الحرب والسياسة

 

"السجين الذي يخرج من سجنه ولا يفكر إلا بوضع

     سجانه فيه لا يكون قد تعلم من تجربته شيئا"ً.

إدغار موران

كانت السياسة تمارس في بلادنا، إلى وقت قريب، ولا تزال تمارس في حدود أضيق، على أنها حرب على الآخرين، سافرة حيناً، وخفية أحياناً. حرب متعددة الوسائل والأساليب، هي حرب الحاكمين على المحكومين، والمالكين على غير المالكين، والأغنياء على الفقراء، والأقوياء على الضعفاء. وما ذلك  إلا لأن البنى والعلاقات  الاجتماعية والسياسية قامت على مبدأ الغلبة والقهر، المبدأ الذي قوامه  ثالوث: "العشيرة والغنيمة والعقيدة"، أو العصبية (الطبيعية أو المذهبية أو الحزبية) والنهب  وأيديولوجية ما تمثل ذروة من ذرى "المشروعية" العليا. ولا تزال كلمة السياسة في العربية محمَّلة بإيحاءات الترويض والتذليل والإكراه، وبمعاني التحكم والتسلط والولاية على البشر. ويذهب بعضهم إلى تعريفها بأنها "فن إدارة البشر والأشياء"، أي فن إخضاع البشر وتملك الأشياء. ويؤكد ذلك استعادة بعضنا قول كلاوزوفيتز: "الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى". وحين يسيطر اليأس وتتسع مساحته حتى تغطي جميع مجالات الحياة يتحول اليأس إلى شجاعة، وتغدو "السياسة" حرب الجميع على الجميع، أو حرباً يخسر فيها الجميع. وفي ضوء ذلك، يبدو صحيحاً قول القائل: "جميع الفنون أنتجت روائع، إلا السياسة فقد أنتجت مسوخاً".

الفارق النوعي بين منطق الحرب ومنطق السياسة أن الأول يفترض غالبين ومغلوبين، ورابحين وخاسرين، فضلاً عن منطوياته ومضمراته الأخرى. في حين يفترض منطق السياسة متشاركين ورابحين، بنسب متفاوتة بالطبع. فهل ثمة فرصة في وطننا الكبير، بوجه عام، وفي وطننا الصغير، سورية، بوجه خاص، لسياسة تفضي إلى مشاركة فعلية يربح فيها، وبها، جميع المتشاركين، بنسب متفاوتة؟ وبعبارة أخرى، هل ثمة فرصة لسياسة تنفي الحرب من المجتمع والدولة، وتستأصل   جذورها من العلاقات الاجتماعية والسياسية، وتعيد بناء العلاقة بين السلطة والمعارضة على أساس  أن وجود كل منهما هو شرط وجود الأخرى ومصدر مشروعيتها، وعلى أساس أن حقوق الثانية هي واجبات الأولى؟ وهل بوسعنا إعادة تعريف السياسة على أنها الشأن العام، أو الشيء العام المشترك بين جميع المواطنين وجميع الفئات الاجتماعية والاتجاهات والقوى الفكرية والسياسية، وممارستها  على أنها نفي الحرب "خارج المدينة" وخارج المدنية؟

لنعترف أولاً، أن العام الذي مضى على تسلم الدكتور بشار الأسد مقاليد الحكم قد شهد نوعاً من  انفراج نسبي في الحياة العامة، ولا سيما على صعيد حرية التعبير، على الرغم من منع المنتديات واستثناء بعضها، وعلى الرغم من حملة التشهير والاتهام، أو "التكفير" والتخوين، التي شنتها بعض أطراف السلطة وبعض حاشيتها على المثقفين والعاملين في الحقل العام. في هذا العام المنصرم قيل،  في المنتديات والملتقيات، كلام كثير، وكتبت أبحاث ومقالات كثيرة، يبدو للمراقب المنصف أن القاسم المشترك فيما بينها هو الرغبة العميقة في طي صفحة الماضي والتطلع إلى المستقبل، انطلاقاً من اللحظة الراهنة والواقع القائم، والمشاركة الإيجابية في مشروع الإصلاح والتغيير، أو التحديث والتطوير. ولم تظهر، لا في المنتديات والملتقيات ولا في الخطاب الثقافي والسياسي، أي دعوة إلى  فتح ملفات الماضي، ولا أي نزعة إلى الثأر والانتقام، باستثناء بعض الأصوات الناشزة التي سنلقي بعض الضوء على خلفياتها وأسبابها.

