الأسس الليبرالية للمجتمع المدني

د: جاد الكريم الجباعي

 

بزغت فكرة المجتمع المدني، في أوسط القرن السابع عشر، على أساس أن المجتمعات البشرية هي من إنتاج البشر أنفسهم، وأن السلطات السياسية من أصل مجتمعي دنيوي؛ ومن ثم، فإن المجتمعات البشرية والسلطات السياسية هي بنت التاريخ، لا بنت السماء، ولا بنت الطبيعة، كـ "مجتمعات الحيوان"، وما دامت كذلك، فهي ليست حالة طبيعية ولا تجلياً لروح كوني، لاهوتي. الاجتماع البشري ابن التاريخ، واجتماع الحيوان ابن الطبيعة. هذا التمييز الحاسم مؤسس على النظر إلى الإنسان بصفته كائناً نوعياً، يمتاز من سائر الكائنات الطبيعية بالعقل والوعي والإرادة، وبقدرته على إنتاج ذاته في العالم وفي التاريخ. هذه الرؤية كانت ولا تزال تعارض الرؤية الطبيعية من جهة، والرؤية اللاهوتية من جهة أخرى. الرؤية الطبيعية والرؤية اللاهوتية تتقاطعان في نفي إرادة البشر وحريتهم. مما يدفع إلى القول: إن فكرة المجتمع المدني مؤسسة على فكرة الحرية، في معارضة الحتمية الطبيعية والقدرية اللاهوتية على السواء، أولاً. وعلى فكرة الدنيوية (العلمانية) التي تقيم فكرة المجتمع والدولة على فكرة العقل، ثانياً وعلى فكرة التاريخ، بوصفه حركة انبثاق الأشياء والظاهرات من القوة (الإمكان) إلى الفعل (الواقع)، وتوقيع ممكنات على حساب ممكنات أخرى، ثالثاً[1]. ونكاد لا نجد في تلك البداية الباكرة فروقاً تذكر بين مفاهيم المجتمع المدني والمجتمع السياسي والجسم السياسي؛ ومنذ ذلك الحين ارتبطت فكرة المجتمع المدني بفكرة الدولة الدنيوية، العلمانية التي لا تعدو كونها "إنساناً صنعياً" كالمجتمع الذي ينتجها. ولما كان كل تقدم ينطوي على عودة إلى بدء ما، فليس من الممكن فهم مقولة المجتمع المدني في النسق أو النظام المعرفي الذي تندرج فيه اليوم من دون العودة إلى هذه البداية التي تضع المجتمع المدني في معارضة "المجتمع" الطبيعي من جهة، والمجتمع الإكليركي، البطريركي، اللاهوتي، التراتبي (الهيرارشي)، من جهة ثانية. وعندنا، تقوم اليوم دعوة المجتمع المدني في معارضة المجتمع التقليدي، أو ما يسميه بعضهم "المجتمع الأهلي".

قد يستهجن الدارسون اليوم تزامن فكرة المجتمع المدني والدولة الدنيوية، العلمانية، في الغرب، مع الدعوة إلى الحكم المطلق، الدعوة إلى الملكية المطلقة التي نادى بها مؤسسون تركوا أثراً واضحاً في الفكر السياسي العالمي: ماكيافل وبودان وهوبز وبوسويه وغيرهم؛ قد يستهجن الدارسون هذا التزامن إذا لم توضع المسألة في إطار الانتقال من العصور الوسطى الإقطاعية إلى العصر الحديث، أو في إطار الخروج من الانحطاط إلى النهضة؛ إذ كانت المسألة السياسية تتعلق بمصدر السلطة، ومصدر الشرعية والسيادة. ففكرة المجتمع المدني والدولة العلمانية، وهما وجهان لعملة واحدة أو مدخلان نظريان وواقعيان، تاريخيان، يفضي كل منهما إلى الآخر بالضرورة، مرتبطة أوثق ارتباط بفكرة النهضة التي قامت على مبدأ الإنسان بصفته معياراً لجميع الأشياء وجميع القيم. عملية الانتقال تلك كانت بالأحرى انتقالاً من التشظي إلى الوحدة، مع الدول الكبرى التي ستغدو دولاً قومية (فرنسا وإنكلترة وإسبانيا خاصة). وفي هذا الأساس تكمن العلاقة بين المجتمع المدني والدولة القومية، إذ ستغدو فكرة المجتمع المدني معادلاً واقعياً لفكرة الأمة الحديثة. الإطلاقية نقيض الإقطاعية وتعبير مكثف عن الحاجة إلى المركزة والتوحيد، إنها نقيض التفتت الإقطاعي، ولكنها لا تعني الاستبداد والطغيان.[2]وإذا كانت الإطلاقية نتيجة لأزمات عاصفة اقتصادية وسياسية ودينية مهدت لتغيرات عميقة في الحياة الأوربية، فإنها في الوقت ذاته نتيجة سيادة الرأسمالية المركنتيلية التي ازدهرت في القرن السابع عشر، وأفضت إلى الرأسمالية الصناعية الحديثة. فبموجب المذهب التجاري أو العقيدة المركنتيلية، كان يجب مراكمة الذهب والفضة المجلوبين من ما وراء البحار، وتنمية الإنتاج القومي إلى أقصى حد ممكن. وحماية الصناعات الحديثة من المنافسة الخارجية، وتشجيع قيام الشركات التجارية الكبرى، كالشركة الهولندية للهند الكبرى، والشركة الإنكليزية للهند والشركة الفرنسية للهند الغربية وللهند الشرقية. ولذلك التقت مصالح التجار ومجهزي السفن مع مصالح الدولة المتجهة نحو المركزية ونحو بسط سلطانها على إقليمها وسكانه. ويرى كثير من الباحثين أن القرن السابع عشر كان حقبة ثورة علمية؛ فقد كان عصر فرنسيس بيكون وكيبلر وغاليلي وديكارت وباسكال وريسلي وهارفي ونيوتن، وفي هذه الحقبة تأسست الجمعية الملكية البريطانية (1660) وأكاديمية العلوم (1666)، وأخذ العلماء يتراسلون فيما بينهم من بلد إلى بلد.[3]

