المهمات الراهنة للعمل السياسي

 

جاد الكريم الجباعي

يحيل مفهوم الراهنيَّة على الإمكانات الفعلية التي يحملها الواقع، بصفته واقعاً، جدلياً، إمكانياً واحتمالياً وتناقضيا؛ وجدالياً، خلافياً، يحتمل قراءات وتأويلات شتى، ويراه كل واحد من زاوية نظره الخاصة، وفي كل قراءة أو تأويل شيء من الحقيقة؛ فالمهمات الراهنة هي المهمات الممكنة، والشعوب لا تطرح على نفسها من المهام سوى ما تستطيع تحقيقه. وليس بوسع المرء أن يتحدث عن هذه الممكنات إلا في صيغة الافتراض والتوقع والاستشراف؛ فإن بومة منيرفا لا تطير إلا في الظلام، وتحتاج، لكي تبلغ هدفها إلى حكمة منيرفا. وصيغة الافتراض والتوقع أو التنبؤ مشربة دوماً بالرغبات والمشاعر الذاتية، ومحكومة بضغط المصالح الخاصة للأفراد والجماعات والأحزاب السياسية والفئات الاجتماعية، أو بما تفترض كل منها أنه المصلحة الوطنية العليا، وهو، في حالتنا، مصلحتها الخاصة وقد استعارت تعبيراً غريباً عنها. والمشاعر والرغبات والمصالح الخاصة غير المندمجة في المصلحة العامة تقود إلى الخطأ، في أحسن الأحوال. فللخطأ بوجه عام، وللخطأ في السياسة بوجه خاص، مصدران: أحدهما اجتماعي (فئوي أو طبقي) يتعلق بالمصالح الفئوية أو الطبقية التي تتخفَّى في الأفكار والرؤى والتصورات والأيديولوجيات. والثاني معرفي يتعلق بالمنهج أو الطريقة أو نظرية المعرفة، وبالزاوية التي ننظر منها إلى العالم، إلى المجتمع والدولة، وإلى الإنسان، وإلى المرأة خاصة. والأهداف، كما هو معلوم، تنتمي إلى دائرة الذاتية، أما النتائج فتنتمي إلى دائرة الموضوعية؛ ونسبة الأهداف إلى النتائج هي نسبة العقلانية في الفكر والعمل، وهي ما يسميه الفلاسفة بمكر العقل، أو "مكر التاريخ".

 الأهداف التي وضعتها الحركة السياسية في سورية لنفسها، والنتائج التي تحققت، على مدى نصف القرن الماضي، لا بد أن تضع هذه الحركة ووعيها السياسي تحت السؤال وتضع من ثم الوعي الاجتماعي كله تحت السؤال. ولعله من البديهي القول: إن كل موقف سياسي يرتكز على موقف فكري، وكل مستوى فكري يرتكز على مستوى نفسي، روحي، وأخلاقي، أي إن ثمة علاقة منطقية بين الفكر والأخلاق والسياسة؛ أدعي أن عرى هذه العلاقة قد انفكت في حياتنا العامة في سورية؛ ولهذا صلة وثيقة بتخثر تاريخنا الداخلي، وبشلل الحياة الثقافية والسياسية، وانفصال الحكم عن الشعب. ولذلك بتنا إزاء خطابات أيديولوجية متوازية، مغلقة على يقينياتها ومطلقاتها وقبلياتها وقَبَلياتها، وإزاء ممارسة "سياسية" أعادت إنتاج مبدأ "القبيلة والغنيمة والعقيدة"، ومبدأ الغلبة والقهر؛ وتبين أن الأهداف المعلنة والشعارات البراقة محض كلام. والحديث هنا عن ممكنات الواقع واحتمالاته، وعن علاقة الأهداف الذاتية بالنتائج الموضوعية يذهب في اتجاه تأسيس وسلوك طريقة أو طريق جديدة في النظر والعمل السياسيين تنطلق من الواقع إلى الهدف، بخلاف ما درجنا عليه في مسيرتنا السابقة.

