الانتماء والتواصل

جاد الكريم الجباعي

 

1 - في مفهوم المواطنة

الوطن والوطنية والمواطنة نسق أو نسل من المفاهيم السياسية والحقوقية والأخلاقية القديمة / الجديدة، أي التي أعيد إنتاجها بدلالة منطق الحداثة ومقولاتها المركزية كالإنسية والعقلانية والعلمانية والديمقراطية والمجتمع المدني والدولة السياسية، أي الدولة الحديثة. وهي كليات بسيطة مجردة من أي عنصر أيديولوجي ما لم تندرج في خطاب سياسي أو ثقافي معين بزمان المتكلم ومكانه. ولعلة من الصعب أن نقف على الدلالات الحقيقية لهذه الكليات ما لم نجردها من مضامينها وإيحاءاتها الأيديولوجية والقيمية أو المعيارية التي لا بست دلالاتها الحقيقية، وغلبت عليها منذ بدايات اليقظة السياسية في "العالم العربي"؛ فنقد الكلمات والتحرر من سحرها شرطان أوليان وضروريان للخروج من إسار الوعي الأيديولوجي، وأزعم أن الوعي السياسي العربي المعاصر يغلب عليه العنصر الأيديولوجي، إن لم نقل إنه وعي أيديولوجي بالتمام والكمال، لأن جذره هو الاعتقاد بالتمامية والكمال.

منذ نشأت الدولة السياسية الحديثة وصفت بأنها دولة وطنية، أو قومية، وهما بمعنى واحد، وهذا الوصف يعني أنها تعبير عن كلية المجتمع وتجريد عموميته، وتحديد ذاتي للشعب، وشكل سياسي للوجود الاجتماعي، بكل ما ينطوي عليه هذا الوجود من تعدد واختلاف وتعارض. ومن ثم فإن الوطنية صفة للدولة وتحديد ذاتي لمواطنيها، ولم يكن ممكناً أن تكون كذلك لولا طابع الكلية والعمومية في الصفة والموصوف. الصفة في العربية، وفي غيرها من لغات بني آدم تابعة للموصوف في جميع أحواله، وهي تحديد وتعيين، وكل تحديد أو تعيين هو نفي أولاً وتقليص ثانياً: نفي لما كانت عليه "الدولة"، ونفي لما هي عليه، ونفي لكل ما يناقض كليتها وعموميتها؛ وتقليص لكلية الكائن وكونيته، فمواطنو دولة بعينها متماثلون مع غيرهم من مواطني الدول الأخرى في الحيثية الإنسانية، وهي حيثية حاكمة من المبدأ والمنطلق؛ وكل صفة هي تقليص للموصوف الذي لا يستنفد في صفة واحدة من صفاته؛ فالموصوف لا يعرف بتمامه إلا بجميع صفاته وحدوده وتعييناته. وما يعنينا هنا هو كون الوطنية صفة للدولة وتحديداً ذاتياً لمواطنيها، وليست حكم قيمة على هذا المواطن أو ذاك أو على هذه الفئة الاجتماعية أو تلك أو على هذا الاتجاه السياسي أو ذاك، كما هو شائع عندنا. والوطنية، على الصعيد القانوني، ترادف "الجنسية"، فجميع الذين يحملون جنسية دولة معينة هم مواطنوها، بغض النظر عن انتماءاتهم الإثنية أو اللغوية أو الثقافية أو الدينية أو المذهبية، ناهيكم عن العشائرية والجهوية وما إليها، وبغض النظر عن اتجاهاتهم وميولهم الفكرية والأيديولوجية والسياسية. ويمكن القول إن الوطنية هي التحديد الأخير لمواطن دولة ما، وهو تحديد لا ينفي عن المواطن المعني انتماءه الإثني أو اللغوي أو الديني أو المذهبي .. ولكنه ينفي أن يكون هذا الانتماء ما قبل الوطني هو ما يحدد علاقته بالدولة ويعيِّن من ثم حقوقه التي هي واجبات الدولة وواجباته بما هي حقوق الدولة وحقوق المجتمع.

ينتج من ذلك أن المواطنة علاقة بين الفرد/المواطن والدولة، علاقة ذات مضامين اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية وحقوقية وأخلاقية، وأنها من ثم صفة لا تقبل التفاوت والتفاضل، فليس هناك في الدولة المعنية من هو مواطن أكثر أو أقل من الآخر، الأكثر والأقل ينفيان بالتساوي صفة المواطنة. ونفي صفة المواطنة عن أي من أعضاء الدولة السياسية، بغير حق، أي بغير سند قانوني، يعادل نفي صفة الوطنية عن الدولة ذاتها[1]. والسلطات السياسية التي تحتكر "الوطنية" وتحتكر "الحقيقة" فضلاً عن الاحتكارات الأخرى، وترمي معارضيها باللاوطنية تنفي الوطنية عن نفسها وعن الدولة التي سيطرت على مقدراتها بالقوة العارية. والمساواة في المواطنة لا تعني المساواة في الثروة والقدرة أو في الملكات والمواهب، بل تعني المساواة أمام القانون، بغض النظر عن سائر الفروق.