وإلى ذلك تضاف رؤية حقوقية جديدة قائمة على مفهوم الحق الطبيعي، مع هوغو غروتيوس (1583-1645) "واضع مبدأ الحق الطبيعي" كما يصفه برهييه، ولا سيما في كتابه "قانون الحرب والسلم" (1625)؛ فقد رأى أن بوسعه وضع قواعد كلية وعامة وملزمة للناس قاطبة في علاقات العنف القائمة فيما بينهم؛ فالبت في ما إذا كانت الحرب عادلة أو ظالمة، وفي ما إذا كان يحق للعاهل أن يفرض على رعاياه ديانة بعينها، وأين تبدأ مشروعية سلطته وأين تنتهي لا يكون من وجهة نظر أفراد معينين بل من وجهة نظر العقل اللاشخصي، وباسمه. والعقل اللاشخصي يتوافق مع القانون الطبيعي بصفته نظام العقل، يأمر بعمل وينهى عن آخر تبعاً لاتفاق هذا العمل أو ذاك أو عدم اتفاقه مع طبيعة الموجود العاقل. وهذه قاعدة لا اعتساف فيها، وليس بالمستطاع تغييرها.[4] القانون الطبيعي، في نظر غروسيوس أو غروتيوس هو "قرار عقل سليم ينظر في أمر من الأمور فيحكم عليه بحسب مناسبته أو مخالفته للطبيعة العاقلة المؤانسة، هل هو فاسد أخلاقياً أم غير فاسد، وبالتالي هل هذا العمل هو واجب أو مخلوق من قبل الله خالق هذه الطبيعة".[5] فالمعقول والاجتماعي معياران أساسيان وحاكمان على كل فكر وعمل. ولا بد من الإشارة هنا إلى تقدم العلوم الذي أسهم في نشوء تصور علماني للطبيعة، وتصور عقلاني للحقوق.

والنهضة الفكرية التي مهدت لذلك الانتقال كانت حركة فكرية تحريرية بدأت في أواخر القرن الخامس عشر، وتفتحت في الربع الأول من القرن السادس عشر، وراحت تقوِّض تدريجياً الأسس المادية والفكرية والروحية للعصر الوسيط والنظام الإقطاعي، متخذة من العالم الكلاسيكي اليوناني والروماني الباكر أنموذجاً ومثالاً، في صيغة اكتشاف الأسس والمبادئ والأفكار والمناهج والقيم، وإعادة إنتاجها، لا في صيغة محاكاة أوتقليد أعمى، بل في صيغة نقد وإعادة بناء. فلم تكن النهضة انبعاثاً أو بعثاً لماض كان، أو لعصر ذهبي من عصور الماضي، بل كانت ولادة لشيء جديد لم يعرف من قبل، وأهم انقلاب متدرج عرفه العالم حتى ذلك الحين. بل إن النهضة أكثر من ذلك بكثير، إنها رفض السلطة المزدوجة لكل من البابا، في ما هو روحي، والإمبراطور في ما هو زمني، أي رفض وجود سلطتين متعارضتين: روحية وزمنية، وحصر السياسة بما هي تدبير شؤون المجتمع والدولة في الثانية.

لديكارت الذي وضع مبدأ "أنا افكر إذن أنا موجود" بصفته الحجر الأول لفلسفة جديدة، أسلاف، من عصر النهضة، هم أكثر من أسلاف، "مونولوج فاوست نفسه لا يمكن تصوره بدون حركة النهضة؛ إنها تعيش في العنصر البروميثيوسي الذي استعاه غوته؛ لقد سمحت للإنسانوي سكاليجر أن يرى في برميثيوس "الإله الآخر" الذي ينقض إلى السماء ليأتينا بالنار وليؤسس بشرية جديدة، وهو تصور يعارض عموماً التصور الذي ساد في العصر القديم والذي لم يكن يرى في بروميثيوس سوى سارق. فاوست وبروميثيوس هما وجها الصدارة في سفينة النهضة ولا يمكن أن يفصلا عن صورتها. إن عصر ما قبل ديكارت هو عصر الـ تيليزيو Telesio، باتريشي Patricci، بومبونازي pomponazzi، جوردانو برونو الذروة ثم عصر كامبانيلا Campanella. إنه في ألمانية عصر باراسلس paracelse، وياكوب بوهم jacob Boehme ، في إنكلترة عصر فرنسيس بيكون الذي أنجب العلوم الطبيعية الرياضية المشتقة من الفلسفة، من تصور جديد لفبثاغور؛ وها هم غاليليه Galilee ، كيبلر Kepler ، نيوتن Newton ؛ وها هو الحق الطبيعي البورجوازي، أيديولوجية التحرير البورجوازي العظيمة، في حين أن مذهب العقد الاجتماعي لـ ألتوسيوس Althusius وغروتيوس Grotius سيكون أداة فعالة في يد رجال الثورة الفرنسية؛ التيار المضاد – المفيد والدال يبرز مع ماكيافل machiavel وبودان Bodin وهوبز Hobbes أخيراً يجمع مذهب العقد الاجتماعي المستوحى من الحق الطبيعي مع نزعة واقعية عفيفة وزاهدة"[6].

