الديموقراطية والمجتمع المدني

   تقوم الديمقراطية، بوصفها حقيقة نظام الحكم، على مبدأ النظام العام قبل أي شيء آخر، النظام في معارضة العشوائية والفوضى، وإنه لمن المتعذر إيجاد تفسير مقنع لتنظيم المجتمع غير تنظيم العمل والإنتاج الاجتماعي. وإذا كان الالتقاط والصيد والرعي والزراعة والحرفة والصناعة درجات في سلم نمو العمل البشري وارتقائه، فإن التنظيم الاجتماعي الحديث هو انعكاس لتنظيم العمل في المجتمع الصناعي القائم على أساس الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، على الرغم من اتساع دائرة ملكية الدولة الرأسمالية والمرسملة، وعلى أساس العمل الأجير، أحدث أشكال العبودية والاستغلال وأكثرها غموضاً وخفاء، هذه الأشكال التي تجد تعبيرها في الاستلاب السلعي "السلعة صنم" وصورته السياسية الرمزية "السلطة صنم".

   يقول ماركس: "الفوضى هي قانون المجتمع المدني المنعتق من الامتيازات التي تقسم المجتمع، وفوضى المجتمع المدني هي أساس الحالة الحقوقية العامة المعاصرة، مثلما الحالة الحقوقية العامة المعاصرة هي، من جهتها، ضمانة هذه الفوضى، وهما تشترطان إحداهما الأخرى بالقدر نفسه والدرجة نفسها اللذين تناقضان بهما إحداهما الأخرى". (ماركس وإنجلز، العائلة المقدسة) هذا النظام أو التنظيم تفرضه في المجتمع المدني الضرورة الطبيعية والضرورة الاجتماعية السياسية وخصائص الكائن البشري، وفي مقدمتها المصلحة الفردية والخاصة والعامة، أيا كنت الصورة المغتربة التي تظهر بها. فالمجتمع هو الذي ينتج النظام وليس النظام هو الذي ينتج المجتمع، من حيث المبدأ والأساس، إلا بالمعنى الذي تتحول معه النتيجة إلى سبب. المجتمع هو الذي ينتج قانونه الخاص وحياته السياسية الخاصة مثلما ينتج وجوده الاجتماعي ومعاشه وتمثيلاته الثقافية. ولعل السمة المميزة للمجتمع المدني هي وحدته التناقضية، الديالكتيكية، التي تتجلى أول ما تتجلى في الحالة الحقوقية العامة، في القانون بصفته العامة والمجردة ، فالقانون، بهذه الصفة، هو مبدأ وحدة المجتمع ومعيار انتقاله من نظام الامتيازات والواجبات إلى نظام الحقوق، من نظام الجماعات المغلقة وطوائف الحرف والمتحدات التقليدية التي تعزل الأفراد عن الكل الاجتماعي، إلى التحرر من سلاسل الامتيازات والواجبات وأطر الجماعات والفئات المغلقة، هذا التحرر، الذي على الرغم من طابع الفوضى والعشوائية الناجم عن تحرر الأفراد، وانعتاقهم من الروابط الأولية، هو عملية اندماج في الكل الاجتماعي وفي النظام العام. الفرد المنعتق من الروابط الأولية هو أساس المجتمع المدني الحديث، وأساس الدولة الوطنية.

   اعتراف المجتمع الحديث بالفرد المدني وحقوق الإنسان، المقدمتين الأساسيتين للمجتمع المدني، يجد أساسه في اعترافه بحق الملكية الفردية الخاصة وحريتها، بما في ذلك ملكية العامل لقوة عمله، إذ صار العمل نفسه حقاً من حقوق الإنسان، لا واجباً عليه. "إن الاعتراف بالفرد المدني الأناني وبالحركة الجامحة للعناصر الروحية والمادية التي تشكل مضمون الوضع الحياتي لهذا الفرد، هو مضمون الحياة المدنية المعاصرة، وإن حقوق الإنسان لا تحرر، بالتالي، الإنسان من الدين؛ فهي لا تفعل غير أن تمنحه حرية الدين، وإنها لا تحرره من الملكية، بل تمنحه حرية الملكية، وإنها لا تحرره من الركض القذر وراء الكسب، بل تمنحه حرية الحرفة وحسب". (ماركس وإنجلز العائلة المقدسة عن ماركس وإنجلز، بصدد الدولة، ص 111)

   يبدأ جنين المجتمع المدني بالتشكل عندما تحل الحقوق المرتبطة بالعمل أو بالحياة العملية التي تعطي العمل مضمونه وأطره، وتحدد أهدافه وغاياته، محل الروابط المثالية المفترضة لحمة اجتماعية، اللوغوس، الله أو الكلمة، الدين أو العقيدة، أو أي مبدأ مفارق ومتعال، أو أي مبدأ طبيعي من المبادئ التي قامت عليها الجماعات المغلقة ما قبل الوطنية أو ما قبل القومية. المجتمع المدني يستبعد أي مبدأ مفارق ومتعال، وأي مبدأ طبيعي، بالقدر نفسه، لأنه إنسان صنعي. والحقوق المدنية، مفهومة على هذا النحو، ولا سيما حق التملك، هي التعيُّن الأول للحرية، بما هي موضوعية الإرادة؛ ومن ثم فإن الحقوق المدنية تقتضي منظومة موازية ومكافئة من الحريات الأساسية. وحين يبدأ التشريع بالتطابق مع الواقع الفعلي الموضوعي، أي حين يصير القانون روح الجماعة ومبدأ وحدتها، ولا تعود الروابط التقليدية، روابط الدم والنسب والدين والمذهب وغيرها، روابط سياسية، بل روابط اجتماعية تدخل في تضاد مع الروابط السياسية، وإن إلغاء وجودها السياسي هو كإلغاء الوجود السياسي للملكية الخاصة، يعني تركها تنمو وتتطور وفق قوانينها الخاصة الداخلية. ويتوقف ذلك على عمليتين تبدوان متناقضتين شكلاً، هما استقلال مجالات الحياة الاجتماعية، وتقدم عملية الاندماج الاجتماعي أو الاندماج القومي.