ولما كانت الدولة الحديثة تجريداُ لكلية المجتمع المدني وعموميته وتحديداً ذاتياً للشعب، وشكلاً سياسياً للوجود الاجتماعي، فإنها لذلك كله المعادل السياسي الموضوعي للأمة[2]. والوطنية هي التعبير المرادف للهوية بوصفها جدل الانتماء والتواصل، ولا يجوز قصرها على أحد هذين الحدين وإلا تحولت إما إلى هوية حصرية وانثنائية وإقصائية لا تنتج سوى الاستبداد، كالانتماء إلى أصل مفترض أو إلى دين أو مذهب أو إلى غير ذلك من الانتماءات الحصرية، وإما إلى كوسموبوليتية جوفاء وبلا جذور. قوام الهوية الحية هو جدل الانتماء والتواصل الذي يتجلى في المجتمع المدني والدولة الوطنية بالتلازم الضروري[3]. وهذا الجدل هو نفسه ما يرقى بالمجتمع المدني والدولة السياسية إلى المجتمع المؤنسن أو الجماعة الإنسانية بتعبير كارل ماركس. وقد أشرنا غير مرة إلى أن المجتمع المدني هو التجسيد العياني للأمة. التواصل هو الذي يرقى بالانتماء إلى مستوى الانتماء إلى الجماعة الإنسانية، والانتماء هو الذي يمنح التواصل معنى واتجاهاً ويؤسسه في واقع التنوع والاختلاف. وكل علاقة لا بد أن تفضي إلى تأثيرات أو تغييرات معينة في طرفيها معاً، أو في أطرافها جميعاً. وليس تثاقف الأمم والشعوب وتعارفها إلا من هذا القبيل.

اتسمت الأزمنة الحديثة بالانتقال من التشظي والتناثر إلى المركزية، ومن الانتماءات والولاءات الحصرية، الطبيعية وشبه الطبيعية، إلى المواطنة، ومن التبعية إلى الاستقلال والحرية، ومن نظام الامتيازات وتسلسل الولاءات الشخصية إلى حكم القانون، أي من ما قبل الدولة الوطنية، إلى الدولة الوطنية. فالدولة الوطنية المركزية والمواطنة والاستقلال والحرية وحكم القانون هي مقومات الوطنية الفعلية، وأهم معالم الحداثة، بكل ما لها وما عليها.

الوطنية في الخطاب السياسي العربي الحديث والمعاصر، ولا سيما في الخطاب القومي، تحيل على الانتماء، أي على الهوية الثابتة الحصرية والانثنائية والإقصائية، وتقابلها النزعة الأممية الجوفاء للأحزاب الشيوعية العربية والنزعة ما فوق الوطنية للجماعات الإسلامية. ويخطئ من يظن أن "الأممية الشيوعية" التي خبرناها والإسلاموية القائمة بين ظهرانينا تقومان على مبدأ التواصل، لا على مبدأ الانتماء المغلق الطارد والنافي. والدليل على ذلك سهولة التنقل والترحال بين هذه العوالم المغلقة والانتماءات الحصرية الشبيهة بالانتماء العشائري أو الديني أو المذهبي أو الإثني. وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم الوطنية أو القومية التبس، في الوعي السياسي العربي، بالحركة الوطنية أو الحركة القومية، أي بالأحزاب والتيارات التي نسبت نفسها إلى الوطنية أو إلى القومية وقصرتهما عليها. وأزعم أن مفهوم المواطنة كان ولا يزال غائباً عما يسمى "الحركة القومية"، وعن الوعي السياسي العربي بوحه عام. وهو في جميع الأحوال، وبغض النظر عن هذه الملاحظة مفهوم حديث، ووافد إذا شئتم، مع أنه يحيل في العربية على المشاركة في المكان.

ميز أفلاطون الفرد المسوق بسائق حاجاته ورغباته وأهوائه ونزواته من المواطن الذي يتعلق بقيم الخير والحق والجمال ويتطلع إلى الحرية والعدالة والمساواة. وفي ضوء هذا التمييز يبدو لنا الفرد أساس المجتمع المدني والمواطن أساس المجتمع السياسي؛ ولذلك فإن مجرد الإقامة في المكان لا تعد مواطنة بأي حال من الأحوال.

بعد أفلاطون حدد أرسطو المواطن بأنه عضو الدولة، وأشار إلى أن محتوى هذا المفهوم ودلالاته يختلفان بحسب نظام الحكم؛ "إذ يكثر ما يكون المواطن موضوع جدل، من حيث أن الجميع لا يتفقون على كون المواطن شخصاً واحداً (معيناً)، فقد يتفق مراراً في حكم الأقلية ألا يعتبر مواطناً من هو مواطن في الحكم الشعبي"[4]. ولا يكون المرء مواطناً بمجرد سكناه في البلاد، "لأن النزلاء والأرقاء يشاطرونه تلك السكنى" وليسوا مواطنين. "والذين يشتركون في حقوق الدولة اشتراكاً فعلياً يمكنهم من المرافعة ويخضعهم للمحاكمة ليسوا هم أيضاً من قبل ذلك مواطنين"، لأن ذلك أمر مضمون لمن تشركهم المعاهدات في تلك الحقوق". "والأولاد الذين لم يُحصوا بعد، لحداثة سنهم، والشيوخ الذين أطلق سراحهم ينبغي أن نعترف بكونهم مواطنين من بعض الوجوه، وإن لم يكونوا مواطنين دونما قيد أو حصر. ولذا نضيف أن أولئك مواطنون لم يكتملوا بعد، وأن هؤلاء مواطنون قد فات أوانهم، أو ننعتهم بشيء آخر من هذا النحو ... وفي وسع المرء أن يشير بشأن الساقطين من حقوقهم المدنية والمشردين صعوبات تقرب من الصعوبات الآنفة الذكر، وفي وسعه أيضاً أن يلقى لها حلولاً مماثلة"[5].

