الفضيلة السياسية

جاد الكريم الجباعي

لا ألوم القارئ الذي قد يستهجن الحديث عن الأخلاق، "في هذه الظروف العصيبة" التي ينبغي أن نعد فيها كل ما نستطيع من قوة "لمواجهة التحديات الخارجية"، فقد درجنا على تعطيل ملكة النقد و"ملكة الحكم"، ولا سيما نقد المجتمع ونقد التربية ونقد السياسة ونقد الأخلاق، والحكم عليها، حتى نفرغ من "دحر العدوان وتحرير الأرض"؛ ولا ألوم القارئ الذي يظن أن أخلاقنا بألف خير، وأننا "خير أمة أخرجت للناس"، وأن لنا من الفضائل الأخلاقية ما يزن التقدم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعلمي والتقاني عند "أعدائنا"، فقد درجنا على فصل الأخلاق عن العمل بوجه عام وعن السياسة بوجه خاص. وعذري عند هذا القارئ وذاك اعتقادي أن الاستبداد يفسد الدين ويفسد الأخلاق، كما علمنا الكواكبي، واعتقادي أن الفضيلة السياسية هي أم جميع الفضائل الأخلاقية؛ وذلك لأن الدولة الوطنية التي ننشد كائن أخلاقي أعلى قوامه العدل والإنصاف والخير العام والحق العام والمصلحة العامة وحكم القانون الذي يساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والالتزامات، وأن لها وظيفة تربوية ووظيفة أخلاقية، إضافة إلى وظائفها الاجتماعية الأخرى. فكما تكون السياسة تكون التربية والأخلاق العامة. وقد ينسى القارئ الكريم أن الفضائل الفردية، في ظل الاستبداد، لا تعدو كونها فضائل سلبية تعزز العزوف عن الشأن العام والبحث عن الخلاص الفردي، في الدنيا والاخرة، تنقصها المشاركة السياسية حتى تصير فضائل اجتماعية إيجابية.

الفضيلة الأخلاقية عند الفلاسفة وسط بين رذيلتين، والفضيلة السياسية، على القياس نفسه، وسط بين تطرفين، تطرف في القبول يبلغ درجة القبول التام، وتطرف في الرفض يبلغ درجة الرفض التام. ومن ثم فإن الفضيلة السياسية هي الاعتدال، (والاعتدال من العدل، واعتدل فلان: صار عادلاً). وهي أم الفضائل جميعاً، لأنها تعميم لجميع الفضائل الفردية عن طريق التربية والثقافة وحكم القانون. والاعتدال سمة العقل، وهو سمة النظام الديمقراطي بوجه عام، وسمة المواطن، عضو الدولة السياسية بوجه خاص. وعليه فإن الفضيلة السياسية تتجلى في المواطنة التي قوامها الحرية والمساواة والمشاركة والمسؤولية وابتغاء الخير العام. والمواطنة بهذا المعنى وثيقة الصلة بالحداثة وبالدولة الحديثة، بل هي من أهم المبادئ التي تقوم عليها هذه الدولة التي يستمد منها الوطن جميع دلالاته السيادية والسياسية والحقوقية والأخلاقية. وقد ميز المفكرون والفلاسفة، منذ أفلاطون، الفرد المسوق بسائق حاجاته ورغباته وأهوائه ونزواته من المواطن الذي يتعلق بقيم الخير والحق والجمال ويصبو إلى الحرية والعدالة والمساواة، مما يفضي إلى القول إن الفرد هو الأساس الطبيعي للمجتمع المدني والمواطن هو الأساس السياسي للدولة الوطنية.

يعرف الحقوقيون الدولة بثلاثة عناصر موضوعية هي: السكان والأرض والسلطات العامة؛ وليس بوسع أحد أن يجادل أو يماري في موضوعية هذه العناصر، بل يمكن للمرء أن يجادل في تحديدها واستكناه مدلولاتها، وفي كون الكل (الدولة) لا يتحدد بأي من أجزائه، ولا يستنفد في أي منها.