وهذا يعني أن المجتمع المدني يقوم على مبدأ المنفعة أو المصلحة مفهومة فهماً صحيحاً، وعلى الحقوق في الوقت ذاته، وليس من تضاد بين النفع الخاص والنفع العام، بل ثمة تعارض جدلي بينهما، إذ إن أحدهما لا يقوم إلا بالآخر، ولا يستطيع، من ثم أن يلغي الآخر أو يدمره من دون أن  يلغي نفسه ويدمرها، ذلك لأن النفع العام لا يعدو كونه النفع المشترك بين الأفراد المتماثلين والمختلفين في الوقت نفسه. فالعام هو بالتحديد عنصر التشابه والتماثل القائم في الواقع بين الأفراد المختلفين، وهو وحدة الاختلاف الجدلية التي تنبع من الجوهر الإنساني، من الماهية الإنسانية، ومن البعد الاجتماعي لكل فرد على حدة، بلا استثناء.

   حرية الفرد وحقوق الإنسان، بوصفهما مقدمتين ضروريتين للمجتمع المدني، مشروطتان بالمساواة. ولكن المساواة ما تزال بعد نظرية، ووهمية، على الرغم من أساسها الوجودي (الأنطولوجي) وسندها الأخلاقي المؤكد بقوة في الدين التوحيدي، وعلى الرغم من أساسها الواقعي المستند إلى تساوي العمل البشري المعبر عنه بقانون القيمة المشتق من مفهوم العمل الاجتماعي. لذلك كان أول تحقيق فعلي للمساواة هو المساواة أمام القانون. وكما أن الله هو مبدأ وحدة الكون والعالم، كذلك فإن القانون هو مبدأ وحدة المجتمع وضمانة المساواة السياسية المتعارضة بالطبع مع واقع عدم المساواة الاجتماعية. هذا التعارض يعبر عنه بالتعارض بين الدولة الديمقراطية التمثيلية والمجتمع المدني، بين الاتحاد الحقوقي العام والعبودية الجديدة المغطاة بورود الرأسمالية، ولا سيما الاحتكارية منها. فكرة الله تحمل فكرة سمو القانون الذي يحمل فكرة الكل الاجتماعي المحدِّد لسائر الأجزاء والأفراد. القانون هو الذي يعين الحدود بين المصلحة الفردية الخاصة والمصلحة العامة من زاوية أهمية المصلحة العامة وأولويتها وجذريتها. المصلحة العامة هي التي بوسعها أن تشرع القوانين لأنها كلية لا ينتج عنها إلا الكلي. أما المصلحة الخاصة فليس لها أن تضع القوانين؛ لأنها جزئية والجزئي لا ينتج عنه غير الجزئي، ولأنها غريزية عمياء لا تعرف حداً، وأحادية الجانب، طبيعية وغير قانونية، فهل بوسع اللاقانونية أن تشرع القوانين؟ إن جذر الاستبداد يكمن في تغليب المصلحة الخاصة أو الفردية على المصلحة العامة، وفي تنطع اللاقانونية لتشريع القوانين، وغلبة العنصر الطبيعي الوحشي على العنصر الإنساني المدني المتحضر.

   انتقال الإنسان من الحياة الطبيعية البدائية أو البدوية، أي من الحياة في الطبيعة إلى الحياة الاجتماعية أو إلى الحياة في المجتمع، ثم في المجتمع المدني هو انتقال من العشوائية والفوضى واللاقانونية إلى القانونية والانتظام، وهما، أي القانونية والانتظام، يحدَّان، بلا شك، من حرية الأفراد المطلقة، الذاتية، ويحلان بدلاً منها حرية موضوعية تعبر عنها الدولة المركزية، والمركزية هي مبدأ الدولة السياسية. إلا أن الحرية الموضوعية (النسبية) تتحدد دوماً بالحرية الذاتية (المطلقة) وبهذا تدخل الحرية في الصيرورة التاريخية. المطلق حد يحد النسبي، ويضمن نمو وتطوره. ومن ليس عنده، في فكره وفي روحه، المطلق يحول نسبيَّه إلى مطلق؛ وذلكم هو الاستبداد.

الأساس الوجودي للحرية، أي الحرية الذاتية، لا ينتفي في المجتمع والدولة، بل يدخل في تعارض جدلي مع الحرية الموضوعية، تعارض لا يجد له حلا نهائيا إلا باضمحلال الدولة السياسية والمجتمع المدني معاً وبزوغ الدولة المادية والمجتمع المؤنسن أو الإنسانية الاجتماعية بدلاً منهما.

عدم المساواة الاجتماعية هو أبرز سمات المجتمع المدني القائم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وعلى العمل الأجير، ومن ثم على اغتراب الإنسان وتشييئه، وهي ما تجعل منه مجتمعاً عبودياً جديداً. لذلك  فإن رهان الديموقراطية التاريخي هو الحرية، أي تطابق النظام العام مع الحرية، وصيرورة القانون تعبيراً فعلياً عن الروح الإنساني، أو صيرورته قانون الروح الإنساني ذاته، قانون الإنسان وقد استعاد في ذاته موضوعية العالم واستعاد ذاته الضائعة في الوقت نفسه.

ربما كانت فكرة القانون، ثم سيادة القانون على الحاكم والمحكوم، أولى تظاهرات العقلانية في الفكر السياسي. والديمقراطية ترتبط أوثق ارتباط بالعقلانية، لذلك ستكون فكرة القانون وسيادة القانون نواة فكرة سيادة الشعب، أي انبثاق الدولة عن المجتمع وحضوره فيها من خلال السلطة التشريعية والسلطة القضائية التي تتوسط المؤسستين التشريعية والتنفيذية، وانبثاق السلطة عن الشعب بالانتخاب الحر المباشر.