"أما المواطن البحت فليس له من بين الحدود الأخرى حد أفضل من كونه يشترك في القضاء والسلطة". سواء كانت السلطة محدودة بوقت معين ولا يليها الشخص نفسه إلا مرة واحدة، أو غير محدودة بوقت معين كسلطة القاضي وسلطة العضو في مجلس الأمة.

تبدو طريقة أرسطو في التحديد والتعريف واضحة، فقد أخرج من دائرة التعريف كل من لا تطلق عليه صفة المواطن وصولاً إلى تحديد المواطن البحت تحديداً إيجابياً بأنه من يشترك في القضاء والسلطة. فكل عضو في الدولة يحق له أن يشترك في القضاء والسلطة، سواء كانت هذه الأخيرة تشريعية أم تنفيذية، أي إنه عضو في إحدى هذه السلطات بالقوة، ويمكن أن يصير عضواً فيها بالفعل. بل يذهب أرسطو إلى أن المواطن هو من يشترك في سلطة غير محدودة، وما ذلك سوى لأهمية السلطتين التشريعية والقضائية في نظره.

وتبدو لنا قيمة هذا التحديد في كونه انطلق من المواطن المفرد، أي من الفرد السياسي، لا من الجمع، فليس ثمة جمع بلا مفرد. المفرد هو الموجود الفعلي المباشر الذي تتعلق به جميع الصفات والمحمولات، وتتجلى فيه ماهية الإنسان الكلية. وهذا الفرد السياسي، المواطن،  هو أساس الدولة السياسية، أساس الجمهورية. فهو يقول: "فمن هذه الاعتبارات قد اتضح إذن من هو المواطن. ونحن الآن ندعو مواطن دولة من له في تلك الدولة حق الاشتراك في السلطة الاستشارية وفي السلطة القضائية. والدولة جماعة تتألف من أمثال هذا الشخص، قادرة بوجيز القول على الاكتفاء الذاتي في مرافق الحياة"[6].

فضيلة المواطن عند أرسطو هي الاشتراك في المواطنة لتحقيق مصلحة عامة وغاية جماعية؛ "فكما نقول إن الملاح هو أحد الشركاء في الملاحة كذلك نقول إن المواطن هو أحد الشركاء في الوطنية. والبحارة متباينون في حذقهم: فهذا جذَّاف يضرب بالمقذاف وذاك مدير لدفة السفينة وآخر قائم على حركات مقدمها وغيره قد نال لقباً آخر يدل على مهنته، ومن ثم يتضح أن السبب الأساسي لوظيفة كل منهم هو العلة الخاصة لفضيلته، كما أن هناك سبباً عاماً يلائم كيان الجميع، لأن سلامة الإبحار هي عملهم أجمعين، إذ كل منهم يتوق إليها ويلتمسها. فشأنهم في ذلك كشأن المواطنين، فسلامة هؤلاء على اختلاف طبقاتهم هي من مفاعيل اشتراكهم. وما النظام السياسي سوى شركة. ولذا وجب ضرورة أن تهدف فضيلة المواطن إلى النظام السياسي"[7]. وما دام الأمر منوطاً بالنظام السياسي فإن كل مواطن يقوم بوظيفة ضرورية للآخرين، فلا أقل من أن يتقن كل مواطن عمله ويقوم بما أوكل إليه حتى تكون الدولة فاضلة بفضائل مواطنيها. والمواطن الجدير بالاعتبار هو من يحسن الرئاسة والخضوع، أي من بوسعه أن يكون حاكماً ومحكوماً في الوقت ذاته؛ حاكم لأنه من يضع القوانين، ومحكوم لأنه من يحترمها ويطيعها. ومن لا يتعلم احترام القوانين والتزامها لا سبيل إلى أن يحسن الرئاسة. الطاعة والرئاسة فضيلتان سياسيتان يحسن بجميع المواطنين تعلمهما. وقوامهما العفة والعدل والفطنة، وهذه الأخيرة هي فضيلة الرؤساء خاصة.

المواطنون هم من لا قوام للدولة بدونهم. في زمن أرسطو وقبله لم تكن صفة المواطن تطلق إلا على الرجال الأحرار المعفين من القيام بالأعمال الضرورية التي كانت وقفاً على الأرقاء والعبيد والصناع وأهل الحرف. ولكن مع أخذ هذه الواقعة في الحسبان تكتسي الحدود التي وضعها أرسطو للمواطنة أهمية خاصة، ولا سيما حد الحرية. فليس من الحكمة أن نشيح عن هذه الحدود أو ننصرف عنها أو نستهين بها بحجة التفاوت الاجتماعي، وانقسام المجتمع آنذاك إلى عبيد وأحرار. بل إن التعريف الذي وضعه أرسطو للعبد من شأنه أن يحفز الناس في زماننا على رفض العبودية السافرة والمقنعة؛ فالعبد عند أرسطو هو "من ضعف روحه وقلت حيلته فأتبع نفسه لغيره". فالاستتباع والتبعية سمتان رئيستان من سمات المجتمع العبودي، والتبعية العمياء خاصة هي من أبرز سمات العبودية. والتبعية والولاء الشخصي أو الديني أو المذهبي أو العشائري أو الحزبي أو الأيديولوجي صنوان. إنهما معاً ضرب من عبودية مقنعة يتوهم معهما الفرد التابع أو الموالي، ولا فرق، أنه حر ومستقل، وهو ليس كذلك بالفعل. لنقل إن مبدأ المواطنة الحديث نقيض مبدأ التبعية والولاء الشخصي الذي وسم العصور الوسطى الإقطاعية. وأنه ليس من ضمانة للمواطنة سوى القانون.