أوربة الناهضة من رماد الإمبراطورية الرومانية، ومن ظلام العصور الوسطى وظلمها تزرع في أذهان أبنائها وقلوبهم بذور البحث والاكتشاف والمغامرة والنقد والفحص والفكر الحر. المفكرون والعلماء والفلاسفة والأدباء والفنانون يحطمون أوثان الدوغما، ويضعون الإنسان في مركز العالم سيداً لنفسه ومصيره، وحاكماً على التاريخ برمته، يمارس سلطته الخاصة على طبيعته التي غدت مقطوعة عن أي جذور دينية أو عادات وثنية. وتفتتح عصر العقل ودمج العلم بالعمل، عصر التكنولوجيا، والكشوف الكبرى: كشف أمريكة، وكشف الهند من طريق رأس الرجاء الصالح، وكشف الطباعة، وما سيليها من كشوف. أوربة الناهضة تشرع في التكور على ذاتها لتصنع تاريخها الداخلي وتفرضه على العالم الذي سيتسم بسمة قيض لها أن تكون أوربية، أعني نمط الإنتاج الرأسمالي الملازم تاريخياً ومفهومياً للمجتمع المدني الحديث والدولة القومية الحديثة. وفضلاً عن ذلك يعود إنسان الإصلاح الديني إلى العالم. الفردوس الضائع لملتون ينتهي كما يقول ويبر بدعوة إلى العمل في العالم، خلافاً لروح الكوميديا الإلهية.[7] فقد أسهم الإصلاح الديني في بناء تصور أخلاقي جديد ملائم للرأسمالية، تحت مقولة "العمل عبادة". هذا التصور هو عنصر في تصور أشمل، تصور عقلاني للعالم يدمج الإنسان في الطبيعة، وينبذ جميع أشكال ثنائية الجسد والنفس، العالم الإنساني والتعالي.[8] ميز لوثر اللاهوت من الفلسفة، بل فصل ما هو من العقل وما هو من الإيمان، هذا الفصل الذي سيعزز حرية الضمير، كان مفتوحاً على اتجاهين متناقضين، التاريخ، لا لوثر أو سواه، حكم لمصلحة الأنسنة والعلمنة والعقلنة، لمصلحة "حرية الاختيار"، التي نادى بها إراسم قبل ذلك. مع أن التعارض سيظل قائماًً بين جملة الميول والآليات الدافعة نحو العقلنة وميل مضاد وعنيد نحو الذاتية المتجهة نحو الألوهية، سواء بالمحبة أو بتملك العالم بالمعرفة والعمل.

قبل ذلك كان ماكيافل قد حقق إنجازاً، على صعيد السياسة، لا يقل عن إنجاز كوبرنيكوس، على صعيد المعرفة؛ الأول، ماكيافل حرر السياسة من اللاهوت، والثاني، كوبرنيكوس، حرر العلم من اللاهوت، بعد أن كانت العلوم "عذراء منذورة للآلهة". كتاب "الأمير" ( 1512) كان أول وأهم كتاب إيطالي، بل أوربي، يعالج السياسة على أنها شأن بشري خالص تحتاج إلى "قوة الأسد ومكر الثعلب". وإلى "قوانين جيدة وأسلحة جيدة"، و "القوات القومية" المؤلفة من مواطني الأمير هي وحدها الأسلحة الجيدة، فـ "كم يستحقون اللوم الأمراء الذين ليس عندهم جيش قومي"، كما قال ماكيافل. وما من شك في أن القوة والغلبة، أو الشوكة والعصبية، بتعبير ابن خلدون، كانتا ولا تزالان مبدأ السياسة، والأساس الذي قامت عليه الدول والممالك. "فجميع الأنبياء المسلحين انتصروا، وغير المسلحين أهلكوا أنفسهم". وليس غريباً، وهذه هي الحال، أن يقوم علم السياسة على فن استعمال القوة لإدارة الدولة والمجتمع، أو لإدارة البشر والأشياء. لكن القوات القومية ليست كل شيء، فلا بد من مؤسسات قومية حديثة تعبر عن الطابع المجتمعي الكلي للدولة. وهذه المؤسسات هي ميدان التعارض والصراع بين أنصار القديم وأنصار الجديد.

الدول، في نظر ماكيافل، تبنى وتشاد، والحكم يورث ويكتسب ويضيع؛ وثمة أساليب أربعة للسيطرة على الحكم توافقها أساليب للمحافظة عليه أو لتضييعه؛ فالأمير يحصل على الحكم بالحظ virtu وبأسلحته الخاصة، أو بالحظ وبأسلحة الآخرين، أو بالوغدنة، أو بموافقة مواطنيه. والإمارة إما أن تكون استبدادية أو أرستقراطية أو جمهورية (شعبية أو ديمقراطية). ولئن كان ماكيافل ميالاً إلى النمط الأول فلأنه كان يعتقد أن الحرية قد عجزت عن توحيد إيطاليا، فلعل السلطة المطلقة للأمير تفلح في ذلك. فإن "سر ماكيافل الأعلى، سر قلبه وعقله" كان توحيد إيطاليا وتخليصها "من البرابرة". وكتاب الأمير غدا عَلَماً على السياسة الوضعية العارية من أي عنصر لاهوتي أو قيمي أو أخلاقي، والقائمة على مبدأ قوة الأسد ومكر الثعلب، وعلى مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"، عَلَماً على سياسة تستمد جميع مقوماتها من واقع البشر المفطورين على الحاجة والرغبة والخوف، والساعين إلى تلبية حاجاتهم وإشباع رغباتهم في ظل الأمن والاستقرار والسلام. هدم ماكيافل بضربة واحدة فكرة الحق الإلهي والتفويض الإلهي، وفكرة السلطة المزدوجة، وأقام السياسة على أسس دنيوية خالصة وموضوعية صرفة.