وقد اتفق رجال السياسة ورجال الفكر، منذ وقت مبكر على أن "النظام في ظل القانون واحترامه هو الضمان الوحيد لحياة سياسية سليمة، وبدأت، منذ وقت مبكر أيضا عملية التوفيق بين العقل بوصفه المبدأ المنظم للعالم والقانون بوصفه المبدأ المنظم للمجتمع" وكشفت التجربة التاريخية في كل مكان من عالمنا المعاصر أن القانون هو النواة الأعمق لوحدة المجتمع والدولة، وأن الدول التي انهارت هي إما دول غاب عنها القانون أو غيَّب  وإما دول فقدت وحدة القانون. ولما كان القانون روح الشعب فإنه قوام الدولة وجوهرها وماهيتها، بفقدانه تكف الدولة عن كونها دولة وتتحول إلى مجرد سلطة طاغية غريبة عن الشعب ومعادية له. فإن خضوع الإنسان للنظام والقانون بدلاً من خضوعه لرجل مثله هو تعبير مبكر عن حقيقة أن الإنسان حين يلتزم القانون ويطيعه ويعمل بمقتضاه إنما يعمل بمقتضى عقله وضميره. ومقولة "الله أكبر" تؤكد مقولة سمو القانون الكلي والعام. والتعارض بين سيادة القانون وسيادة الحاكم هو تعبير مباشر عن التعارض بين حقيقة الدولة المادية الموضوعية وشكلها السياسي، بين الديمقراطية وسائر أنظمة الحكم الأخرى، ولا سيما أنظمة الاستبداد.     

   كما أن حلول القانون مبدأ موحداً للمجتمع والشعب ومنظماً للدولة، يعيِّن وظائفها ويحدِّد مجالات سلطتها، محل آلهة العدالة، كان نقلة كبيرة في الفكر السياسي، وفي حياة المجتمع التي لم تعد تجربة دينية خالصة، بل تجربة سياسية يحتل فيها الدين موقعاً مهماً بالطبع، إن لم نقل أساسياً. ولم يعد بالإمكان تصور وجود نظام خارج نطاق القانون الذي يضعه البشر لنفسهم، إلا في المجتمعات المتأخرة التي تقبع على هامش العصر وعلى هامش التاريخ، إن لم يكن خارج التاريخ.

على أنه لا يجوز إغفال أثر الدين في نشأة الاجتماع البشري ونشأة النظام والقانون، فبالإيمان الديني امتاز الإنسان من الحيوان، وكان الدين نفسه هو العقل والفكر وبه ارتبطت جميع أشكال الإبداع، وكان الحلال والحرام والجائز والمحظور .. وكانت الوصايا الأخلاقية أساس التنظيم الاجتماعي، وكانت الآلهة، ثم الإله الواحد، تعبيراً رمزياً عن وحدة الجماعة ووحدة الحاضرة (المدينة) ووحدة الدولة فيما بعد. وكان الإله الواحد قبل هذا وذاك مبدأ وحدة الكون ووحدة العالم. وما يزال الدين إلى يومنا هذا رابطة قوية بين أتباعه تبلغ في معظم الأحيان مبلغ العصبية، ووازعاً داخلياً لدى المؤمنين هو أساس الضمير الأخلاقي لدى الفرد والجماعة. ولا بد من توكيد حقيقة أن الدين هو الذي انتشل الإنسان من الوحشية والافتراس وسما به إلى مرتبة الإنسان الاجتماعي. ويمكن اليوم جعله رافعة للارتقاء بالإنسان إلى مستويات أخلاقية عليا. بدلاً من تحويله إلى أداة سياسية دنيئة وإلى نسق لتوليد العنف وتسويغه. الدين الذي انتشل الإنسان من الوحشية والافتراس لا يسوغ العنف والقتل والانتكاس إلى الوحشية من جديد. على أن وحدة الدين والفكر التي أشرنا إليها هي وحدة اختلافهما وتعارضهما الجدلي، مثلما وحدة الدين والقانون والطبيعة أو الفطرة هي اختلاف القانون عن الدين وعن الطبيعة (= الفطرة) وتعارضه معهما. لذلك فإن نزع هالة الألوهية وصفة القداسة عن القانون كانت أول خطوة عقلانية في التاريخ وفي تاريخ الفكر السياسي خاصة.

   فما دام ثمة فرق بين الفكر والدين فثمة تعارض، لكنه تعارض جدلي أنتج على مر التاريخ تظاهرات عقلانية وعلمانية أثرت الحضارة الإنسانية. العقل هو الذي يضع الحدود ويكشف عن الفروق الضرورية، والفرق هو الذي يضع الاختلاف والتشابه، والفروق اللامتناهية أساس التعارضات اللامتناهية، أساس الديالكتيك. فلكي يوحد العقل لا بد أن يفرق ولكي يربط لا بد أن يفصل. فانفصال مجال القانون عن مجال الدين وعن مجال الطبيعة أو الفطرة كان انفصاله عن المطلق والثابت وهو ما يضع نسبية القانون وضرورة تغييره من دون أن يمس ذلك بصفته العامة والمجردة. وإذا كان هذا الانفصال قد أضعف القانون إزاء الدين وإزاء الفطرة، فإن عناصر قوته تنبع من وطنيته (= قوميته) ومن المواطنين الذين يرون فيه انتصاراً على العشوائية والاعتباط وعلى الجهل والهوى.

ولو تأملنا هذه المسألة جيداً لوجدنا أنفسنا إزاء مثلث جدلي أضلاعه: الله والعقل والقانون. الله المطلق المتعالي، والقانون النسبي الأرضي والعقل مركبهما أو وحدتهما الجدلية، لأن طبيعته مطلقة ومتسامية أو متعالية، فهو يعمل بالمفاهيم والمجردات والكليات وهذه كلها من طبيعة الله، وموضوعه نسبي وجزئي، إلا عندما يكون موضوعاً لذاته. كان الله والعقل، الدين والفكر شيئاً واحداً فكان القانون مقدساً. أو كان لقوته مظهر القداسة، ثم أسفرت القوة عن محتواها الواقعي وتظاهرت في أشكال عدة أهمها قوة المال وقوة السلطة وقوة المعرفة وقوة التنظيمات الاجتماعية والقوة العسكرية .. وصار كل إنسان يملك من الحق بقدر ما يملك من القوة، بحسب تعبير اسبينوزا؛ فغدت القوة هي التي تقرر القانون وتطبعه بطابعها، وتضفي عليه طابع العقل الكلي والمجرد والمتعالي، وهو ليس بعد سوى صورة وهمية للقانون، وباتت عملية إعادة القانون إلى الواقع وإكسابه مضموناً حقيقياً تحتاج إلى كفاح طويل .