 

2 - جدل الحرية والقانون

ما زلت أعتقد أن المجتمع المدني هو مملكة الحرية، وأن الدولة الوطنية الحديثة هي مملكة القوانين، وأن العلاقة الضرورية، المنطقية والتاريخية، بين المجتمع المدني والدولة الوطنية هي ذاتها العلاقة الضرورية منطقياً وتاريخياً بين الحرية والقانون. وليس بوسعنا فهم الدلالات الحقيقية للمواطنة إلا في نطاق هذه العلاقة.

في الجمهورية، دولة الحق والقانون، الفضيلة هي حب الوطن، أي حب المساواة، وهذه ليست فضيلة خلقية ولا فضيلة دينية أو فطرية مطلقاً، بل فضيلة سياسية، وهذا هو النابض الذي يحرك الجمهورية. كما أن الشرف هو النابض الذي يحرك الحكومة الملكية، ولذلك سمى مونتسكيو حب الوطن والمساواة بالفضيلة السياسية[8]. وليس عبثاً أن يقرن مونتسكيو مفهوم الوطن بمفهوم المساواة، المساواة في الحقوق، والمساواة أمام القانون، ولنقل: المساواة السياسية، ولذلك كان حب الوطن، أي حب المساواة، فضيلة سياسية. ولعل المساواة السياسية بهذا المعنى مقدمة لازمة وشرط ضروري للمساواة الاجتماعية. و "ويل لمن يريدون أن يكونوا مواطنين من غير أن يكون هنالك وطن؛ وأن ينالوا غناهم من أيدي هادميهم". من دون قانون عام يطيعه الجميع، ويدافعون عنه، ومن دون مساواة بين المواطنين أمام القانون، ليس هناك وطن، وليس هناك مواطنون، بل أرض وكائنات طبيعية تتنازع عليها، كائنات طبيعية متساوية في الحيثية الطبيعية، ومتساوية في كونها لا شيء سوى ذلك. ولكن "عندما يصبح الناس في مجتمع، يفقدون حس ضعفهم، وتزول المساواة (الطبيعية) التي كانت بينهم، وتبدأ حالة حرب، ويأخذ كل مجتمع خاص في الشعور بقوته، وهو ما يوجب حال احتراب الأمم؛ ويأخذ الأفراد في كل مجتمع في الشعور بقوتهم، فيحاولون تحويل فوائد هذا المجتمع الرئيسية نفعاً لأنفسهم، وهذا ما يحدث حالة حرب فيما بينهم. نوعا حالة الحرب هذان يوجبان وضع قوانين بين الناس". وهذه القوانين نوعان: قوانين تتعلق بصلة الحكام بالرعية، وهذه هي "الحقوق السياسية"؛ وأخرى تتعلق بصلات الناس فيما بينهم، وهذه هي "الحقوق المدنية[9]". القوانين إذاً حاجة ضرورية لتنظيم الاجتماع البشري، بوجه عام والاجتماع السياسي، بوجه خاص. وليست القوانين في كل زمان ومكان سوى تجريد نظري لعلاقات واقعية محكومة على الدوام بجدل الضرورة والحرية. ولذلك اشترط مونتسكيو أن تكون القوانين موافقة للطبيعة، (وقوانين الطبيعة هي قوانين العقل)، وموافقة لمبدأ الحكومة القائمة أو التي يراد إقامتها، سواء كانت موحدة لها، كما هو شأن القوانين السياسية، أو حافظة لهان كما هو شأن القوانين المدنية[10]. وظيفة القوانين السياسية أو الحقوق السياسية هي توحيد المجتمع، ووظيفة القوانين المدنية أو الحقوق المدنية هي الحفاظ على وحدة المجتمع. وثمة روابط ضرورية بين الحقوق المدنية والحقوق السياسية، تجعل من المتعذر قيام إحداها بمعزل عن الأخرى. ولعل من أبرز معالم الاستبداد عدم وجود هذه الصلة بين الحقوق السياسية والحقوق المدنية، وذلك لعدم استقلال المجال الاجتماعي / الاقتصادي عن مجال السلطة. وبحسب مونتسكيو، " يجب أن تكون تلك القوانين خاصة بطبيعة البلد، خاصة بالإقليم البارد أو الحار أو المعتدل، وبطبيعة الأرض وموقعها واتساعها، وبجنس حياة الأمم، (أي بنوع النشاط الذي تمارسه)، ويجب أن تناسب درجة الحرية التي يبيحها النظام، ودين الأهلين وعواطفهم وغناهم وعددهم وتجارتهم وطبائعهم ومناهجهم، ثم توجد لتلك القوانين صلات فيما بينها، صلات بأصلها، وبمقصد المشترعن وبنظام الأمور التي قامت عليها، فيجب أن ينظر إليها من جميع هذه الأغراض"[11]. على أن الحاسم في الأمر عند مونتسكيو هو أن يضع الشعب وحده، بوساطة ممثليه الذين ينتخبهم بحرية، القوانين التي يرضاها لنفسه، وهذا هو القانون الأساسي للديمقراطية. فالحالة المدنية هي اجتماع جميع الإرادات والقوى على الخير العام. ولا يتحقق هذا الاجتماع إلا حين يشعر الذين يأمرون بتنفيذ القوانين بأنهم خاضعون لها وبأنهم يتحملون أعباءها، وحين يشعر الذين يطيعونها بأنهم إنما يطيعون عقولهم وإرادتهم العامة. وهذا معنى قولنا: إن المواطن في الدولة الديمقراطية حاكم ومحكوم في الوقت ذاته، لأنه هو الذي يضع القوانين وهو الذي يطيعها ويحترمها، ومعنى قولنا إن المواطنة هي رديف المشاركة في الشؤون العامة.