الأيديولوجية العامة للعالم الوسطوي تترنح تحت طغيان الكنيسة وكثرة "البدع" و "الهرطقات" ذات الطابع الاحتجاجي، ثم تأخذ بالانهيار بفعل حركة الإصلاح الديني. تضافر تحرير العلم والسياسة من اللاهوت مع تحرير الإنسان، أي تحرير الوجدان الفردي وتحرير المجتمع والدولة (عالم الإنسان) من طغيان الكنيسة المركزية. "مارتن لوثر (1483-1546) راهب أوغسطيني وأستاذ لاهوت في عصر النضج والثورة والهداية، تقواه الحامية والقلقة تثور أمام مشهد بيع صكوك الغفران: الكنيسة حاملة مفاتيح السماء فتحت بنكاً هنا (تحت)، خليفة بطرس الرسول (البابا) يريد أن يبني له كنيسة في الدنيا الفانية تليق بدار البقاء ... لوثر يعلن على الملأ أن الغفرانات معاكسة للكتاب (1517)، يلقى عليه الحرم ويطرد خارج الكنيسة، سفينة نوح التي لا نجاه خارجها (1520)، لوثر يضع مذهبه: الإنجيل هو القانون الوحيد، الخلاص يأتي بالإيمان لا بالأعمال – الممارسات الخارجية (الشعائر والعبادات)، ثلاثة أسرار (مقدسات): عمادة ومناولة أو مشاركة وتوبة، بدلاً من سبعة في الكاثوليكية (عمادة، تثبيت، مناولة، توبة، مسحة ما قبل الوفاة، رهبنة، زواج). الطقس العبادي يبسَّط، الصلوات تتلى بلغة أهل البلد، لا باللاتينية، الصور تحذف من الكنائس، ووزراء العبادة (الكهنة أو خادمو العبادة) يمكن أن يتزوجوا. لوثر يترجم الكتاب المقدس إلى الألمانية، "يطهر اسطبلات اللغة الألمانية عدا عن تطهيره اسطبلات الكنيسة" (إنغلز)، يؤسس اللغة الشعبية – الأدبية القومية لجميع الألمان، وهذا عمل من صميم النهضة في مختلف البلدان، يطور الموسيقا الدينية، يضع "النشيد" المعروف باسمه، الكورال اللوثري، ولا سيما أناشيد: ربنا حصن آمين، الله ونفسي، الله مات (الله نفسه مات: المسيح). على هذا الخط سوف يكون باخ وهيغل، الموسيقى الكلاسيكية الألمانية في أساسها (ولا بيتهوفن بلا باخ) والفلسفة الألمانية في ذروتها وخاتمتها. الرسم يموت في ألمانية، لكنه يبلغ ذروته في هولندة (ق 17).

لوثر قام بعملية تذويت قطعية. هذا جوهره. الغى الكاهن الخارجي. دخل الكاهن جوانياً، جعل كل إنسان كاهناً او راهباً (وهذا أمر مرعب)، رقيباً على نفسه. وكل موقفه ضد الأعمال – الممارسات الخارجية وحساب الأعمال الكاثوليكي في الميزان، وضد الصور في الكنائس مرتبط بهذا الموقف الجوهري: الجوانية، بهذه البذرة، النواة الذاهبة ضد جماعية و"جمعية" وقطيعية "الجماعة" البذرة التي هي أيضاً موقف المسيحية الأولى: روما الأخيرة، أفول الرق، عالم الإمبراطورية وأفوله، انبساط الاقتصاد السلعي "البورجوازي"، الرواقية ، أوغسطين، البذرة التي لا غنى عنها لإقامة مجتمع مدني هو مرحلة ضرورية في التاريخ الكوني – بسط الإنسان. ولوثر أجرى تطويراً مهماً على مفهوم الدعوة، "النداء"، حسب رأيه: ليس الكهنوت – الرهبنة – خدمة العبادة هي أو هي وحدها "دعوة"، بل العمل، المهنة، الحرفة، إذن الشغل مأخوذاً بوصفه حياة فرد في مجتمع أعمال – مهن. (العمل عبادة)[9].

الإصلاح الديني، اللوثرية والكالفينية، والإصلاح الكاثوليكي المضاد الذي اضطلع به مجمع ترانت (1545-1563) ورهبنة اليسوعيين التي تأسست عام 1534 ، الإصلاح الديني كان تمهيداً لتحرير الدولة من الدين، وتحرير الدين من الدولة، وبفضله قامت الكنائس الوطنية التي عززت مبدأ الدولة الوطنية / القومية. اللغة القومية لكل أمة غدت هي لغة الدين والثقافة بوجه عام، وتموضع الدين في المجتمع المدني تحت مظلة الدولة القومية، ولا يزال الأمر كذلك حتى يومنا. لنقل إن الدين عاد إلى طبيعته الأولى، ديناً للبشر، ومبدأ للمعرفة، معرفة الخير والشر، والخير هو ما ينفع البشر ويفيدهم ويصلح شؤون دنياهم، ويفتح أمامهم سبل السعادة، ومبدأ للعمل والكسب الحلال، ومبدأ لجهاد النفس، تحت أسماء شتى.

"الفاعلية هي الشعار الجديد، الإنسان الجديد يعمل، لم يعد يخجل من العمل. الحرم الذي كانت طبقة النبلاء قد ألقته على الشغل المعتبر مذلاً ومشيناً يرفع؛ نشهد ميلاد "الإنسان الصانع" الذي، بدون أن يعي تماماً التغير الحاصل، يحول العالم بنشاطه. اقتصاد بدايات الراسمالية يفرض تفسه بحزم، وبورجوازية المدن المتحالفة مع الملكية السائرة نحو الحكم المطلق تضع حداً للإقطاعية الفروسية" ... من إيطاليا انطلقت حركة النهضة. لقد حملت واقعتين جديدتين: وعي الفرد، كما نما وتطور ذهاباً من الاقتصاد الرأسمالي الفردي في مواجهة السوق المغلقة لطوائف الحرف؛ وانطباع الاتساع واللامحدودية الذي حل محل صورة العالم المصطنع والمغلق للمجتمع الإقطاعي واللاهوتي"[10].