   الصيغة الوهمية المعقّلة للقانون هي صيغته الاغترابية التي يرتبط فيها مفهوم الحق بمفهوم القوة وتغدو معها الحرية حرية الأقوياء. والديموقراطية من هده الزاوية هي نفي الاغتراب ووضع حد للقوة وللظلم، وجعل القوة صفة للمجتمع، مجتمع الأفراد الأحرار والمجموعات الحرة التشكّلية، وصفة للدولة، دولة الحق والقانون، قوة تستمد مضمونها من حرية الفرد وحقوق الإنسان وسمو القانون وتقدم النظام الاجتماعي ومن شيوع العدالة في توزيع الثروة. ومن هنا يجب  القول: إن المجتمع القوي حقا هو المجتمع الحر وإن قوة المجتمع وحريته تقاسان بحرية الفرد واستقلاله وثقته بنفسه وتمتعه بحقوقه. فالفرد هو مبدأ المجتمع المدني ومبدأ الدولة السياسية على السواء، وما لم تتأسس الحرية على هذا المبدأ تظل ناقصة ومثلومة. والفرد لا يبلغ كماله الفردي إلا في المجتمع والدولة، إذ يحمل في فكره وفي روحه وفي ضميره ووجدانه مجتمعه وأمته وبني جنسه، من دون أن يرتب عليه ذلك واجبات لا تتفق وطبيعته الخاصة. المجتمع الحر والأمة الحرة لا يلزمان أفرادهما بشيء: فهم أحرار في معاشهم وفي أفكارهم ومعتقداتهم وفي ما يقيمونه لأنفسهم من علاقات وتنظيمات وأحزاب ونقابات .. ولكن في نطاق النظام العام وتحت القانون. وهذا ما يضع الصيغة الاغترابية للقانون على خط تجاوز الحاضر ونفي الاغتراب التاريخي.

الحضن الطبيعي للفرد هو العائلة الطبيعية (الأسرة الحديثة) والعائلة هي حالة التوسط بين الفرد والمجتمع، فيها يكتسب الفرد صفته الاجتماعية، فهي التي تعلمه اللغة وتنقل إليه الثقافة وتعده للعمل وتغرس فيه قيم المجتمع ومثله، فتجعل منه فرداً اجتماعياً بقدر ما يبدو المجتمع له فرداً موضوعياً أو إنساناً موضوعياً. لا يستطيع المجتمع أن يلغي العائلة من دون أن يلغي أساسه الطبيعي الذي ينبغي أن يظل حداً يحد الحالة الاصطناعية، أي المجتمع والدولة. الحالة الطبيعية هي أساس الحالة الاصطناعية ومعيار اتساقها أو عدم اتساقها مع طبيعة الإنسان.

العائلة هي الشكل الطبيعي لوجود الفرد؛ والمجتمع والدولة هما شكلا وجوده الاجتماعي والسياسي؛ والتاريخ تنويعة على الأشكال. الحالة الطبيعية هي مضمون الحالتين الاجتماعية والسياسية وحقيقتهما، وليس من قبيل المبالغة القول: إن العائلة هي التي تطبع شخصية الفرد بطابعها، وعلاقاتها الداخلية، وهي التي تقرر مدى توازنه النفسي والانفعالي والعقلي، أو مدى صحته النفسية والعقلية والروحية، فمعظم الأمراض النفسية والانحرافات السلوكية ترجع إلى علاقة الفرد بعائلته، ولا سيما بأبويه، ومن تحصيل الحاصل الحديث عن صحته البدنية.

 في العائلة تتكون الأسس والمبادئ التي تحدد رؤية الفرد إلى العالم وإلى المجتمع والإنسان، وإلى المرأة بوجه خاص، وتحكم موقفه منها جميعا، وتحدد رؤيته إلى ذاته أيضا، وفيها تتكون ملامح هويته، أو نواة هويته، أي ذاتيته وحريته واستقلاله. وأول استقلال فعلي للفرد هو بلوغه سن الرشد وتحرره من العلاقة الطبيعة الضرورية التي تربطه بالأسرة، وحريته في الانفصال عن الأسرة أو البقاء فيها ومعها، وحرية الانفصال هي التي تحمل المعنى الإيجابي لحرية البقاء في الأسرة، ولكن على نحو جديد مختلف عما كان عليه قبل سن الرشد؛ وهذا النحو الجديد هو الاستقلال الذاتي الذي يؤكده الاستقلال الاقتصادي ويجعله موضوعياً. وبتحرر الفرد من روابط الأسرة المادية الضرورية يحرر والديه من التزاماتهما المادية إزاءه. فالأسرة التي صار جميع أولادها راشدين هي أسرة أفراد أحرار ومستقلين.

وما من شك في أن للوعي الاجتماعي العام وللأيديولوجية السائدة أثراً حاسماً في ذلك، فالمربي يحتاج هو ذاته إلى تربية. وقد كان لتوسع التعليم العلماني أفقياً وعمودياً، ومن ثم لانتشار المناهج والأفكار والقيم الحديثة أثر واضح في بروز التنافر والتعارض بين الأيديولوجية التقليدية الثابتة والواقع المتغير وما يولده من حاجات ويفرضه من إلزامات، فغدت منظومة القيم والعادات والأعراف وأنماط السلوك التقليدية التي تكبل العائلة والفرد بالضرورة عقبة في طريق التكيف الإيجابي مع مطالب الواقع ومقتضيات الحداثة. وفي هذا التنافر تكمن جذور الأزمة الروحية التي تعصف بمجتمعنا وتولد استجابات وردود فعل مختلفة قد يتوقف مستقبل الديمقراطية في بلادنا على عقلنتها.