لعل ميزة مونتسكيو التي بز فيها كثيراً من معاصريه وممن سبقوه أيضاً، تكمن في ربط الفضيلة السياسية بالتربية، وربط القوانين بالتربية التي تختلف قوانينها في كل أنواع الحكومات، فيكون موضوعها الشرف في الملكيات والفضيلة في الجمهوريات، والخوف في نظم الاستبداد. مبدأ التربية في المجتمع المعني هو نفسه مبدأ الدولة؛ إذ "الفضيلة ضرورية في الجمهورية، والشرف ضروري في الملكية، ولا بد من الخوف في الحكومة المستبدة، ولا ضرورة للفضيلة فيها مطلقاً، ويكون الشرف فيها خطراً .. ومن الضروري أن يقضي الخوف على كل شجاعة، فتنطفئ فيها حتى أدنى مشاعر الطموح"[12]. لا شرف ولا فضيلة مع الاستبداد، إذ ينشأ من طبيعة السلطة المستبدة كون الشخص الواحد الذي يمارسها يجعلها تمارس من قبل واحد أيضاًً، ومن الطبيعي أن يشعر الرجل الذي تحدثه كل واحدة من حواسه الخمس بآيات عظمته بأنه كل شيء، وبأن الآخرين ليسوا شيئاً. وأن يكون إلى ذلك غشوماً ظلوماً جاهلاً. أما الحكومة الجمهورية فهي التي يحتاج فيها إلى جميع سلطات التربية، "فالخوف في الحكومات المستبدة ينشأ من تلقاء نفسه، بين الوعيد والعقاب، والشرف في الملكيات يعزَّز بالعواطف، وهو يعززها من ناحية أخرى. غير أن الفضيلة السياسية في الحكومة الجمهورية هي إنكار للذات، ويمكن تعريف هذه الفضيلة بحب القوانين وحب الوطن. وبما أن هذه المحبة تستلزم تفضيل المرء للمصلحة العامة على مصلحته الخاصة، فإنها تمنحه جميع الفضائل الخاصة، وليست هذه الفضائل غير هذا التفضيل. وهذه المحبة خاصة بالديمقراطيات خصوصاً عجيباً، فالحكومة موكولة إلى كل مواطن في الديموقراطيات وحدها. ويتوقف كل شيء على تمكين ذلك الحب في الجمهورية، ويجب على التربية أن تهدف إلى إلقائه في النفس"[13]. إن حب الوطن وحب المساواة أي حب الديمقراطية هو قوام الفضيلة السياسية التي تتعهد التربية غرسها في النفوس ورعايتها، ومع أن المساواة هي روح الدولة الديمقراطية، فإن ما فيها من تفاوت يجب أن يستخرج من طبيعة الديمقراطية نفسها، ومن طبيعة المساواة نفسها. فلا يمكن للديمقراطية أن تكون نظاماً كاملاً، ولا وجود للمساواة، ولا حاجة إليها، بلا تفاوت. وإن روح الاعتدال هو المرقى الوحيد إلى المساواة؛ والاعتدال نقيض التطرف الذي يولد جميع أشكال العنف وصوره. وكلما نما روح الاعتدال في المجتمع والدولة ينمو فيهما الروح الديمقراطي، إذا انطلقنا من واقع أن الديمقراطية هي حقيقة الدولة وحقيقة نظام الحكم، ما لم تكن هذه الدولة استبدادية وما لم يكن هذا النظام استبدادياً. لذلك يجب أن تتسم القوانين بالاعتدال، بصفته فضيلة بين رذيلتين، أي بين تطرفين: تطرف من اليمين وآخر من اليسار، تطرف في القبول التام وتطرف في الرفض التام، وأن تتخذ أكثر التدابير تأثيراً للاعتراف بحقوق الشعب وحمايتها، ولكسر الاحتكار، احتكار الثروة والسلطة والقوة، وإلغاء كل امتياز يتعدى نطاق القانون. فـ "لاينبغي للقوانين مطلقاً أن تؤيد ما يوجبه الزهو من الفروق بين الأسر بحجة كونها أعظم شرفاً أو أكثر قدماً، ويجب أن يعد هذا من ترهات الأفراد"[14].