بعد ماكيافل، وضده، وبخلاف كلبيته، يكتب بودان، سلف مونتسكيو،عام 1576، كتاب "الجمهورية" ويصف الجمهورية، أي الدولة، في مطلع الفصل الأول من الكتاب  بأنها "حكومة حق، حكومة قويمة droit gouvernement لعدد من المنازل ( الأسر)، ولما هو مشترك بينها، مع سلطة سيدة"؛ ويميز فيه على نحو واضح الدولة من السلطة ويؤسس مبدأ السيادة، منطلقاً من كون الإنسان أساس الدولة، لا مادتها أو موضوعها فحسب. والجمهورية (الدولة) عند بودان تعني الشيء العام، والاشتراك السياسي، لا مجرد نظام حكم يعارض المونارشية، الملكية أو الإمبراطورية، أو الاستبدادية أو الأرستقراطية، والاشتراك السياسي مؤسس على مبدأ ملازم هو الشرعية، أي مطابقة الحكم للقيم الأخلاقية من عقل وعدل ونظام بالمعنى الأرفع.

ربما كان الفارق النوعي بين بودان وماكيافل هو أن بودان عني بمضمون الحكم، في حين كان هم ماكيافل منصرفاً إلى الشكل فحسب. تقصى ماكيافل جميع أنواع الإمارات في التاريخ، وأسباب نشوئها وزوالها، وأساليب السيطرة على الحكم والاحتفاظ به أو تضييعه، في حين صرف بودان همه إلى أصل الدولة، وإلى الشروط التي تجعل منها دولة قويمة متسقة مع مطالب العقل. ولذلك اختلف مفهوم القوة لدى كل منهما. مبدأ ماكيافل هو سيادة القوة، ومبدأ بودان هو قوة السيادة. السيادة عند بودان هي "قوة تلاحم الجماعة السياسية واتحادها، بدون هذه القوة تتفكك الجماعة وتنهار؛ وقوام السيادة هو تبادل الأمر والطاعة الذي تفرضه طبيعة الأشياء على كل مجموعة بشرية تريد أن تعيش. السيادة هي القدرة المطلقة والدائمة لجمهورية من الجمهوريات. وديمومة السيادة هي البقاء الطبيعي لشكلها الاجتماعي. لكن ماكيافل وبودان حسما قضية المجتمع المدني، كل بطريقته، مع فارق أن الأول جعله موضوعاً لإرادة الأمير، والثاني جعله ذاتاً وموضوعاً لذاته في آن معاً. والفرق بين الرؤيتين يعبر عن فارق تاريخي بين أوضاع إيطاليا في زمن ماكيافل وأوضاع فرنسا في زمن بودان. الفكر هو فكر الواقع وشكله المجرد.

مفهوم السيادة المطلقة عند بودان هو بالأحرى مفهوم دنيوي، علماني؛ "السمة الأولى للأمير السيد هي القدرة على إعطاء القانون للجميع بوجه عام، ولكل واحد بوجه خاص .. بدون موافقة أعلى أو مثيل أو أقل من الذات" وإلا فإنه تابع حقيقي. و "القانون يستطيع كسر الأعراف، والعرف لا يستطيع مخالفة القانون". السيادة، بحسب بودان، يمكن أن تقوم، نظرياً، في الكثرة (ديمقراطية) أو في أقلية (أرستقراطية أو أوليغارشية) أو في رجل واحد (مونارشية، ملكية)[11]، وهي في جميع الأحوال في مصلحة توحيد فرنسا وبلورة كيانها القومي ودولتها المركزية. السيد بالتعريف هو من لا يستمد سيادته من غيره، من البابا أو من سواه. سيد بودان وأمير ماكيافل علمانيان مبدئياً ونهائياً. أحدهما هو الواقع (ماكيافل) والثاني هو الممكن (بودان).

بودان وماكيافل كانا يذهبان، من طريقين مختلفين، إلى تقويض أسس الإقطاعية: تسلسل السيادات والولاءات والروابط الرئاسية الشخصية، وانقسام السلطة العامة إلى ما لا نهاية، وخلط السلطات العامة والسلطات الخاصة، وازدواجية السلطة الدينية والسلطة الزمنية.. إلخ؛ فضلاً عن المحلوية ولا مركزية السيادة، وفضلاً عن الفوضى وانعدام الأمن والاستقرار. ويمكن تلخيص رؤيتيهما بعقلنة السياسة وعلمنتها. والرؤيتان كلتاهما، على ما بينهما من تعارض، تعبران عن تحولات اجتماعية جذرية، مع صعود الرأسمالية الميركانتيلية، التجارية، وعبادة المعدن الثمين، الذهب والفضة، وبروز فكرة الاستقلال القومي. وتجدر الإشارة إلى أن المونارشية أو الملكية المطلقة التي ينشدها بودان ليست مونارشية طغيانية، بل نظام حكم عقلاني متسق مع "قوانين الطبيعة" التي هي قوانين العقل الإلهي، ويحترم حرية الرعايا ويصون حقوقهم، ولا سيما حق الملكية. هذه المونارشية الملكية أو الشرعية رعاياها "يطيعون المونارش، والمونارش يطيع قوانين الطبيعة، وتبقى الحرية الطبيعية وملكية الأملاك للرعايا".

التوتر الذي يقبع في أساس الرؤية النهضوية هو التوتر والتعارض بين الحرية والنظام، بين الحرية والقانون، بين العشوائية والانتظام، بين تشظي السيادة أو ازدواجها من جهة، ووحدتها ومركزيتها من الجهة المقابلة.