في ضوء ما تقدم يجد المرء نفسه عاجزاً عن تلمس المهمات الراهنة للعمل السياسي في سورية، على نحو يجعل منها إجابات صحيحة عن أسئلة الواقع. وإذا كان لا بد من مقاربة سؤال المهمات الراهنة، يمكن القول: إن المهمات التي تقاطعت عندها، أو أجمعت عليها النخبة الثقافية والسياسية السورية، في العام الذي مضى على تسلم الدكتور بشار الأسد مقاليد الحكم، هي المهمات الراهنة، وفق هذا الاستقراء. ولكن السؤال الذي تصعب الإجابة عنه هو: هل يتبنى المجتمع، أو أكثريته على الأقل، هذه المهمات، ويرى فيها مهمات راهنة حقا، أم إن ما يكتب ويقال إنما يكتب ويقال نيابة عنه، وهي نيابة لا تختلف عن تلك التي تدعيها السلطة، في التحليل الأخير؟ ولا سيما أن ما تقاطعت عنده أو أجمعت عليه هذه النخبة يبدأ برفع حالة الطوارئ وإلغاء الأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية وإطلاق الحريات الأساسية ولا سيما حرية الفكر والضمير وحرية التعبير ... ولا ينتهي بنظام ديمقراطي يقوم على المشاركة الفعلية والتداول السلمي للسلطة، وهو ما تلخصه مقولات الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري ومكافحة الفساد، أو بناء دولة حق وقانون تكون دولة جميع مواطنيها بلا استثناء ولا تمييز. وهذا السؤال يضع سؤالاً آخر هو: ما نوع العلاقة بين النخبة والمجتمع، وما درجة اندماجها فيه، وتعبيرها عن أوضاعه وتطلعاته؟

أعتقد أن شروط خروج المجتمع من حالة التهميش والإفقار والتقفير، إي جعله قفراً خاويا تتناوح فيه رياح البؤس الأسى والتذمر، ومن حالة الشلل السياسي، لم تتوافر بعد؛ أو إن ما توافر منها ليس كافياً بعد، وكذلك شروط عدول السلطة عن نهجها الذي وضع البلاد على طريق الكارثة. وأن النخبة الثقافية والسياسية قد فتحت طريقاً آمنة للمجتمع والسلطة على السواء، لكن أياً منهما لم يخط بعد الخطوة الأولى على طريق الألف ميل. أفترض هنا أن النخبة لا تزال في موقع بين بين، بين السلطة والمجتمع، أو بين عالم السلطة الشمولية، الاستبدادية التسلطية وعالم الشعب، وهما عالمان متخارجان ومتنافيان، حتى يومنا وساعتنا، ولا تزال سورية بلد "كل شيء ممنوع وكل شيء مباح".

المهمة الأساسية التي كانت، ولا تزال على جدول أعمال القوى الوطنية كافة، في السلطة والمعارضة، هي الانتقال الهادئ والآمن والتدريجي من النظام الاجتماعي السياسي الشمولي إلى نظام ديمقراطي. وقد تأخرت جميع القوى الوطنية، بلا استثناء، في التزام هذا الخيار الراهن والاستراتيجي، الممكن والواجب. القوى التي في السلطة استمرأت احتكار السلطة والقوة والثروة، وجاوزتها إلى احتكار الحقيقة والوطنية، فخفضت مفهوم المواطنة إلى مستوى الحزبية الضيقة والولاء الشخصي، وعاشت في وهم التمامية والكمال، وهم أن الأوضاع على خير ما يرام وليس بالإمكان أبدع مما كان. وتجلى وهم الكمال والتمامية، لدى كل منها، في كمال الحزب ثم في كمال الأمين العام الملهم، وتمامية صفاته التي فاقت صفات الأنبياء. وهم التمامية والكمال يقوم على مبدأ التصديق التام والقبول التام، يقابله في المعارضة مبدأ التكذيب التام والرفض التام، وهو مبدأ الكمال السلبي؛ مما جعل المعادلة السياسية أقرب ما تكون إلى العلاقة التناحرية بين الدين القويم والهرطقة، وهي العلاقة التي استولدت، وتستولد "محاكم التفتيش". لعل المهمة الملحة هي أن نخرج جميعنا من وهم التمامية والكمال، ونعترف بالنقص الذي في فطرتنا وجبلتنا ومكتسباتنا، وفي سائر تنظيماتنا وعلاقاتنا الاجتماعية والسياسية، فمبدأ النقص هو مبدأ التقدم. مبدأ الله في ذاته هو الكمال، ومبدأ الله في خلقه هو النقص والنزوع إلى الكمال دون بلوغه. وبلغة الفلسفة، مبدأ العقل في ذاته هو الكمال، ومبدأ العقل في العالم هو النقص والنزوع إلى الكمال دون بلوغه. وهنا تكمن ضرورة المطلق منطقياً وأخلاقياً. "ومن ليس في فكره وفي روحه المطلق يحوِّل نسبيَّه إلى مطلق، وذلكم هو الاستبداد".