وإذا كان النظام الرأسمالي قد فصل الملكية الخاصة عن العائلة وعن المجتمع، وجعل من السلطة السياسية سلطة الملكية الخاصة ومن القانون تعبيراً عن قوتها وجعل منها معياراً وحيداً للحرية، وبنى على أساسها تصوره للشعب وللأمة ولحرية الفرد وحقوق الإنسان، في الوقت الذي أرسى فيه أسس المجتمع الحديث، المجتمع المدني الحامل بذور المجتمع الديمقراطي المؤنسن؛ فإن الإشكالية النظرية والعملية عندنا هي كيف نكسب المجتمع المدني الحديث ونعارض النظام الرأسمالي في صيغته المتوحشة في الوقت نفسه؟ كيف نكسب المجتمع المدني الحديث، بصفته تجسيداً عيانياً للأمة ونعارض الإمبريالية الرأسمالية، ولا سيما الإمبريالية الأمريكية وأيديولوجيتها الليبرالية الجديدة التي تذهب إلى المطابقة بين المجتمع المدني والنظام الرأسمالي وجعلهما هوية واحدة؟ ومما يزيد الأمر صعوبة وتعقيداً أن المجمع المدني، وهو التجسيد الواقعي، العياني، للأمة بوصفها كينونة اجتماعية في التاريخ وفي العالم، لا يستطيع أن يبدو إزاء الخارج، إزاء المجتمعات الأخرى، إلا بصفته القومية أو بصيغته القومية، في حين يبدو لأعضائه، من الداخل، على أنه دولة حق وقانون. ولذلك كان الارتباط وثيقاً بين المجتمع المدني والقومية بوجه عام والدولة القومية بوجه خاص. وفي القومية دوماً عنصر إمبريالي هو مرضها الخبيث. وهذا الارتباط المنطقي والتاريخي يبرز حجم العرقلات الناجمة عن الاستلاب القومي بوجه عام والتجزئة القومية بوجه خاص، ويربط منطقياً وتاريخياً أيضاً بين سيرورتين متزامنتين: سيرورة الاندماج القومي والاجتماعي وسيرورة الوحدة القومية. فتبدو الديمقراطية من هذه الزاوية مشروعاً قومياً أو أمّوياً يتعلق بمستقبل  أمتنا ويعين موقعها في التاريخ وفي العالم.

للمجتمع المدني بصفته تجسيدا للأمة، وللأمة بصفتها كينونة اجتماعية في التاريخ وفي العالم، شكل سياسي يبدو لمن ينظر إليه من الداخل في صيغة الدولة ولمن ينظر إليه من الخارج في صيغة القومية، فالدولة والقومية وجهان متكاملان للشكل السياسي الذي تنتجه الأمة لنفسها أو الذي ينتجه المجتمع المدني لنفسه. الدولة والقومية هما معاً شكل الوجود السياسي للأمة وتحديدها الذاتي، وحين تكون الدولة متخارجة مع المجتمع ومع الأمة يسهل اختراقهما معاً واستباحتهما من القوى الخارجية، فنكون إزاء استلاب سياسي مضاعف: استلاب إزاء السلطة السياسية قوامه انفصال المجال السياسي واغترابه عن المجتمع الذي أنتجه، وسيطرة هذا المجال وتسلطه على مجالات الحياة الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وإعادة إنتاجها بدلالة مصلحة السلطة التي ألغت الدولة بإلغائها أساسها الاجتماعي أولاً وبإلغائها القانون ثانياً وبإلغائها الشعب وامتصاص قوته واحتكارها في المحصلة ثالثا. واستلاب إزاء القوى الخارجية قوامه ضياع الهوية القومية وهدر الإمكانات وضمور المشاركة، حتى في صيغتها السلبية، في الحياة الدولية وتحول الأمة إلى موضوع لفعل القوى الدولية وسماد لتاريخها. ومن الواضح أن ضعف المشاركة السياسية في الدولة المعنية يقابله ضعف مشاركة هذه الدولة في الحياة السياسية للمجتمع الدولي. الديمقراطية، في هذه الحيثية وهي حيثية حاكمة، هي نفي الاستلاب السياسي. وفي هذه الحيثية تبدو الروابط الضرورية الواقعية والمنطقية والتاريخية بين الديمقراطية والقومية، بمعناها الإنساني الحديث، حتى لا تكاد تقوم إحداهما من دون الأخرى، ومن هنا تكون الديمقراطية سيرورة نمو المجتمع المدني والدولة الوطنية، سيرورة نمو الأمة وتجديد بناها وتعزيز حضورها في التاريخ وفي العالم، سيرورة نمو القومية بوصفها المجال السياسي أو الفضاء السياسي العام للأمة، أو شكل وجودها السياسي إزاء الخارج، إزاء الآخر. الديمقراطية هي استقلال الأمة وذاتيتها وحريتها، والحرية هنا هي وعي الضرورة الداخلية، أي علاقة المجتمع بالدولة، والضرورة الخارجية، أي علاقة الدولة القومية، دولة الأمة، بغيرها من دول العالم. الحرية هي وعي علاقة الأمة بذاتها وعلاقتها بالآخر، فضلا عن قدرتها على اختيار نمط حياتها ونظامها الاجتماعي ونظام حكمها. الدولة القوية في عالم الأمم هي الدولة التي تعترف بأساسها الطبيعي (الفرد والعائلة) وبأساسها الاجتماعي السياسي (المجتمع والشعب) وتظل بوصفها شكلاً سياسياً وثيقة الصلة بمحتواها أو بمضمونها، وتحدد حركتها الداخلية، جدلها الخاص أو تاريخها الداخلي، واتجاهات حركتها الخارجية وعلاقاتها بغيرها من الدول. في المسألة الديمقراطية، كما في المسألة القومية ومسألة المجتمع المدني، نحن في الراهنية، في الواقع، في وحدة الوجود والوجود المعين، في الكون والكينونة، وكل كائن هو ناتج وصائر، أي نحن في التاريخ والتاريخية والتاريخانية، في الصيرورة ومنطقها الجدلي (الديالكتي). لا يكفي أن نقول كما قال الفكر القومي التقليدي: الأمة العربية موجودة، ومن تحصيل الحاصل أن يكون المجتمع المدني موجوداً، من دون أن نبحث في شكل هذا الوجود وفي عوامل نموه وتطوره والاتجاه الذي تمضي فيه تعارضاته الملازمة، وفي قدرة الأمة ‘لى إنتاج شكل وجودها السياسي، وإلا فإن هذا الوجود هو عدم وخواء، هو وجود ميت، ولا يكفي أن نقف عند حدود الوجود المعين على طريقة الوضعانيين، فالوجود المعين يمضي في الظاهرات التي يخفي تعددها واختلافها الكلية الجامعة، جملة لحظات الراهنية التي، في تطورها وانبساطها، تبرهن عن نفسها كضرورة. الراهنية هي وحدة الضرورة الداخلية والضرورة الخارجية، وهي علاقة مليئة بالمحتوى، المحتوى الاجتماعي والاقتصادي والثقافي واللغوي والسياسي، والإنساني. والضرورة  ليست عمياء إلا بقدر ما تكون غير مفهومة. الأمة العربية كائنة، أي إنها ناتجة وصائرة. والوعي القومي الحقيقي هو وعي هذه الكينونة، كما هي، في العالم وفي التاريخ. ووعي منطق نموها وتطورها الداخليين.