فمفهوم السكان الحقوقي والإحصائي يحيل على الرعايا في الدولة ما قبل السياسية، وعلى المواطنين في الدولة السياسة، وعلى المواطنين الأحرار في الدولة الديمقراطية. ولعل الفروق بين الرعايا والمواطنين والمواطنين الأحرار تشير إلى الفروق الجوهرية بين أصناف الدول وأنواع الحكم من جهة، وإلى طابع العلاقات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية التي تجعل منهم رعايا أو مواطنين أو مواطنين أحراراً من جهة أخرى، أي إلى المجتمع التقليدي، والمجتمع المدني، والمجتمع المؤنسن ومعادلاتها السياسية: الدولة ما قبل السياسية والدولة السياسية والدولة الديمقراطية. الفارق الجوهري أو النوعي بين المجتمع التقليدي والمجتمع الحديث (المجتمع المدني) هو العلمانية بجميع منطوياتها الإنسية والعقلانية والليبرالية، ولا سيما المواطنة والمساواة أمام القانون وتحرير الدولة من سائر التحديدات الذاتية للأفراد والجماعات، وتحقيق "الانعتاق السياسي" للمواطنين. والفارق الجوهري بين المجتمع المدني والمجتمع المؤنسن هو الحرية. ولذلك كان أفضل تعريف للديمقراطية بأنها حرية الآخر الذي هو (أنا) و (آخر) في الوقت ذاته. في ضوء هذا الجدل، جدل الأنا والآخر تكف الحرية عن كونها مطلقاً ذاتياً، أو مطلقاً مشرعاً ذاتياً، كما تريدها الليبرالية الجديدة، أيديولوجية الرأسمالية المتوحشة.

ومن ثم فإن مفاهيم: المجتمع المدني والدولة الوطنية وسيادة الشعب تغدو مفاهيم أساسية أو مركزية في مصفوفة نظرية حديثة تتخطى دائرة اهتمام الحقوقيين. وفي ضوء هذه المصفوفة تكف الأرض عن كونها رقعة جغرافية أو بيئة طبيعية، وميداناً للتملك السلبي، الخاص والعام والمشترك، وما يقرره من قواعد قانونية، لتصير وطناً يوفر لأهله الحرية والحياة الكريمة ويدافع أهله عنه ويصونون استقلاله وسيادته ويضحون في سبيل ذلك بالغالي والنفيس، وما ذلك إلا لأنهم يتملكونه إيجابياً بالعمل والإنتاج والمعرفة، ويموضعون ذواتهم فيه، فيكسبونه جميع خصائصهم، ويكتسبون جميع خصائصه؛ فكل إنتاج هو تملك. أما الدولة الديمقراطية التي هي أفق الدولة السياسية وتجاوزها الجدلي، فهي النظام العام الذي تكف معه الدولة عن كونها شكلاً سياسياً خاصاَ مخارجاً لمضمونه أو مناقضاً له، أي تكف عن كونها استلاباً لماهية المجتمع المدني وروح الشعب. وهي، كما حددها ماركس بوضوح لا لبس فيه، وحدة الشكل والمضمون، تصير معها الحياة السياسية للمجتمع هي ذاتها حياته الاجتماعية، ويكف القانون من ثم عن كونه قوة منع وكبح خارجية، ليصير قوة داخلية في الفرد والمجتمع، أميل إلى تسميتها بالقوة الروحية التي يصير القانون معها ضمير المواطن، ونوعاً من ضمير جمعي للمجتمع. هذه يوتوبيا، أجل، إنها كذلك، لكنها تريد أن تؤكد أن الإنسان على خط التحسن والتقدم، برغم الانتكاسات والتراجعات هنا وهناك، فضلاً عن وظيفتها المعيارية والأخلاقية. وهي قبل هذا وذاك تريد أن تؤكد أن هذا العالم هو عالم الإنسان وهو كالإنسان ذاته قابل للتحسن.