مبدأ النقص، ومعادله مبدأ الاحتياج، هو الذي يضع مبدأ الحوار، ومبدأ التوافق والتعاقد والتواثق، المبدأ الذي يعبر عن نزوع "الأنا" إلى كماله وتمامه بـ "الآخر"، في رحاب الكلية الاجتماعية والإنسانية، في رحاب المجتمع المدني والدولة الوطنية / القومية، وفي رحاب الجماعة الإنسانية.  وعلى هذا المبدأ قام الاجتماع البشري، وأفصح، في المراحل المتقدمة من نموه وتطوره، عن فكرة "العقد الاجتماعي"، واحتكام المواطنين إلى قانون عام يعبر عما هو مشترك فيما بينهم، ويرون فيه انتصاراً على الجهل والهوى. فكرة العقد الاجتماعي تتعزز باستمرار بتسويات اجتماعية وسياسية تفرضها نسبة القوى في كل مرحلة من مراحل تطور المجتمع، وتعبر عن نفسها بتغير العلاقات الاجتماعية وتطور القوانين.

وفي ظل ركود مجتمعنا، وتناثر قواه، وتخثر تاريخه الداخلي تبدو فكرة العقد الأخلاقي، أو ميثاق الشرف الوطني ضرورية، وملحة، لاستعادة فكرة التعاقد على الصعيدين الاجتماعي والسياسي. وليست المبادرات التي ظهرت من هذا القبيل، كوثيقة "التوافقات الوطنية العامة" التي صدرت عن الهيئة التأسيسية للجان إحياء المجتمع المدني، والوثيقة البرنامجية التي صدرت عن التجمع الوطني الديمقراطي، و"مشروع ميثاق الشرف" الذي تقدمت به جماعة الأخوان المسلمين، سوى تعبير عن هذه الضرورة. ولكن لميثاق الشرف المنشود مستويين متكاملين: أولهما ميثاق ضمني يعترف بموجبه كل فريق بالآخرين، وبأن كل فريق هو جزء من الكل الاجتماعي الذي ليس جمعاً حسابياً لعدد الأجزاء. والثاني هو وثيقة ينضجها الحوار الوطني الشامل ويقرها مؤتمر وطني تشتد الحاجة إليه طرداً مع تعسُّر عملية الإصلاح، وسيكون لهذا المؤتمر أثر فائق الأهمية إذا دعا إليه السيد رئيس الجمهورية، لأنه سيعبر حينذاك عن مصالحة وطنية فعلية ينشدها الجميع.

وقبل ذلك لا بد من حوار وطني بدأت تباشيره بالظهور، ثم توقف أو كاد يتوقف، بسبب إحجام حزب البعث العربي الاشتراكي والأحزاب المنضوية معه في الجبهة الوطنية التقدمية عن الإسهام فيه. وبسبب ضعف فاعلية المجتمع الذي تفككت روابطه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، في العقود الماضية، وشلت مؤسساته، ولا سيما النقابات والأحزاب السياسية. غير أن الخروج من حالة العطالة والركود يفرض استئناف الحوار وتوسيع دائرته وإرساء تقاليده وأخلاقياته. والحوار، في نظري، حوار مع الذات (مونولوغ) وحوار مع الآخر (ديالوغ) وحوار مع الواقع أو مع العالم جملة وتفصيلاً، في الوقت ذاته. ولا يكون الحوار ناجعاً ودافعاً إلى تعزيز الوحدة الوطنية إذا لم يكن وفياً لمبدئه أولاً، ومستكملاً أركانه وشروطه ثانياً. مبدأ الحوار، كما أشرنا هو الاعتراف بالنقص والاحتياج؛ وأركانه هي الحوار مع الذات ومع الآخر ومع العالم في آن واحد معاً. أما شروطه فهي الآتية: الحوار مع الذات مشروط باستقلال الوجدان وجهاد المعرفة، وجهاد النفس الأمارة بالسوء. والحوار مع الآخر مشروط بالاعتراف المبدئي والنهائي بأن "الآخر" هو "أنا"، وبأن حقوقه هي الضمانة الموضوعية لحقوقي، وحريته هي الضمانة الموضوعية لحريتي. فالديمقراطية، في أهم منطوياتها، هي حرية الآخر. والحوار مع العالم مشروط بالاعتراف بالوجود الموضوعي للعالم الذي خارج الرأس، وبأفرادية الواقع وتنوع مكوناته وتعددها، وبعدم إمكانية السيطرة على التعدد والاختلاف والتنوع وصهرها في بوتقة واحدة، وقبل ذلك الاعتراف بواقعية الاختلاف ومشروعيته، وبأن للواقع بعداً في المكان الذي هو العالم، وبعداً في الزمان الذي هو التاريخ، وبأن له منطقاً تتوقف على تعرُّفه وفهمه إمكانات تغييره أو التأثير فيه. فلكي يطيعنا الواقع يجب أن نطيعه، كشأننا مع الطبيعة. هذه الشروط تنطوي على بعدين: أولهما فكري، معرفي، قوامه الحرية ومبدؤه الحقيقة، والثاني أخلاقي قوامه الجوانيَّة والصدق مع الذات ومع الآخر بالتلازم، واحترام الكلمة، والتزام قانون القول الذي يقضي بأن الإنسان سيد كلامه وأسيره في الوقت نفسه.