الوجود مختلف عن الكينونة، الوجود جوهري ماهوي، مجرد إلى النهاية، الكينونة وجود موسّط متعين ومتشكل، وجود غير جوهري يرجع إلى الوجود الجوهري بحركة تشكل لامتناهية، لأن وجوده هو لاوجوده. الجوهرية هنا هي المادية بتمامها، العودة إلى الوجود الجوهري هي العودة إلى الوجود المادي غير المتعين، والقابل للتعين في أشكال لا حصر لها. الكينونة هي وحدة الذاتي والموضوعي، من هنا كانت الأمة كينونة اجتماعية في التاريخ وفي العالم وليست وجوداً جوهرياً، بل وجود موسّط ومعين هو المجتمع المدني والدولة الوطنبة. هذه الكينونة، هذا الوجود المعين يمضي في الظاهرات المختلفة إلى ما لا نهاية، الظاهرات التي يؤلف القانون روحها ومحتواها، نبضها وإيقاعها الداخلي. إلا أن هذا الظاهر، هذا الشكل يقود إلى الجوهر لأنه انعكاسه الذي هو فيه. الجوهر، المادة، ليس أساس الشكل فقط بل وحدة الأساس والمؤسّس. والجوهر والأساس هنا هو الماهية الإنسانية التي تتعين في الأفراد منظوراً إليهم في مجرى حياتهم الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية وفي ما يقيمونه لانفسهم من تنظيمات، ليست في نهاية التحليل سوى انبساط الروح الإنساني في العالم وفي التاريخ.

واقعياً، لا يوجد شيء في المجتمع المدني وفي الدولة إلا وهو موجود في أساسهما الطبيعي والاجتماعي. الذهاب عميقا إلى هذا الأساس من أجل فهمه وتغييره أو تحسينه هو رهان الفكر والسياسة ورهان الحرية، وهكذا تندرج الديموقراطية أو تتموضع في الراهنية والإمكان حين تتحول إلى حركة فكرية سياسية، إلى حركة وعي وإلى هدف أو ميل عام يعبر عن الذاتية والفاعلية أي عن الحرية. الحرية هي وعي الضرورة والقدرة على الاختيار والديموقراطية تقع في هذا المجال. الحرية بهذا المعنى لا تلغي الضرورة، وليس بوسعها أن تفعل ذلك، بل تدمجها في الفاعلية الحية الواعية والهادفة. الحرية هي الذاتية، إذن، هي الإرادة: إرادة المعرفة وإرادة الحرية وإرادة السعادة وإرادة الخير والحق والجمال وإرادة الحب .. هي الشكل الإنساني الأرقى لتملك العالم بالعمل والمعرفة، واستعادة الذات المضيعة فيه واستعادة موضوعيته إلى الذات، بغية تحويله إلى عالم إنساني، أي بغية أنسنته وجعله جسداً غير عضوي للإنسان.

لا حرية بلا معرفة، بل عشوائية واندفاعات غريزية وراء المصلحة الفردية العمياء بطبيعتها. ولا حرية بلا معرفة المساواة التي هي جدل أو ديالكتيك التماثل والاختلاف، جميع البشر متماثلون ومختلفون في الوقت ذاته، وجميع الأشياء كذلك. البشر متماثلون في الحيثية الإنسانية فقط، والمواطنون متساوون في الحيثية السياسية فقط، وهذه وتلك حيثيتان حاكمتان، ومختلفون في كل شيء عدا ذلك اختلافات لا حصر لها، بل لا بد من الذهاب أبعد من ذلك، إلى الاختلاف في الاختلاف، لكن التماثل هو الأساس. هذا الاختلاف اللامتناهي نفسه يضع المساواة مبدأ أوليا وحاكماً. الناس أحرار بقدر ما هم متساوون أمام القانون، واقع اللامساواة هو ذاته واقع اللاحرية وشقاء العقل. الظالم هو المظلوم والمستعبد (بكسر العين) هو العبد، والمستغل (بكسر العين) هو المستغل (بفتحها) والسجان هو السجين والجلاد هو الضحية، "وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون". أن نموضع الديموقراطية في مجال الحرية يعني أن نموضعها في مجال المساواة، في نطاق الكلية الكونية. ولما كان المطلق أساس النسبي تبدأ الديموقراطية بالمساواة أمام القانون وتندرج في جدلية القانون والواقع، فعقلانية القانون لا تكمن في صفته العامة والمجردة فحسب، بل تكمن في مقاربته الدائمة للواقع الحي المتحرك والمتغير باستمرار. "إن فكرة القانون هي إحدى درجات معرفة الوحدة والتواصل، معرفة ترابط العملية الكلية الكونية من قبل الإنسان وتكاملها" والقانون هو المتماثل في الظاهرات وإن مملكة القوانين هي الانعكاس الهادئ للعالم الموجود أو الظاهراتي. (بحسب هيغل) "مملكة القوانين هي المحتوى الهادئ للظاهرة، هذه الأخيرة هي المحتوى نفسه، ولكن، في التغير القلق وكانعكاس في الآخر. الظاهرة لهذا السبب تعارض القانون، بوصفها كلية جامعة، إذ هي تحوي القانون وأكثر أيضاً، ولاسيما لحظة التشكل الذي يتحرك تلقائيا". الظاهرة الاجتماعية هي المحتوى نفسه، فهي تحوي القانون وأكثر من القانون، إذا كان القانون هو المتشابه في الظاهرات، فإن الظاهرة الاجتماعية تحوي الاختلاف إلى جانب التشابه والتماثل، وتنطوي على الممكن والمحتمل وغير المتوقع.

