الضرورة التاريخية للدولة الوطنية

جاد الكريم الجباعي

منذ أخذت الدولة في بلادنا تتحول إلى "دولة تسلطية"[1] برز في الحياة العربية العامة تناقض جديد بين كلية المجتمع، في كل دولة على حدة، وجزئية الدولة وحصريتها، وقد بلغ هذا التناقض اليوم ذروة لم يعد ممكناً معها سوى حذف أحدهما، أو سقوطهما وانهيارهما معاً كما حدث في العراق. وبات من الضروري أن نعيد التفكير في مفهوم المجتمع المدني والدولة الوطنية الحديثة وما يتصل بهما من مفاهيم، كالحرية والمساواة والعدالة والمواطنة وسيادة الشعب وحكم القانون، وما يقومان عليه من مبادئ كالإنسية والعلمانية والعقلانية والديمقراطية.

فإن أحد أهم الأسباب التي أدت إلى إخفاق الدول حديثة الاستقلال، وإلى إخقاق الحداثة في مجتمعاتها المتأخرة، يكمن في صعوبة الانتقال من الجزئية إلى الكلية، ومن العرف إلى القانون، أي من الجماعات المغلقة والمتحاجزة إلى المجتمع المدني، ومن الملة إلى الأمة. وأبرز تظاهرات تأخر هذه المجتمعات هو تشظي المجال السياسي لكل منها، وتشظي مجالها السيادي. ذلكم هو الواقع الذي يقبع تحت القانون الصوري، غير المعمول به في الواقع، والذي لا يتوفر بعد على القوة التي يتوفر عليها العرف والعادة والتقليد، فضلاً عن التعارضات الاجتماعية وما تولده من استقطابات وتنظيمات. لنقل إن الفارق النوعي بين "المجتمع الأهلي" والمجتمع المدني يكمن هنا، ويمكن أن نلخصه بالفارق النوعي بين العرف والقانون، وبين الجزئية المباشرة والكلية العينية. ففي الجتمعات المتأخرة ليس بوسعك أن تعاين سوى عائلات ممتدة وعشائر ومذاهب وطوائف وملل ونحل، وجماعات إثنية وأحزاب سياسية تلبست أسوأ صفات هذه البنى، وتنظيمات دولتية "حديثة" تشير إلى طابع "الحداثة" المحققة بالفعل، وهي حداثة قشرية هشة ومثلومة، على كل صعيد، ولا سيما على صعيد العمل والإنتاج الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية التي يفترض أنه يحددها وأنها تحدده. 

المجتمع المدني، مجتمع الشغل والإنتاج، والملكية الخاصة والطبقات أو الفئات الاجتماعية ومصالحها المتعارضة وما ينجم عنها من علاقات وتنظيمات اجتماعية تكتسب جميع مضامينها ودلالاتها من العلاقات المتبادلة بين الفئات الاجتماعية وموقع كل منها على سلم الإنتاج الاجتماعي ونصيبها من عوامل الإنتاج ومن الثروة الوطنية وناتج العمل الإجمالي؛ أجل هو مجتمع الشغل والإنتاج والطبقات والثقافة التي تعبر بها هذه الطبقات عن نفسها والطرائق والأساليب التي تعبر بها، والقيم والمعايير التي تتبناها، وهو مجتمع الحاجات وسعي الأفراد إلى تلبيتها وإشباعها، وميدان التعاون والتآزر، وميدان الأنانية والتنافس والتنازع، ذلكم هو الواقع العياني، أما الدولة التي تمثل المصلحة العامة والإرادة العامة وسيادة الأمة فهي تجريد العمومية التي هي ماهية الأفراد والجماعات والطبقات أو الفئات الاجتماعية، وهي من ثم الاستلاب السياسي لهذه الماهية. وبهذا المعنى يمكن أن تصير الدولة "سماء الشعب"، بحسب تعبير كارل ماركس، تحتاج عملية أوسيرورة إعادتها إلى حياة الشعب إلى كفاح طويل. إن استعادة الدولة إلى المجتمع حتى تصير دولته حقاً وفعلاً، وإعادة إنتاج السياسة فيه بما هي محصلة جميع فاعلياته وقواه، وعقد لواء السيادة للشعب هي أهداف السياسة العقلانية في أي مجتمع يتجه إلى المستقبل.