أما مضمون الحوار، أو مضامينه الرئيسة، فأهمها نقد التجربة الماضية انطلاقاً من حقيقة أنها تجربة جميع القوى السياسية والاتجاهات الفكرية بلا استثناء؛ لكل منا إسهامه فيها بالسلب أو بالإيجاب، وسهمه من نجاحاتها وإخفاقاتها. والقيمة المعرفية والأخلاقية لمثل هذا النقد هي تصفية الحساب مع الأوهام الذاتية والرؤى الأيديولوجية، وإعادة الاعتبار للعقلانية في الفكر والسياسة، من جهة، وإعادة بناء العلاقة بين الفكر والأخلاق والسياسة، من جهة أخرى. والقيمة الإجرائية لمثل هذا النقد تنبع من كون الماضي يسري في عروق الحاضر؛ فالوضع الراهن هو الممكنات التي تحققت على حساب ممكنات أخرى. ويليه في الأهمية تحليل الواقع القائم من جميع وجوهه، بلا مشاعر ورغبات، والابتعاد ما أمكن عن تزيينه أو تسخيمه، وذلك لمقاربة حقيقته وتعرُّف ممكناته واحتمالاته واتجاهات تطوره، في ضوء الاتجاهات السائدة عربياً وإقليمياً ودولياً. وأخيراً التوافق على جملة من المهمات التي تحقق مصالح جميع الأطراف، ولو بنسب متفاوتة؛ فتوازن القوى هو، في حقيقته العميقة، توازن المصالح. ويبدو لي أن هذا كله غير ممكن إلا بالحوار الذي وصفت بعض مبادئه وأركانه وشروطه. فهل قليل أن يكون الحوار الوطني الشامل هو المهمة الراهنة والملحة والتي بأمر اليوم؟ وفي اعتقادي أن الحوار الجدي والمسؤول هو الذي سيحدد مهمات العمل السياسي في المرحلة المقبلة، بقدر ما تسهم فيه جميع قوى المجتمع بفاعلية ونشاط. وليس عبثاً أن تنطلق مبادرات النخبة الثقافية والسياسية من مبدأ الحوار. والحوار الذي يقتضي اعتراف الجميع بالجميع اعترافاً مبدئياً ونهائياً، يقتضي حرية الفكر والرأي والضمير، حرية لا يحدها حد ولا يقيدها قيد سوى حدود الفكر وقيود الضمير. وقد بينت تجربة السنة الفائتة أن هذه المهمة، مهمة الحوار الوطني الشامل وصولاً إلى ميثاق شرف للعمل السياسي يلتزمه الجميع، ليست باليسر الذي كنا نظن؛ فما زال هناك من يرى في مجرد الحوار مساساً بمصالحه وامتيازاته، وتهديداً لسلطته. ونظن أن هؤلاء الذين يرفضون الحوار، ويضعون في طريقه شتى العقبات، الأمنية وغير الأمنية، ويصرون على استمرار حالة التخارج بين السلطة والشعب، وعلى اعتبار مصالحهم الخاصة وامتيازاتهم هي المصالح الوطنية، إنما يعملون على تأجيل الكارثة بدلاً من تلافي وقوعها. المهم اليوم ألا تنتكس الأوضاع في سورية إلى ما كانت عليه، قبل تسلم الرئيس بشار الأسد زمام الحكم، وأخشى أن في سماء السلطة التي غدت "سماء الشعب" غيوماً وبروقاً تشي بذلك، ونرجو أن تكون بروقاً خلَّباً وغيوم صيف؛ وإلا، فلا حول ولا قوة إلا بالله.