   الظاهرة الاجتماعية، والحديث هنا عن المجتمع المدني، هي الإنسان وقد بات موضوعيا أو هي الإنسان مموضعاً، هي وحدة التماثل والاختلاف أو هوية التماثل والاختلاف. المساواة السياسية بين الأفراد تنبع من واقع أن كل فرد يقوم بوظيفة اجتماعية ضرورية للآخرين، المساواة هنا هي الحرية إزاء الضرورة. فإن وعي العلاقات الضرورية بين الأفراد والجماعات والفئات الاجتماعية هو الذي يضع المساواة، على الرغم من اختلاف الأفراد واختلاف الوظائف الاجتماعية التي يقوم بها كل منهم، وعلى الرغم من اختلاف الجماعات والفئات واختلاف موقع كل منها على سلم الإنتاج، في إطار الكلية الاجتماعية. إن تماثل البشر في الحيثية الإنسانية وفي عضوية المجتمع وعضوية الدولة هو أساس القانون ومحتواه، ولذلك هم متساوون أمامه. القانون لا يستنفد الكلية الاجتماعية، ناهيكم عن الكلية الإنسانية، لذلك كان القانون في خدمة البشر وليس البشر في خدمته. يوضع القانون من أجل البشر من أجل أمنهم واستقرارهم وسعادتهم، ومن أجل أن يكون كل منهم هو ما يريد أن يكونه.

كلما اتسع مجال الحرية في المجتمع والدولة، وكلما تمكن الأفراد من إشباع حاجاتهم الجذرية (لتمييزها من الحاجات الزائفة)، وكلما تعمقت مشاركتهم في الشأن العام وقدرتهم على تقرير مصائرهم فرادى ومجتمعين، وكلما نما وعي الفرد بذاته و ثقته بنفسه، يقترب القانون الذي أتاح لهم ذلك أكثر فأكثر من الروح الإنساني الحر .

في غياب المساواة، بل في ظل نمو عدم المساواة، منذ فجر التاريخ إلى يومنا، كانت الحرية في التاريخ تعني سلب الحرية، وكانت الدولة السياسية التي تسمي نفسها ديموقراطية، ولا تزال إلى يومنا، تقوم على هذا الأساس، إلا أن المساواة، كالحرية، كانت دوماً على جدول الأعمال، وكانت الديموقراطية ولا تزال تطلعاً إلى مستقبل واجب وممكن لشعب وأمة ولبني الإنسان. لا يستطيع المرء أن يتجاهل حقيقة أن العبودية كانت ولا تزال أساس الحرية؛ كانت روح العبيد المستلبين هي حرية "الأحرار". وكان عدم المساواة بين الأحرار والعبيد ينخر المساواة الوهمية بين الأحرار أنفسهم. لم يكن الأحرار يدركون ولاهم يدركون اليوم، أنهم باسترقاق الناس واستعبادهم إنما كانوا يسترقون ماهيتهم الإنسانية ويستعبدونها، لذلك كانت العبودية ولا تزال شاملة. ولم يترك التاريخ من الحضارات القديمة سوى عمل العبيد وإنتاج المنتجين وتماثيل السادة والملوك والأباطرة. لقد حول العبيد سادتهم إلى تماثيل بلهاء تشهد على براعة الصناع وإبداع المبدعين. فالتاريخ يعرف صناعه الحقيقيين ويخلدهم.

لا يمكن أن تقوم ديمقراطية بلا مساواة سياسية، هي المقدمة اللازمة أو الضرورية للمساواة الاجتماعية. فالدولة لا تكون ديموقراطية إلا إذا كان القانون فيها واحداً يسري على جميع المواطنين بلا استثناء ولا تمييز، وكان جميع المواطنين يشاركون في شؤون الدولة والحكم. ولا دمقراطية ممكنة إلا إذا كانت الحاجة هي التي تملي هذا الإلحاح على المساواة، فالمساواة تحمي الطبقات الشعبية من الردة الأوليغارشية التي ترمي بهذه الطبقات خارج عالم السياسة، وتحمي أيضا العائلات الأرستقراطية من الاستبداد المستند إلى الشعب الذي يريد أن يقضي عليها سياسياً. ولا ديمقراطية ممكنة إلا إذا كان لكلمة السر هذه، أي للمساواة، أنواع شتى من الدلالات الأخلاقية والفلسفية التي تضمنها أو تكفلها. وليس للمساواة أي معنى تحريري أو تقدمي إلا في نطاق الحرية وبالارتباط بها. فلا قيمة للمساواة في ظل العبودية وفي ظل الاستبداد. في النظام الديمقراطي، المواطنون متساوون لأنهم كل شيء، أما في نظم الاستبداد فهم متساوون في كونهم لا شيء. الحرية في أحد معانيها، هي عدم الخضوع إلا لحكم القانون وحده، والديموقراطية، من هذه الزاوية، هي الخضوع للقانون مع المساواة.

الديموقراطية، من هذه الزاوية، هي حكم القانون الذي يوحد الشعب ويقيم المساواة بين أفراده، القانون الذي هو لحمة المجتمع السياسي والذي تعبر سيادته عن سيادة الشعب. ولا عجب أن يختلط المفهومان: مفهوم القانون ومفهوم الديموقراطية حتى لكأنهما شيء واحد، وكان الاعتقاد السائد عند الإغريق أن كل القوانين الإنسانية مصدرها قانون إلهي واحد، وهو اعتقاد أحل القانون الذي يضعه البشر تعبيراً عن ماهيتهم ولأجل منفعتهم محل الدين بوصفه الشيء العام المشترك بين المواطنين من جهة، وبوصفه مبدأ موحداً للجماعة من جهة أخرى. وكان التوتر بين القانون ومقتضيات الدين والطبيعة أو الفطرة، أبرز سمات الحياة الاجتماعية السياسية وأبرز معالم الفكر السياسي. هذا التوتر كشف عن محورية الإنسان ومركزيته في العالم وعن كونه مقياس جميع القيم. فكرة القانون مشتقة من هذا المفهوم، مفهوم الإنسان بوصفه معيار جميع القيم، فقد وضعت القوانين من أجل البشر ولمنفعتهم ولم يوجد البشر من أجل القوانين، وقامت الدولة من أجل البشر ولمنفعتهم وتعبيراً عن شكل وجودهم السياسي الذي لا ينفك عن وجودهم المادي وكينونتهم الاجتماعية، وحلت تدريجيا محل الآلهة المكلفة حراسة المدينة، وكانت وظيفتها تحقيق الخير العام والنفع العام وتحقيق العدالة وإحقاق الحق .