الوطن، وقد كف عن كونه مجرد رقعة جغرافية، أو بيئة طبيعية، أو حتى مجرد حدود سياسية معترف بها، يغدو علاقة إيجابية مثلثة الأطراف: علاقة بين الإنسان والطبيعة، (العمل)، وعلاقة بين الإنسان والإنسان، (التعامل)، وبين الإنسان والدولة، (المشاركة السياسية)، وهي علاقة ذات محتوى اجتماعي اقتصادي وثقافي وسياسي وقانوني وأخلاقي، يمكن إجمالها بكلمة واحدة هي المواطنة؛ وتعني عضوية الفرد الفعلية في الدولة السياسية ومشاركته الإيجابية في الحياة العامة . ومن ثم فإن مفهوم الوطن لا يقوم من دون مفهوم المواطن، من دون مفهوم المواطنية والمواطنة. "فويل للذين يريدون أن يكونوا مواطنين حيث لا وطن، وويل للذين يأكلون من أيدي غاصبيهم".

الانتقال من الدلالة المكانية الخالصة للوطن إلى الدلالات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية والأخلاقية والقانونية كان نتيجة تطور تاريخي طويل، ويمكن القول إنه لم يتبلور إلا في مطلع الأزمنة الحديثة. وإذا شئتم فإن المواطنية، بما هي انعتاق من الروابط الأولية، ومن العلاقات "السياسية" الشخصية والوراثية، ومن منطق الامتيازات والولاءات الضيقة والعصبيات ما قبل الوطنية أو ما قبل القومية، هي أحد أهم معالم الحداثة.

الوطن هو ما يلبي حاجات الفرد الأساسية ويصون حقوقه المدنية وحرياته الأساسية وكرامته، ويحقق له المساواة مع الآخرين أمام القانون، ويحقق له الأمن والحماية والرفاهية؛ وإلا فإنه ينتكس إلى مجرد بيئة طبيعية ومكان إقامة. ومما يدعو إلى السخرية أن نبحث عن معنى الوطن في بطون المعجمات والقواميس، أو في الأشعار والأقوال المأثورة، لا في العلاقات الواقعية الحية، ولا سيما علاقة الفرد بالدولة، العلاقة التي تكثف جميع علاقاته الأخرى. الوطن هو بيتنا السياسي، وموطن اعتزازنا الأدبي.

والانتماء إلى الوطن، أي إلى الدولة السياسية، يتضمن جميع انتماءاتنا الأخرى ويعلو عليها، لا ذاتياً فحسب، بل موضوعياً أيضاً، لأنه انتماء إلى الكل، أو إلى الكلية العينية التي لا تكتمل فردية الفرد وإنسانيته إلا بها. أما سائر الانتماءات والتحديدات الذاتية الأخرى، كالانتماء إلى الأسرة أو العائلة الممتدة أو إلى دين أو مذهب أو جماعة لغوية أو ثقافية أو إثنية، أو إلى طبقة اجتماعية أو حزب سياسي، فإنها تفصح عن طابعها الجزئي وتكتسي مضموناً جديداً تستمده من الانتماء إلى الكل. وقد يستهجن القارئ إذا قلنا إن مفهوم الوطن مفهوم علماني بامتياز، وإن المواطنة هي الصيغة العملية للعلمانية. أليست العلمانية انتقالاً من التشظي إلى الوحدة ومن الملة إلى الأمة، يصير معه الوطن قيمة مشتركة بين جميع مواطنيه؟

وليس من نافل القول أن حرية الوطن واستقلاله وسيادته، لا تعني شيئاً إذا لم تتأسس على حرية المواطن واستقلاله وسيادته. فقد علمتنا تجربة أكثر من نصف قرن أن الرعايا لا يدافعون عن الأوطان. المواطنون الأحرار فقط يمكن أن يدافعوا عن الوطن دفاعاً ناجعاً. العلاقة بين المواطن والوطن تناظر العلاقة بين الحرية والقانون. والشعوب التي لا تدافع عن قوانين بلادها لا تدافع عن بلادها. ويفترض قولنا هذا أن تكون القوانين جديرة بالدفاع عنها. وذلكم هو معنى المواطنة ومعنى الوطن، والمغزى العميق للفضيلة السياسية.

جاد الكريم الجباعي

دمشق، هاتف:  6719288

E.Mail:  jebaae@scs-net.org