى السلطة عن وهم أن حزبها، حزب البعث العربي الاشتراكي، وجبهتها الوطنية التقدمية يمثلان الشعب كله؛ وأنهما قادران على إدارة المجتمع. وأن تتخلى بالمقابل عن وهم أن أجهزة الأمن قادرة هي الأخرى على تعويض عجز الجبهة الوطنية التقدمية عن إدارة المجتمع والدولة، بأسلوبها الأمني الخالص الذي شل الحياة السياسية والثقافية وأخضع جميع مؤسسات الدولة ومجالات الحياة الاجتماعية للاعتبارات الأمنية، فضلاً عما تسبب به من فساد وإفساد وما جره على المجتمع من آلام.

فإذا تخلت السلطة السياسية، ولا سيما مؤسسة الرئاسة، عن هذه الأوهام يغدو من الضروري أن تخاض الانتخابات وفق إحدى الصيغتين الآتيتين: إما انتخابات على أساس حزبي ونسبي تستبعد استبعاداً كلياً مبدأ الكوتا، أي الحصص المحددة مسبقاً، سواء لأحزاب الجبهة أو للفئات الاجتماعية، وتفسح في المجال لجميع الأحزاب السياسية بلا استثناء، مهما كان عدد أعضاء أي منها، أن تشارك على قدم المساواة، وأن تحظى جميعها بفرص متكافئة في جميع مراحل العملية الانتخابية، على أن يكون القطر كله دائرة انتخابية واحدة، وأن يحدد عدد أعضاء المجلس بنسبة عدد السكان، فتكون فرص نجاح أي حزب محددة بالنصاب القانوني للمقعد النيابي الواحد، بشرط رفع الحظر عن سائر الأحزاب السياسية المعارضة، وعدم تدخل السلطة التنفيذية، ولا سيما أجهزة الأمن في العملية الانتخابية. ولعل خوض كل من أحزاب الجبهة الانتخابات مستقلاً مما يمكن أن يجدد حيوية هذه الأحزاب ويعيد الصلات المقطوعة بينها وبين المجتمع. وإما انتخابات على أساس الدوائر الانتخابية المحلية توفر فرصاً متكافئة لمرشحي الأحزاب السياسية و للمستقلين من سائر الفعاليات الاجتماعية، فتكون اختباراً لرصيد الأحزاب الفعلي في المجتمع، ومدخلاً لتنميته على أساس الممارسة والإنجاز.

ولا يمكن أن تكون الانتخابات نزيهة ومعبرة عن إرادة الناخبين الحرة إلا إذا نأت عن ضغوط أقوى سلطتين في الواقع: السلطة التنفيذية، ولا سيما سلطة أجهزة الأمن، وسلطة المال؛ وهو ما يقتضي إشراف القضاء إشرافاً مباشراً على جميع مراحل العملية الانتخابية، ورقابة الإعلام الحر بجميع وسائلة المقروءة والمسموعة والمنظورة. فهل هذا ممكن؟

ولا نغالي إذا قلنا إن الانتخابات التشريعية القادمة ستكون اختباراً عملياً للرؤية الإصلاحية التي عبر عنها رئيس الجمهورية في خطاب القسم واستجابت لها معظم فئات الشعب، لأنها تندرج في باب الضروري الممكن الذي لا يحتاج إلى أكثر من إرادة سياسية، في حين يحتاج الإصلاح الاقتصادي والإداري وإصلاح القضاء والتعليم إلى ما هو أكثر من الإرادة السياسية. ونظن أن المواطن يتأرجح بين تشاؤم العقل الذي لا يزال يرى في الانتخابات محاولة لإعادة إنتاج تشريع الاستبداد وتزيين وجهه القبيح، وتفاؤل الإرادة بفسحة من الأمل وفسحة من الحرية ودرجة مناسبة من المشاركة السياسية تمكن المجتمع من الإمساك ببعض خيوط مصيره في مرحلة تذهب فيها المنطقة برمتها إلى المجهول.

 

دمشق، ص ب 2582

تلفاكس 6711099

E.Mail:  jebaae@scs-net.org