المجتمع المدني، على ما فيه من تنوع واختلاف وتعارض، هو التجسيد العياني للأمة، ولنقل هو الواقع المادي الكثيف للأمة، والأمة هي تجريده المثالي، أو تعبيره الثقافي، أي التعبير النظري عن وحدته التناقضية؛ وفي التجريد المثالي والتعبير الثقافي كليهما تختفي أو تكاد تختفي الفروق والتعارضات الملازمة للكينونة الاجتماعية، أو للوجود الاجتماعي المباشر. لو كان البشر ينتجون اختلافاتهم وتعارضاتهم في المجالين الثقافي والسياسي، كما هي في وجودهم الاجتماعي المباشر وعشوائية حياتهم اليومية واختلاف غاياتهم وتناقضها وتضادها، لما كان هناك اجتماع بشري، بل اجتماع طبيعي فحسب. وهذا يضع فرقاً جوهرياً بين فكر سياسي قومي أو إسلامي يستمد مقولاته ومبادئه من ذاته، وفكر سياسي، بلا أي صفة أخرى، يستمدها من الواقع العياني، بين فكر مشدود إلى الماضي، وآخر مندرج في الحاضر ومتجه إلى المستقبل. ولا شك في أن الدلالات التي تحملها مقولة الأمة مثلاً تختلف جذرياً في الثاني عنها في الأول، وكذلك سائر المقولات "القومية".

ليس بوسعنا فهم الدلالات الجديدة لمفهوم الدولة بوصفها "مؤسسة سياسية شاملة"، بمعزل عن التحولات الاجتماعية النوعية التي شهدتها "المجتمعات الحديثة"، ولعل أهم هذه التحولات تحرر السياسة من العلاقات الدينية والعائلية والشخصية، جراء تحرر الأفراد من هذه العلاقات، وصيرورتهم أحراراً متساوين، ودخولهم في علاقات جديدة يحددها العمل الذي راح ينمو ويتطور وتتغير بنيته تغيراً جذرياً، ويتعاظم مردوده باطراد، أعني العمل الصناعي والتجارة بالضروريات، وتصنيع الزراعة ورسملتها، ونشوء الزراعات الواسعة والكثيفة، وإيلاء المحاصيل الصناعية أهمية خاصة، في البلدان الصناعية وفي المستعمرات. وجراء تمايز مجالات الحياة الاجتماعية واستقلال كل منها استقلالاً نسبياً، وهو ما اقتضى تعدد وظائف الدولة، وفصل السلطات. العمل يوحد من كانت تفرقهم العلاقات الدينية والعائلية والشخصية، ويفرض نظاماً اجتماعياً جديداً يدمج الوحدات الإقليمية في جسم سياسي باتت عموميته أمراً لازماً. المجتمع المدني صار مجتمع الأعمال والطبقات والمصالح الخاصة العمياء التي لو أطلق العنان لكل منها وتركت لشأنها لما أمكن قيام عقد اجتماعي. العقد الاجتماعي يقيد المصالح الخاصة بقيود المصلحة العامة التي لا يمكن أن يمثلها إلا كائن سياسي مستقل ومحايد إزاءها جميعاً، وإزاء الأفراد بصفاتهم الشخصية ومحمولاتهم، هذا الكائن السياسي الذي أنتجه العقد الاجتماعي صار نقطة التقاء جميع الأفراد بوصفهم مواطني الدولة، وقد بات من الضروري أن تكون هذه الدولة وطنية، أي أن تكون دولة الأمة. فالدولة الوطنية لا تلائم الوحدات المغلقة الإقطاعية، بل تتناسب مع مجتمع مبني على الصناعة والتبادل والتجارة الحرة. وكون الدولة وطنية يعني كونها فوق الطبقات والانقسامات، وفوق الأفراد جميعاً، بمن فيهم الملك؛ ومن ثم فهي التجسيد القانوني للأمة "ذلك الكائن الأخلاقي الممثل لأفراد المملكة"، لا لجزء منهم، مهما كان هذا الجزء كبيراً. وفيما تبدو الدولة متسامية عن التقسيمات الطبقية، فإنها تعبر عن وحدة النظام الاجتماعي. والفرق بين الفرد الطبيعي والمواطن صار يجد ترجمته في الفرق بين المجتمع المدني والدولة.