هوبز، في اللوياثان 1651، يحسم دنيوية الدولة أو علمانيتها، وانبثاقها من المجتمع المدني بالتعاقد والتوافق والتواثق، بعد أن حسمها التاريخ على هذا النحو. الدولة إنسان موضوعي صنعه الإنسان. وهذا الإنسان الصانع هو المجتمع المدني، ولسوف نرى الفكرة ذاتها عند ماركس، في القرن التاسع عشر، وهي، أي الدولة، أشبه بكائن أسطوري، لوياثان، أو تنين، "يدعى شيئاً عاماً chose puplique أو Etat دولة commonivealth، ثروة مشتركة، باللاتينية civitas الذي ليس شيئاً آخر سوى إنسان صنعي، وإن كان ذا قامة أعلى بكثير وقوة أكبر بكثير مما للإنسان الطبيعي؛ وقد صنع من أجل حماية الإنسان الطبيعي والدفاع عنه. السيادة فيه نفس مصنوعة، مصطنعة، ما دامت تعطي الحياة والحركة للجسد بأسره، .. الثواب والعقاب أعصابه، رفاهية جميع الأفراد وثرواتهم قوته، خلاص الشعب وظيفته، العدل والقوانين عقله وإرادته الصنعيان، الوفاق صحته والفتنة مرضه، والحرب الأهلية موته، وأخيراً، المواثيق والتعاقدات التي رأست في الأصل تأسيس هذا الجسم السياسي وتجميع أجزائه وتوحيدها تشبه الـ fiat أو faisons I homme "لنصنع الإنسان" التي لفظها الله عند الخلق".[12]

فكرة الإنسان الصنعي سنجدها عند كارل ماركس في المخطوطات الفلسفية والاقتصادية لعام 1844 على نحو يجعل من المجتمع المدني إنساناً مموضعاً ومن الدولة شكله السياسي وتحديده الذاتي. مادة هذا الإنسان الصنعي وصانعه هما الإنسان ذاته. الإنسان، الفرد الطبيعي، الواقعي، هو أساس الدولة. لكن الانتقال من الإنسان الطبيعي إلى الإنسان الصنعي لا يمكن أن يكون من غير توسط أو وساطة ما سيطلق عليه اسم "العقد الاجتماعي". لننقل عن شفالييه، مع بعض التصرف: "في بداية كل شيء هناك الحركة؛ الإنسان آلية. (لنلاحظ هذا المنحى الوضعي الصارم والجاف) من الحركة يولد الإحساس اشتهاء أو رغبة، نفوراً أو كرهاً، هذا بداية صغيرة لحركة أو جهد نحو شيء ما أو ابتعاد عن شيء ما. موضوع الاشتهاء أو الرغبة هو الخير، موضوع النفور أو الكره هو الشر. لا شيء جيد أو سيئ، خير أو شر بذاته، هذه النعوت ليس لها معنى إلا عند من يستعملها. اللذة هي إحساس الجيد، عكسها هو إحساس السيئ. الشر الأعلى هو الموت. الألم الذي تسببه مصيبة شخص آخر هو الشفقة؛ الرحمة مصدرها تصورنا أن مصيبة كهذه يمكن أن تصيبنا. الإرادة هي فعل أن أريد، إن لم تكن الاشتهاء الأخير في المناقشة: الاشتهاء الأخير أو النفور الأخير الذي وضع حداً للمناقشة وأفضى مباشرة إلى الفعل أو عدم الفعل. ما يدعى السعادة موجود حين تتحقق رغباتنا بنجاح ثابت. والقدرة هي شرط هذه السعادة، الشرط الذي بدونه لا وجود للسعادة. الثروات والعلم والشرف ليست سوى أشكال القدرة. ثمة في الإنسان شهوة مستمرة للقدرة لا تنقطع إلا عند الموت.

الإنسان يمتاز من الحيوانات الأخرى بعقله الذي ليس سوى حساب عواقب، (جمع وطرح عواقب)، بالفضول أو الرغبة في معرفة لماذا وكيف؟ بالدين الذي يأتي لا من هذه الرغبة في معرفة الأسباب فقط (إذاً سبب الأسباب، السبب الأول الأزلي .. الله)، بل أيضاً من القلق على المستقبل والخوف من المجهول، اللامرئي.

تلك هي، مكشوفةً بالاستبطان (اقرأ في نفسك) طبيعة الإنسان، كما يقول هوبز. ماكيافل الإمبريقي تماماً لم يعرِّها إلى هذا الحد، ديدرو، وقد قرأ اللوياثان، بل محاولة سابقة كتبها هوبز بعنوان "في الطبيعة البشرية" سيعجب بهذا الفن البصير والقاسي في إعادة كل حركات الكائن، مع رفض كل تحويل نوراني، إلى حسابات الأنانية والخشية.

عند كل إنسان، الآخر منافس، نهم مثله للقدرة بجميع أشكالها، والحال، إذا نظرنا إلى الأمور في جملتها، كل إنسان مساوٍ لغيره؛ إذا كنا مثلاً بصدد القوة البدنية فإن الأضعف له منها ما يكفي ليقتل الأقوى، إما بالحيلة وإما بالتحالف مع آخرين يهددهم الخطر نفسه الذي يهدده. تساوٍ في القابلية يعطي كل واحد أملاً مساوياً في الوصول إلى غاياته، ويدفع كل واحد إلى السعي لتدمير الآخر أو إخضاعه. تنافس وحذر متبادل وجشع للمجد أو الشهرة .. هذا كله يستتبع الحرب الدائمة من كل واحد على كل واحد، من الجميع على الجميع. الحرب ليست واقعة القتال الفعلية الراهنة فقط، بل إرادة القتال المؤكدة والواضحة: ما دامت هذه الإرادة موجودة ثمة حرب، لا سلم، والإنسان ذئب للإنسان.

إن حرباً كهذه لتمنع كل صناعة وكل زراعة وكل ملاحة وكل علم أو أدب، كل مجتمع أو كل عمران، والأسوأ من هذا كله الخوف الدائم والخطر الدائم من موت عنيف. الحياة منعزلة فقيرة فظة بلهاء وقصيرة. في مثل هذه الحرب لا شيء مجحف ولا شيء عادل، ولا يمكن أن يكون. "حيث لا توجد قدرة مشتركة، قوة مشتركة، لا يوجد قانون؛ وحيث لا يوجد قانون لا يوجد إجحاف أو ظلم. القوة والخدعة هما الفضيلتان الرئيستان في الحرب".