للدين في الدولة المستبدة من التأثير ما ليس في سواها، فهو خوف يضاف إلى خوف، وفزع يضاف إلى فزع، ويحاول المستبدون أن يستمدوا بعض احترامهم ومشروعيتهم منه. ويمكن القول إنه يحل في هذه الدول محل القانون، على تأويل يرضي المستبد ويحمي دولته ويرفع شأنه إلى مصاف القديسين. وعلى الرغم من تشارك الحكام والمحكومين في الدين، إلا أن المحكومين ليسوا شركاء لا في السلطة ولا في "مجد الدولة وعظمتها"، ناهيك عن خيراتها. و"الطبيعة البشرية تثور على الحكومة المستبدة بلا انقطاع، غير أن معظم الأمم خاضعة لها، على الرغم من حب الناس للحرية وسخطهم على الطغيان. ويسهل إدراك هذا، ذلك أن إقامة حكومة معتدلة يقتضي ترتيب السلطات وتنظيمها وتعديلها وجعلها تسير، ومنح كل منها من الوزن ما تقاوم به الأخرى، ويعد هذا من بدائع الاشتراع وما يندر صدوره عن المصادفة، وما يندر أن يترك لذوي الحكمة. وعلى العكس يتضح أمر الحكومة المستبدة لكل ذي عينين، فهي نمطية في كل مكان، ولا يُحتاج إلى غير الأهواء في إقامتها "[15] وما فساد الحكومات سوى فساد المبادئ التي قامت عليها. فلا يفسد مبدأ الديمقراطية، بحسب مونتسكيو، بضياع روح المساواة فقط، بل يفسد بالإفراط في انتحال مبدأ المساواة أيضاً. ففي الديمقراطية حدان مفرطان يجب اجتنابهما: روح التفاوت التي تسوقها إلى الأرستقراطية، أو إلى حكومة الفرد، وروح المساواة المتناهية التي تسوقها إلى استبداد الفرد، كما أن استبداد الفرد ينتهي بغزو البلاد[16]. وكان مونتسكيو يرى أن روح المساواة تبتعد عن المساواة في الثروة والملكية بعد السماء عن الأرض، ولا تقوم الأولى مطلقاً على قيام جميع الناس بالقيادة، أو على ألا يكون من الناس أحد مقوداً، بل على إطاعة الإنسان وعلى قيادته أمثاله، وهي لا تحاول ألا يكون له سيد مطلقاً، بل ألا يكون له سيد غير أمثاله[17]. مع أن الناس في الحالة الطبيعية يولدون متساوين، ولكنهم لا يستطيعون البقاء على هذه الحال، فالمجتمع يفقدهم المساواة، وهم لا يعودون متساوين إلا بالقوانين. أي إنهم لا يعودون متساوين إلا في كونهم مواطنين. ومن ثم فإن مكان الفضيلة الطبيعي هو إلى جانب الحرية، ولا تكون إلى جانب الحرية المطلقة أكثر مما تكون إلى جانب العبودية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن مونتسكيو، على ميله إلى الديمقراطية، بل بسبب هذا الميل، يستعيد نقد أفلاطون للديمقراطية التي يمكن أن تؤول إلى فوضى أو إلى استبداد الأكثرية أو استبداد فرد، وإذا فسد مبدأ الحكومة مرة فإن أفضل القوانين يغدو سيئاً، أما إذا كان مبدأ الحكومة سليماً فإن لأسوأ القوانين نتائج حسنة، فقوة المبدأ (مبدأ الدولة) تجتذب كل شيء[18].

وقد لاحظ مونتسكيو أن الحرب والتوسع هما روح الملكية، والسلم والاعتدال هما روح الجمهورية، ولا يدوم اتحاد ملكية وجمهورية إلا قسراً.

القانون والحرية صنوان، وإذا كان الشعب هو الذي يضع القوانين، فإن الحرية هي حق كل مواطن أن يعمل ما تبيحه القوانين، والأصح أن يمتنع كل مواطن عن عمل أي شيء لا تبيحه القوانين. القوانين قوة منع وكبح، وكل ما لا تحظره القوانين مباح. الإباحة هي الأصل، أي الحرية هي الأصل. ويمكن أن نصف الحرية في ظل الدولة بأنها حرية سياسية، لأن الدولة جسم سياسي، وهي "مملكة القوانين". ومن ثم فإن المواطنة صفه سياسية بحصر المعنى. المواطن هو عضو في الدولة السياسية، والحرية السياسية لا توجد إلا في الدولة المعتدلة، في الجمهورية. وما ذلك إلا لأن الدولة السياسية تقوم على تعدد السلطات: التشريعية والتنفيذية والقضائية، واستقلال كل منها استقلالاً نسبياً. ومن ثم فإن مبدأ فصل السلطات ليس مبدأ شكلياً، بل إنه وثيق الصلة بالحرية السياسية. فلا توجد الحرية مطلقاً إذا ما اجتمعت هذه السلطات في يد واحدة، شخصاً كان أم هيئة. ولا توجد الحرية، خاصة، إذا لم تكن السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، ذلك لأنه لا يجوز أن يكون المشرع قاضياً ومنفذاً، كما لا يجوز أن يكون القاضي مشرعاً ومنفذاً، ففي الحالين يصير الحكم رهيناً للإرادة الفردية، أو لإرادة جزئية، أو لطغيان جماعي، كذلك الذي مارسته الثورات الشعبية.

وحدة الحرية والقانون الجدلية هي ذاتها وحدة الحرية والضرورة، أو هي الشكل الاجتماعي السياسي لهذه الوحدة الجدلية. الضرورة هي الحامل الوحيد للحرية. والقانون في المجتمع المعني هو الحامل الوحيد للحرية. و"إن مجتمعاً بلا قوانين لن يكون مجتمعاً حراً، كما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، بل سيكون مجتمعاً فوضوياً يسحق قويُّه ضعيفَه؛ مادام في المجتمع قوي وضعيف، فستكون الحرية أداة للجور والطغيان، وسيكون القانون دائماً أداة للتحرير والتنظيم. وربما كان الأصل في شتى التصورات الخاطئة للحرية هو الخلط المستمر بين الحرية والفوضى، كأن الإنسان الحر هو ذلك الموجود الأخرق الذي يتصرف دون أدنى باعث على الإطلاق[19].