تثير فكرة انفصال المجتمع السياسي عن المجتمع المدني، أي انفصال الدولة عن المجتمع المدني، التباساً في الذهن الذي لا يرى أن كل انفصال هو اتصال، أو كل فصل هو وصل. ونعتقد أن استقلال مجالات الحياة الاجتماعية هو النتيجة الواقعية لتقسيم العمل الاجتماعي، فإن تقسيم العمل هو كلمة السر التي تفسر انفصال المجتمع المدني عن الدولة، وفصل السلطات داخل الدولة ذاتها. وسوف نرى أن كل نوع من أنواع العمل المشخص يحدد نمطاً من أنماط الشخصية، ونوعاً من العلاقات الاجتماعية والسياسية التي يمكن تمييزها  في النسيج الاجتماعي. إن انفصال الدولة عن المجتمع المدني هو استقلال الدولة وانفصالها عن المصالح الطبقية أو الفئوية أو المحلوية، أو حيادها إزاءها، وحيادها إزاء الدين وإزاء المذاهب الفكرية والنظريات السياسية. ولذلك افترضنا أنه ليس للدولة مضمون طبقي أو طابع طبقي سوى ذلك الذي يلابس سلطتها السياسية ويلازمها، وهذا لا يعدو كونه عنصر العمومية المشترك بين جميع فئات المجتمع، ما لم تكن الدولة المعنية استبدادية. ومن ثم، فإن انفصال الدولة عن المجتمع هو الذي يمكنها من أن تكون أداة لتنظيم التعارضات الاجتماعية والصراعات الطبقية وإدارتها. وليس تداول السلطة سوى تعبير عن هذه الوظيفة التي تحكم جميع وظائفها الأخرى وتحددها. " إن فصل الدولة عن المجتمع المدني يعني نزع الصفة الوراثية التي حملتها السلطة السياسية طوال العهود الإقطاعية، حيث أسهم كل من نظام القرابة والتضامن الإقليمي (المحلي) في تحويل السلطة إلى جزء من ميراث بعض الأفراد. ومنذ قيام الدولة الليبرالية صارت السلطة ملكاً للجميع، وصار من حق أي مواطن أن يكون رئيساً للجمهورية إذا توافرت له الشروط اللازمة لشغل هذا المنصب.

انفصال الدولة عن المجتمع المدني أو استقلالها عنه واقعة تاريخية وعيانية تحيل على نمو الحياة الاجتماعية وتقدمها واستقلال مجالاتها استقلالاً نسبياً، ولكن هذا الانفصال أو الاستقلال ليس انفصالاً ميكانيكياً، ولا استقلالاً مطلقاً، بل هو بالأحرى ما يجعل من الدولة والمجتمع المدني قطبين جدليين في وحدة تناقضية تسمح بتحول كل منهما إلى الآخر. فكرة الانفصال / الاتصال، أو الاستقلال النسبي نجمت وتنجم دوماً عن الفرق بين المجتمع المدني والدولة، أي عن الفرق بين صيغتين من صيغ العمومية، عمومية بالقوة وعمومية بالفعل؛ وكل فرق هو حد يضع تعارضاً أو تناقضاً يتحول إلى جدل بتوسط الممارسة. والانتخابات هي الممارسة الجماعية التي تمكن المجتمع المدني من الحضور في الدولة على أنه مضمونها ومحتواها، وتمكن الدولة من الحضور في المجتمع المدني على أنها شكل وجوده السياسي وتحديده الذاتي. بوساطة الانتخابات يحكم الشعب نفسه بنفسه ويشرع لنفسه، ويرى فيها كل مواطن مصلحة عملية، وتوكيداً فعلياً لعضويته في الدولة، إذ يغدو حاكماً ومحكوماً في الوقت ذاته. فمفهوم الانتخابات وفق هذه الرؤية يرادف مفهوم المشاركة السياسية، ومفهوم المواطنة. وهي فوق ذلك الوسيلة التي بها تحصل السلطة السياسية على المشروعية التي تؤهلها للحكم بموافقة الناخبين أو بموافقة الشعب، مصدر المشروعية الوحيد. إنها قاعدة الديمقراطية ووسيلة صالحة لتأمين سيطرة المواطنين على عملية اختيار حكامهم وتحديد ماهية النظام الاجتماعي الذي يريدونه لأنفسهم وتحديد الضوابط الدستورية والقانونية التي تمكن النظام من العمل وتوفر له شروط الاستقرار والتوازن. فهي من هذه الزاوية الوسيلة المثلى للاستقرار السياسي، وفسادها والتلاعب بها يؤديان إلى الفوضى والاضطراب. وما من شك في أن تزوير الانتخابات والتلاعب بها يحققان مصلحة مباشرة للمزورين والمتلاعبين، لكن هذه المصلحة عابرة ومؤقتة في جميع الأحوال، ولا تلبث أن تنقلب إلى نقيضها انقلاب السحر على الساحر. ولا تستمد الانتخابات قيمتها من كونها مباشرة وسرية ونزيهة تجري بإشراف قضاء مستقل فحسب، بل من مستوى الحريات العامة التي يتمتع بها المواطنون، ومن القوانين التي تنظم الحياة العامة، ولا سيما الحياة السياسية. فالانتخابات نوع من ممارسة جماعية يتنافس فيها الأفراد والأحزاب وجماعات المصالح الخاصة، وجماعات الضغط. وبممارستها مرة تلو مرة تتبلور التعارضات الاجتماعية ويتحول بعضها إلى جدل يرقى بالممارسة الاجتماعية والسياسية، ويرقى بالتشريعات والقوانين ذاتها.

دمشق، هاتف 6719288 ، E.Mail  jebaae@scs-net.org



[1] - أشير ‘لى الكتاب المهم الدي وضعه الدكتور خلدون حسن النقيب في هذا الموضوع، "الدولة التسلطية في المشرق العربي" وهو من أهم الدراسات التي عالجت هذا الموضوع في العربية.