والخطاب الثقافي الذي احتل مقدمة المسرح لم يكن ستاراً لأي غاية لم يفصح عنها المثقفون خاصة، والعاملون في الحقل العام، أو في مجال حقوق الإنسان عامة؛ فلم تشهد سورية البلد والشعب، منذ عقود، ما تشهده اليوم من علانية وشفافية ووضوح في المقاصد والأهداف، لا سيما أن المدخل إلى السياسة هذه المرة كان مدخلاً ثقافياً. ومن المعروف أن الثقافة توحِّد ما تفرِّقه السياسة، عندما تتخلى هذه الأخيرة عن قيم الثقافة ومبادئها وأخلاقها. فإن كل ما قيل عن الماضي، على مدار العام المنصرم، كان ينطلق، في الأعم والأغلب، من حقيقة أن للماضي قيمة تفسيرية، فإذا لم يضع الفكر يده على الأسباب والعوامل التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه، فلن يستطيع فهم الواقع واستشراف المستقبل. وتجربة العقود الماضية، بكل ما لها وما عليها، شأنها شأن أي تجربة تاريخية، هي تجربة المجتمع  كله والشعب كله، ولا تستنفد في تجربة حزب أو تحالف أحزاب. وليست تجربة فريق دون غيره، أو  حزب دون سواه. إنها تجربتنا جميعاً مجتمعاً ودولة وسلطة ومعارضة وأفراداً وجماعات وفئات اجتماعية، لكل منا إسهامه فيها وسهمه من نجاحاتها وأخطائها. لذلك كان نقدها، بكل ما ينطوي عليه مفهوم النقد من دلالات معرفية وأخلاقية، هو حق للجميع وواجب على الجميع، وليس بوسع أحد أن يدعي أن رأيه هو الحق، أوأن قوله هو القول الفصل. وليس في تاريخ البشر تجربة هي شر مطلق وضلال محض وخطأ خالص، فلا وجود للشر والضلال والخطأ، في الواقع، بمعزل عن الخير والحق والصواب، فالأشياء لا تعرف إلا بنقائضها وأضدادها، ولا تتحدد إلا بها. وليس، في الواقع، حق لا يلابسه باطل، أو خير لا يباطنه شر أو صواب لا يشوبه خطأ، وإلا كنا خارج الواقع وخارج المنطق الذي هو منطقه. فالثنائيات المتضادة تضاداً مطلقاً ليست موجودة سوى في ذهن الإنسان الذي لا يمكنه التخلي عن المطلقات، لأنه لو فعل ذلك لتخلى عن المعرفة وكف عن التقدم. لكن المطلق   حد يحدُّ النسبي، ولولاه يصير كل نسبي مطلقاً، ونسقط في الوثنية والاستبداد. "ومن ليس في روحه وفي فكره المطلق يحوِّل نسبيَّه إلى مطلق، وذلكم هو الاستبداد". إننا لا نستطيع أن نستأصل الشر من العالم، وليس بوسع البشرية أن تفعل ذلك في المستقبل. وقصارى ما نستطيع فعله اليوم وغداً هو أن نقلص حجم الشر ونخفف من آثاره وويلاته باطراد.