لعل ضرورة القانون تنجم أيضاً عن التعارض الدائم بين الطابع العام والكلي للدولة، والطابع الخاص والجزئي للفئة الاجتماعية التي تمسك بمقاليد الحكم وتوجه دفته الوجهة التي تخدم مصالحها، ومن ثم فإن القانون يغدو شرطاً ضرورياً للسلم الاجتماعي والاستقرار السياسي، وإلا فإن المصالح الخاصة العمياء تؤدي بالمجتمع إلى الفوضى والاضطراب، حتى تودي به. وحين يتجرأ الحاكمون على القانون، فيخرقونه أو يتجاوزونه أو يعطلونه، لأي سبب من الأسباب يتفشى الفساد في مؤسسات الدولة وتنتشر الفوضى في المجتمع. فالفساد والفوضى نتيجتان حتميتان لغياب القانون أو لتغييبه. وجميع الحكام الذين أخذوا يجمعون سائر السلطات في أيديهم، ولا سيما سلطة التشريع، تحولوا إلى مستبدين وأفسدوا الدولة أيما إفساد.

وبما أن كل مواطن في الدولة الحرة يفترض أنه حر وذو نفس حرة، يحكم نفسه بنفسه، فإن من الواجب أن تكون السلطة التشريعية في يد الشعب جملة؛ ولكن هذا متعذر في الدول الكبيرة، وله محاذير جمة في الدول الصغيرة، لذلك وجب أن يصنع الشعب بوساطة ممثليه الأكفياء ما لا يستطيع فعله بنفسه. وتضيع الحرية عند عدم اجتماع الهيئة التشريعية زمناً طويلاً، كما يقول مونتسكيو؛ ذلك لأنه يحدث واحد من أمرين: أن ينقطع إصدار القوانين، ويتوقف التشريع، فتقع الدولة في الفوضى. أو أن تصدر السلطة التنفيذية هذه القوانين، فتصير السلطة التنفيذية سلطة مطلقة[20]. وتهلك الدولة حين تفسد السلطة التشريعية وتتخلى عن وظائفها.

للحرية في الدولة وجهان متلازمان: الوجه الأول يتصل بالنظام العام، ويتصل الآخر بالمواطن. الضمانة الأساسية للحرية في النظام العام هي فصل السلطات، واستقلال كل منها استقلالاً نسبياً، وفصل السلطات نفسه يفترض سيادة القانون الذي ينظم عمل السلطات الثلاث، ويكفل حسن قيامها بوظائفها. على أن أساس هذه الحرية هو حرية المواطن واستقلاله وتمتعه بجميع حقوقه، وشعوره أنه في مأمن من أي ظلم أو حيف أو عدوان. والقانون هو الرابط الوحيد بين هذين الوجهين.

الضرورة ضرورتان، داخلية وخارجية، وهما معاً الحامل الوحيد للحرية، سواء في المجتمع المعني والدولة المعنية أو في عالم المجتمعات والأمم والدول. وإذا كان القانون هو التعبير العملي عن الضرورة الاجتماعية والسياسية، فهو الحامل الوحيد للحرية على الصعيدين الوطني والعالمي. ولكن الحرية هي وعي الضرورة، الوعي الذي يجعل من الحرية قانوناً داخلياً، على صعيد الفرد والمجتمع والجماعة الإنسانية، ويجعل القانون الوطني والقانون الدولي على السواء تعبيراً عن الحرية. الضرورة خارجية، حتى حين نتحدث عن ضرورة داخلية، والحرية داخلية مطلقاً، أي جوانية، تنبع من جوانية الفرد وجوانية المجتمع وجوانية الجماعة الإنسانية، ولا يكون المجتمع حراً والدولة حرة إلا حين تتحول الضرورة الخارجية على كل صعيد إلى حرية داخلية. ولكي لا يغدو كلامنا ضرباً من تجريد نظري خالص، نتحدث اليوم عن الحرية السياسية، بالمعنى الذي أشرنا إليه آنفاً. فلا ينبغي أن يظل القانون قوة منع وكبح خارجية، بل ينبغي أن يتحول إلى قوة داخلية، إلى قوة روحية داخلية في الفرد والمجتمع، إلى وازع داخلي، أي إلى نوع من ضمير فردي واجتماعي، وتلكم هي الحرية. وهذا لا يتحقق بالفعل إلا حين يغدو الفرد الفعلي مواطناً فعلياً. المواطنة، بما تعنيه المواطنة من تعايش وتساكن وتعارف وتفاهم وتعاون واحتياج متبادل ومشاركة إيجابية في الحياة العامة، هي العلاقة النوعية التي تميز المجتمع الحديث من المجتمع التقليدي، والمجتمع المدني من المجتمع الأهلي، العلاقة التي تحمل إمكانية أن يتحول المواطن إلى عضو فعال في جماعة مؤنسنة.

إذا كانت الحرية، في أحد وجوهها، هي موضوعية الإرادة، فإن الإرادة تتعين في التملك أو في الملكية. وما دام النظام العام في المجتمع المعني يقوم على الملكية الخاصة، فإن حماية الملكية الخاصة، وضمان الحقوق المتساوية لجميع المواطنين في التملك، هو في الوقت ذاته حماية الحرية.