حاولت إعطاء مفهوم القانون أهمية يستحقها لأنه تعبير عن ماهية الاجتماع البشري في واقعه المباشر الظاهري أو الكينوني، وبصفته هذه هو وحدة الظاهر المباشر، وعليه فإن مفهوم القانون مفهوم تاريخي يستمد قوته من طابعه الوطني / القومي العام ومن كونه تعبيراً عن كلية الدولة السياسية وعموميتها، فالدولة بصفتها قضية عامة لا تستطيع أن تكون إلا سياسية.

إن واقع الدولة السياسي الفعلي هو تجريدها الكلي أو العمومي. ولأنها كذلك، أي لأنها تجريد الكلية الاجتماعية في زمان ومكان محددين، تجريد الطابع الاجتماعي لكل فرد على حدة؛ لابد أن تكون منفصلة عن المجتمع المدني ومستقلة إزاءه. وكل فصل هو وصل. ولما كان القانون تعبيراً عن هذه الكلية غدت السلطة التشريعية التي تسن القوانين وتعدلها وتطورها تعبيراً مباشراً عن الكلية الاجتماعية؛ ومن هنا وجوب استقلالها عن السلطة التنفيذية، وعن السلطة القضائية أيضا وسيادتها عليهما. السلطة التشريعية أو المؤسسة التشريعية هي الدولة السياسية ومرجعية السلطتين التنفيذية والقضائية. والمشاركة فيها هي مشاركة في الدولة. بهذه المشاركة، وبقدر ما تكون مشاركة فعلية، يحقق الفرد وجوده السياسي بصفته عضواً في الدولة، ويحقق المجتمع المدني شكله السياسي، ويعيِّن هويته الوطنية / القومية.

لكن السلطة التشريعية ليست بعد الدولة السياسية، لأن لأعضائها (أعضاء البرلمان) طابعاً مزدوجاً، خاص وعام، في الوقت عينه؛ فكل منهم يمثل الخاص الاجتماعي (الطبقي) والعام السياسي (الوطني / القومي)، ولا يستطيع أن يكون غير ذلك، بحكم الواقع التراتبي للمجتمع المدني القائم على مبدأ الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج الاجتماعي وعلى العمل الأجير. هذا الازدواج التناقضي، هذا الانقسام في الوحدة يعكس التوتر والتنابذ بين ما هو اجتماعي وما هو سياسي، بين المضمون والشكل، بين الواقع الموضوعي، أعني الكينونة الاجتماعية الموضوعية، وتحديدها الذاتي. هذا التعارض بين الاجتماعي والسياسي هو الديالكتيك الذي يحرك التاريخ الداخلي للمجتمع أو للأمة. فبقدر ما يطمح كل فرد أن يكون عضواً في الدولة، بصفته الاجتماعية، لا بصفته الفردية، كما هي الحال في النظم الاستبدادية، يطمح في الوقت نفسه إلى أن يجعل الدولة ميدانا لتلبية مصالحه التي ليست سوى مصالح الفئة الاجتماعية أو الطبقة التي ينتمي إليها. ويغدو الوضع كارثياً في الدولة الشمولية التوزيعية التي تلغي المجتمع المدني، وتلغي من ثم الطابع الاجتماعي أو الصفة الاجتماعية لعضو البرلمان أو الهيئة التشريعية أو القيادة الحزبية التي تتنطع للتشريع. وبإلغائها الصفة الاجتماعية لعضو البرلمان الذي لا يمثل في الواقع سوى مصلحته الشخصية، تلغي الدولة الشمولية صفته السياسية ومن ثم الصفة السياسية للهيئة التشريعية المعنية، فيغدو الحكم الشمولي أي شيء سوى الدولة السياسية. ومن البديهي في مثل هذه الحال أن يعلق الدستور في حال وجوده ويغيّب القانون أو يفقد صفته الكلية واحترامه وسموه على الحاكم، وعلى " آلهة المدينة "، ولا يبقى هنالك من يتجرع السم ولا يخالف قوانين بلاده. بالصفات الفردية، الذهنية النفسية للفرد الطبيعي وحدها لا يكون الفرد عضواً في المجتمع والدولة، بل بالبعد الاجتماعي السياسي الذي ينمو في وعيه، في فكره وفي روحه، فوعي الحاجة إلى المجتمع ليس شيئاً بديهياً، بل نتاج تربية وتهذيب يغدو بهما الفرد كائناً اجتماعياً وسياسياً. وليس المجتمع معطى بديهياً ولا الدولة بالأحرى، بل كلاهما ناتجان ونتيجتان من نتاجات العمل البشري ونتائجه. المجتمع والدولة ناتجان من انبساط الروح الإنساني في التاريخ وفي العالم، من تحول الخصائص الذاتية للإنسان إلى واقع موضوعي، إلى علاقات ومؤسسات تبدو في قوة نفوذها على الأفراد كأن ماهيتها عين ذاتها وظاهرها، في حين ليست، في الحقيقة، شيئاً آخر سوى الإنسان مموضعاً، أي الإنسان وقد غدا موضوعياً. إن الصفات الفردية، الشخصية، لأهل الحكم في الدولة الشمولية، هؤلاء الذين يتمتعون بكل أنواع الامتيازات، ليست سياسية بأي معنى من المعاني، لأن الصفات السياسية الحقة تتعارض مع الامتيازات وتعارضها. بماذا يمكن أن توصف سلطة تشريعية يشترك كل من أعضائها فيها بصفته الفردية فحسب، كما يجري في بلادنا؟ وهل تستطيع هذه اللاقانونية، اللااجتماعية واللاسياسية، ومن ثم اللاعقلانية واللاأخلاقية أن تضع القوانين وتكون هذه القوانين عامة وكلية، وأن تراقب فضلا عن ذلك سلامة تنفيذها، لا سيما في وضع غدت معه السلطة مصدراً للثروة والقوة وسبباً للارتقاء الاجتماعي الزائف ؟

يحيلنا هذا السؤال، من جديد، على مفهوم المجتمع المدني وأهميته الحاسمة في المسألة الديموقراطية. وعلى الآليات التي ينتج بها دولته الوطنية شكلاً لوجوده السياسي وتعبيراً عن هويته الوطنية. وقد أشرت إلى أن هوية مجتمع ما هو ما ينتجه هذا المجتمع على الصعيدين المادي والروحي.