الأصوات الناشزة التي أشرت إليها صدرت وتصدر عن بعض رموز القمع والفساد من أهل الحكم، وعن بعض "المعارضين" وبعض "الناشطين في مجال حقوق الإنسان". ومن البديهي أن يكون منطق أولئك وهؤلاء واحداً، وأن ينطلقوا جميعاً من رؤية ثنوية، مانوية، إلى العالم وإلى المجتمع والإنسان، رؤية تقسم العالم شاقولياً إلى عالمين: عالم الخير الخالص وعالم الشر الخالص. وفي اعتقادي أن هذا الصنف من أهل الحكم كان ولا يزال يسيء للحكم، وأن هذا الصنف من المعارضين المتطرفين، والناشطين المتطرفين في مجال "حقوق الإنسان"، كان ولا يزال يسيء للمعارضة بوجه عام، وللمعارضة الوطنية الديمقراطية بوجه خاص، ويسيء لقضية حقوق الإنسان. وفي اعتقادي أيضاً أن أولئك وهؤلاء متواطئون، موضوعياً، على استمرار الأوضاع على ما هي عليه، بل على ما كانت عليه، لكي يحافظ هذا "البعض" من أهل الحكم على امتيازاتهم ومكاسبهم غير المشروعة، ولكي يسوِّغ بعض هؤلاء "المعارضين" الأشاوس معارضتهم، ويغذوا أوهامهم الذاتية. وفي ظني أن هذين الصنفين وجهان قبيحان للعملة ذاتها، لا يستغني أحدهما عن الآخر، وإلا فقد شرط تعصُّبه وتطرُّفه. وفي ظني، وبعض الظن إثم، أن ذلك الصنف الناشز من أهل الحكم أوغر، أو حاول أن يوغر، صدر رئيس الجمهورية على المثقفين والعاملين في الحقل العام بذريعة هؤلاء المعارضين المتطرفين الذين  يطالبون بفتح ملفات الماضي ومحاسبة جميع الذين انتهكوا حقوق الإنسان. ومن المفارقات اللافتة أن بعض هؤلاء المتطرفين طارئون على المعارضة، وغرباء عن المعارضة الديمقراطية خاصة، وقد جعلت وسائل الإعلام من بعضهم أبطالاً في زمن لم تعد تنعقد فيه ألوية البطولة للأفراد، لأنه زمن العلانية، على الأقل. المتطرفون في السلطة والمعارضة متواطئون موضوعياً على استمرار القمع والفساد، وبين القمع والفساد علاقة سببية يفضي بموجبها كل منهما إلى الآخر ويسوغه، ويغذيه ويتغذى منه.

لهؤلاء المتطرفين في المعارضة وفي مجال حقوق الإنسان نقول: اتقوا الله في المعارضة وفي قضية حقوق الإنسان، فالمعارضة السياسية التي تستحق هذه الصفة لا تسلم قيادها للحقد، فهو مرشد سيئ   في السياسة، وفي غير السياسة أيضاً، ولا تقبل بمنطق الثأر والانتقام. وحقوق الإنسان هي حقوق المظلومين والمحرومين حتى يستعيدوا حقوقهم، وحقوق الظالمين والمستغلين حين يؤدون ما عليهم من حقوق لأصحابها. لقد حسم الوعي الاجتماعي العربي موقفه من قضية الثأر والانتقام، فمتى يحسم الوعي السياسي موقفه من هذه القضية، ويكف عن النظر إلى السياسة وعن ممارستها حرباً على الاخرين؟

إن القول بمحاسبة من انتهكوا حقوق الإنسان في سورية، قول حق يراد به باطل، ومحاولة للتشويش على الحركة الثقافية والسياسية العلنية والسلمية المتجهة إلى المستقبل، والتي تعمل في سبيل مصالحة وطنية ينضجها حوار وطني شامل لا يستثنى من دائرته أحد، من جهة، وهو، من جهة أخرى، شرك أو فخ ينصبه المتواطئون موضوعياً على استمرار القمع والفساد في السلطة وفي المعارضة على السواء للإيقاع بالبسطاء وحسني النية ممن تعرضوا للقمع وعانوا من آثاره، ودفعهم إلى التطرف والغلو. ومثل هذه الدعوة، في الخطورة، الدعوة إلى، أو القبول بـ " تدخل قوة أو قوى خارجية  لحماية حقوق الإنسان"، في حين إن مجرد ردع الولايات المتحدة الأمريكية عن عدوانها وغطرستها، وهي القوة الوحيدة القادرة على التدخل، هو الذي يفتح الطريق ممهدةً لحقوق الإنسان. إن حقوق الإنسان غاية في ذاتها، ولا يجوز أن تكون وسيلة لأي غاية أخرى، أو ستاراً لها.

لقد أفصح الشعب السوري، على عادته كلما أتيحت له فرصة التعبير عن الذات، أفصح عن روح مدنية قل أن تجد لها مثيلاً، على الرغم من كل ما لقيه وعاناه. فهو لا يريد أن يحاسب أحداً ولا أن يثأر لنفسه أو ينتقم من أحد، بل نكاد نقول: إنه نسي لغة الثأر والانتقام، سوى في أضيق الدوائر الأكثر تأخراً وجفاء لروح المدنية، ويشعر المرء بكثير من الحرج أن يقول: إن هذه الأصوات الناشـزة، في السلطة والمعارضة، تنتمي إلى هذه الدوائر الضيقة الأكثر تأخراً وجفاء لروح المدنية. والمدنية والسياسة، بالمعنى الذي أشرنا إليه، صنوان لا يفترقان. والحرب نقيض المدنية وعدوها الألد، فقد كانت المدنية تبني على مر التاريخ والحرب تهدم.