"فكما أن الناس عدلوا عن استقلالهم الطبيعي ليعيشوا تحت ظل القوانين السياسية، عدلوا عن شيوع الأموال ليعيشوا تحت ظل القوانين المدنية. والناس يكسبون الحريات بالقوانين الأولى، ويكسبون الملك بالثانية، ولا ينبغي أن يقرر بقوانين الحرية التي لم تكن غير قوانين المدينة ما يجب أن يقرر أمره بالقوانين الخاصة بالملك. ومن القياس الكاذب أن يقال بوجوب خضوع المصلحة الخاصة للمصلحة العامة؛ فهذا لا يكون في غير موضوع سلطان المدينة، أي حرية المواطن، ولا يكون هذا في الأحوال التي يكون ملك الأموال موضوع بحث فيها؛ ثم إن المصلحة تقضي بأن يحافظ كل واحد، في كل وقت، محافظة ثابتة على ما تنعم عليه به القوانين المدنية من الملك. إذاً، لنضع المبدأ القائل بأن المصلحة العامة إذا كانت موضوع بحث لا يعني هذا أن تنطوي هذه المصلحة العامة على حرمان فرد من ماله، أو على اقتطاع أقل قسم من ماله بقانون أو نظام سياسي، ففي هذه الحال يجب اتباع القانون المدني اتباعاً دقيقاً، يجب اتباع هذا القانون الذي هو حصن الملكية"[21].

إذاً يجب ألا يقضى بقواعد الحقوق السياسية حين يجب أن يقضى بقواعد الحقوق المدنية، كما في قرارات التأميم والمصادرة التي شهدنا أسوأ أشكالها، والعكس صحيح، أي يجب ألا يقضى بقواعد الحقوق المدنية حين يجب أن يقضى بقواعد الحقوق السياسية. وأساس جميع المسائل هو عدم خلط القواعد التي تشتق من ملك المدينة (الدولة) بالقواعد التي تنشأ عن حرية المدينة. كما أنه لا ينبغي أن يقضى بمبادئ القانون المدني في أمور خاصة بحقوق الأمم. فالحرية تقوم على مبدأ عدم إلزام المواطن بفعل أي شيء لا يأمر به القانون، فنحن أحرار لأننا نعيش في ظل القوانين المدنية[22]، القانون هو مما يجعل الإنسان إنساناً، لا الفطرة الطبيعية، وهذا معنى قولنا إن الإنسان هو ابن التاريخ، لا ابن الطبيعة فحسب.

 



[1] -  أذكر هنا باتهام أشخاص وجماعات بالخيانة الوطنية، بغير حق، لمجرد انتماء هؤلاء إلى مذهب معين أو دين معين، أو لمجرد معارضتهم للسلطات الشمولية القائمة. وبشعارات "القوى الوطنية" و "القوى الانعزالية" إبان الحرب الطائفية في لبنان، وبالتفريق المشين بين الأحزاب الوطنية في نسبة الوطنية أو القومية التي تعطي المعنى ذاته إلى بعضها وحجبها عن بعضها الآخر، وبأجهزة الأمن التي توزع صكوك الغفران الوطنية على بعض المواطنين (الموالين والمخبرين) وتمنعها عن سواهم. واللافت أن هذه اللعبة تنطلي على المجتمع وعلى مثقفيه خاصة، فلا يحتج ولا يحتجون. وقد وصلنا من جراء ذلك إلى معادلة: شعوب خائنة وسلطات وطنية. ولو حدث مثل ذلك في مجتمعات متقدمة، تقوم على مبدأ المواطنة، لشهدنا ردود فعل مختلفة جذرياً.

[2] - لقد بات من الضروري إعادة بناء مفهوم الأمة بدلالة الدولة الوطنية الحديثة، العلمانية، التي تقوم على مبدأ المواطنة ومساواة المواطنين أمام القانون، وبدلالة المجتمع المدني بوصفه التجسيد العياني للآمة، وللهوية الوطنية / القومية، هوية الاختلاف.

[3] - هوية شهب ما أو أمة ما هي ما ينتجه هذا الشعب وما تنتجه هذه الأمة على الصعيدين المادي والروحي، لا ما كانا عليه في ماض مضى أو في عصر ذهبي مفترض.

[4] - أرسطو، في السياسة، نقله من الأصل اليوناني إلى العربية وقدم له وعلق عليه الأب أوغسطينوس بربارة البولسي، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت، الطبعة الثانية، 1980، ص115

[5] - المصدر نفسه، ص 116

[6] - المصدر السابق، ص 118

[7] - المصدر السابق، ص 123

[8] - راجع، مونتسكيو، روح الشرائع، ترجمة عادل زعيتر، اللجنة الدولية لترجمة الروائع، دار المعارف بمصر، بيروت، القاهرة، 1953،  المجلد الأول، الجزء الأول، ص 6

[9] - راجع المصدر السابق، ص 16 و 17

[10] - المصدر نفسهن ص 18

[11] - المصدر نفسه، ص 19

[12] - المصدر السابق، ص 47

[13] - المصدر  نفسه، ص 58

[14] - المصدر نفسه، ص 86

[15] - المصدر نفسه، ص 98

[16] - المصدر نفسه ص 168

[17] - المصدر نفسه ص 169

[18] - راجع المصدر نفسه، ص 176

[19] - زكريا إبراهيم، مشكلة الحرية، مكتبة مصر، القاهرة، بلا تاريخ، ص 78

[20] - مونتسكيو، روح الشرائع،، ترجمة عادل زعيتر، اللجنة الدولية لترجمة الروائع، دار المعارف بمصر، بيروت – القاهرة، 1953، المجلد الأول، الجزء الثاني، ص 234

[21] - مونتسكيو ، مصدر سابق، المجلد الثاني، الجزء الخامس، ص 246

[22] - المصدر نفسه، ص 248