في هذه الحرب لا توجد ملكية خاصة، "بل فقط، ملك لكل واحد ما يستطيع أخذه، ما دام بمقدوره أن يحتفظ به". تلكم هي الحال البائسة التي عليها الطبيعة البسيطة، الطبيعة الطبيعية فحسب.

تحت طائلة دمار النوع البشري، على الإنسان أن يخرج من هذه الحالة؛ وفي هذا يقوم واقعياً خلاصه ونجاته. إمكانية الخروج بيد الإنسان، وهي قائمة جزئياً في أهوائه وجزئياً في عقله. بعض أهوائه تجعله يميل إلى السلام، أولها الخوف من الموت. العقل الذي ليس إلا حساباً يوحي له ببنود سلام مناسبة يستطيع الاتفاق عليها مع البشر الآخرين. هذه البنود أو الأحكام العقلية يدعوها هوبز "قوانين الطبيعة" ويعرفها بأنها نتائج خاتمة، أو نظريات رياضية تتصل بما يقود إلى حفظ أنفسنا وحمايتها. منها قوله: لا تفعل للغير ما لا تريد أن يفعله الغير لك. واتفقوا من ثم على التخلي عن هذا الحق المطلق على كل الأشياء الذي يملكه كل واحد منكم بالتساوي مع كل واحد، في حالة الطبيعة، ولتكن عندكم إرادة المحافظة على هذا الاتفاق. الخروج من الحالة الطبيعية يفرض المجتمع المدني القائم على التعاقد والتوافق وعلى الأحكام العقلية التي هي هي "قوانين الطبيعة".

وعلى الرغم من الخوف، ومن أحكام العقل، فمن الصعب أن يحافظ الناس، بحكم طبيعتهم، على هذا الاتفاق أو العقد ما لم تقم قدرة لا تقاوم، مرئية وملموسة ومسلحة بالعقاب، بإرغام البشر الخائفين؛ فالمواثيق بدون السيف sord ما هي إلا كلمات words، وهذه القدرة هي الدولة أو الشيء العام، أو "الإنسان الصنعي" الذي ينتجه البشر بميثاق إرادي يعقدونه فيما بينهم من أجل حمايتهم، ومن أجل الخروج، بلا خشية من الانتكاس، من الحالة الطبيعية المفزعة إلى الحالة المدنية التي تضمن لهم الأمن والاستقرار والسلام. الدولة، الإنسان الصنعي هي ضمانة المجتمع المدني، وهي ضمانة من داخله لا من خارجه، لأنها نتيجة ميثاق إرادي.

وعلى أساس هذا العقد يقيم هوبز سيادة مطلقة غير قابلة للقسمة تضع حداً نهائياً لثنائية السلطة الروحية والسلطة الزمنية.

وبخلاف أرسطو الذي كان يرى أن الإنسان كائن اجتماعي بطبيعته، وحيوان سياسي، وأن المجتمع والمجتمع السياسي واقعتان طبيعيتان؛ رأى هوبز أن الطبيعة لم تضع في الإنسان غريزة الاجتماع؛ فالإنسان في نظره لا يبحث عن رفاق إلا بحكم المصلحة، أي بدافع الحاجة، المجتمع من ثم ثمرة مصطنعة لميثاق إرادي وحساب نفعي. وبموجب هذا الميثاق أو العقد الاجتماعي بين كل واحد وكل واحد يُنقل إلى ثالث الحقُ الطبيعيُّ المطلق الذي يملكه كل واحد على كل شيء. وهذه هي الحيلة artifice التي ستشكل البشر الطبيعيين في مجتمع مدني أو مجتمع سياسي (وهما هنا بمعنى واحد). إرادة هذا الثالث الذي يمكن أن يكون رجلاً أو جمعية، ستحل محل إرادة الجميع وستمثلهم جميعاً.[13] هذا اللوياثان هو الإله الفاني الذي نحن مدينون له، بعون الإله الخالد بسلامتنا وحمايتنا، إذ يحوز، مسلحاً بحق تمثيل جميع أعضاء الكومونولث، ( الـ civilas ، الدولة) ، من القدرة والقوة ما يمكنه، بفضل الرعب الذي يوحي به، من قيادة إرادات الجميع نحو السلام في الداخل والعون المتبادل ضد أعداء الخارج. (انتهى)

هوبز يؤكد فكرة السيادة المطلقة التي قال بها بودان، ويؤسسها على العقد الاجتماعي أو الميثاق السياسي الذي يتخلى بموجبه المواطنون عن جميع الحقوق والحريات التي من شأنها الإساءة إلى النظام العام، أو تهديد الأمن والسلام. ومع تفضيله المونارشية والسيادة المطلقة، يعيد هوبز، على وضعيته الصارمة، بناء العلاقة بين السياسة والمثل الأعلى الأخلاقي؛ إذ يفترض تطابق مصلحة العاهل الشخصية مع المصلحة العامة؛ "مصلحة الملك السيد والمصلحة العامة واحد، بحسب هوبز، ثروات وقدرة وشرف عاهل لا يمكن أن تأتي إلا من ثروات وقوة وسمعة رعاياه. ما من ملك يستطيع أن يكون غنياً مجيداً في أمان إذا كان رعاياه فقراء أو محتقرين أو ضعفاء".

بنى هوبز دفاعه عن المونارشية والسيادة المطلقة على منطق صارم، استمده من حقيقة المونارشية ذاتها، أعني المجتمع في عصره وزمانه، المجتمع الذي كان في طور الانتقال من التشظي إلى الوحدة، من الملة إلى الأمة، ومن الفوضى إلى الانتظام، مع تفتح مفهوم الوطن والمواطنة. ما دام كل فرد قد تخلى عن حقه المطلق على كل شيء، فليس لهذا التخلي أن يكون إلا مطلقاً. ويمكن القول إنه بنى دفاعه عن الملكية المطلقة على ديمقراطية ما زالت في طور الإمكان. ذلك أن نقطة انطلاقه كانت الفرد الطبيعي الواقعي الأناني المسوق بسائق الحاجات والرغبات وبسائق الخوف، ومن ثم، المجتمع المدني، بوصفه منظومة الحاجات، كما سيعرفه هيغل، وبوصفه ميدان التاريخ، كما سيعرفه ماركس. ومن فكرة المصلحة العامة التي تقاس بها شرعية الملك أو عدم شرعيته.

وضع هوبز أساساً واقعياً ومنطقياً لدولة حق وقانون قابلة أن تصير دولة ديمقراطية. صاحب السيادة المطلقة هو السلطة التشريعية الوحيدة، شخصاً كانت أم جمعية عمومية، برلمان. وليس ثمة قانون إلا من أمره الصريح. ولنتذكر قوله: حيث لا توجد قوة مشتركة لا يوجد قانون. السلطة التشريعية تضع القوانين وتبطلها، وهي غير ملزمة بشيء سوى بوظيفتها بوصفها تجريد العمومية، وبالقوانين التي وضعتها بنفسها ما لم تبطلها. فإن من لم ليس ملزِماً إلا لنفسه ليس مقيداً. والسلطة المطلقة هنا ليست عسفية إلا بقدر ما تكف عن كونها تجريد العمومية وتعبيراً عن العقد الاجتماعي. إن ما تستطيع أن تفعله هو وضع القوانين وإبطالها، ولكن ما يجب عليها أن تفعله هو احترام القوانين التي تضعها وإحقاق حقوق رعاياها وتوفير الشروط التي تضمن "الحرية البريئة" التي لا تؤذي السلام. الفرد حر أن يفعل جميع الأفعال التي لا يمنعها القانون. والقانون ينهى ولا يأمر، أي إنه يحدد مجال الحقوق، لا مجال الواجبات. ومن ثم فليس هناك قوانين جيدة وخيرة سوى القوانين الضرورية لخير الشعب. ومن واجبات العاهل، عند هوبز، أن يضمن لرعاياه المساواة أمام القانون، وفي الوظائف العامة، وأن يضمن لهم التعليم والتربية والازدهار المادي، وأن يضع العاجزين عن العمل في عيالة الدولة بدلاً من تركهم للإحسان الخاص. وعليه أن يصون حرمة الملكيات الخاصة الكافية ويحول دون الاحتكار.

الانتقال من الحالة الطبيعية إلى الاجتماع المدني، ومعادله الواقعي الانتقال من الحالة الإقطاعية إلى المجتمع الحديث، هو انتقال من وضعية "الإنسان ذئب الإنسان" إلى وضعية "الإنسان إله الإنسان".

وصف ميشيله Michelet الحياة السياسية في فرنسا في عهد لويس الرابع عشر بقوله: "حصل آنذاك أتم ظفر للملكية، أكمل اتفاق لشعب في رجل، وجد في يوم من الأيام؛ ريشيليو كان قد حطم الكبار والبروتستانت، حركة المقلاع كانت قد أهلكت البرلمان بجعله معروفاً. لم يبق واقفاً على أرض فرنسا سوى شعب وملك. الأول عاش في الثاني"[14]. الأسقف بوسويه، مؤدب ولي عهد لويس الرابع عشر، ينظِّر هذا الوضع، في كتاب السياسة الذي وضعه لتعليم ولي عهد فرنسا، بين عامي1689 و 1709، ويؤسس دفاعه عن الموناشية على تأويل عقلاني للكتاب المقدس، منطلقاً من مقولة أرسطو، "الإنسان اجتماعي بطبعه" لينتهي إلى هوبز من طريق الخطيئة الأصلية والبشر الذين حرفتهم الأهواء والمصالح الأنانية، وانفصلوا عن ملكوت الله وباتوا غير قابلين للاجتماع ما لم يخضعوا جميعاً لحكومة واحدة يتخلى لها كل فرد عن "حق الطبيعة البدائي" في امتلاك ما يناسبه بالقوة. فحيث "كلٌ يستطيع أن يفعل ما يريد، لا أحد يفعل ما يريد؛ وحيث لا سيد كل واحد سيد؛ وحيث كل واحد سيد كل واحد عبد" هكذا هي الفوضى. حالة الطبيعة هي حالة الفوضى؛ الحرية المطلقة عبودية مطلقة، حين يكون لكل واحد الحق المطلق في أن يملك كل شيء، لا أحد يملك شيئاً. الملكية المطلقة نزع ملكية مطلق. المساواة في الحق المطلق عدم مساواة مطلقة، والحق المطلق عدم حق، حالة الفوضى والحرب هذه هي حالة اللاعقل. للانتقال من حالة الطبيعة الساقطة منذ خطيئة آدم، إلى حالة المجتمع المدني تقتضي مصلحة البشر العقلاء أن يقيموا لأنفسهم سيداً له سلطة مطلقة عليهم جميعاً، وغير قابلة للانقسام، ليعيشوا في سلام. عند بوسويه تتحد السلطة الدينية والسلطة الزمنية في هوية واحدة في شخص الملك، ولكن هذه السلطة ليست دينية، فالله لم يمل شيئاً على النوع البشري، وعلى كل شعب أن يتبع حكومة بلده بوصفها "نظاماً إلهياً". النظام العقلاني والنظام الإلهي شيء واحد، والقوانين الطبيعية هي عقل إلهي. الأسقف بوسويه أكثر استنارة من المثقفين العرب المعاصرين، المستنيرين والديمقراطيين الذين لا يرون في المجتمع المدني سوى "قابلة مشبوهة" تتستر على إجهاض "النضال السياسي" نيابة عن الشعب.

المونارشية عند بوسويه مقدسة، "الأمراء يفعلون بوصفهم وزراء الله ونوابه على الأرض؛ والاعتداء عليهم انتهاك للمقدسات؛ أشخاصهم مقدسة لأن أعباءهم مقدسة، .. وفي إطاعتهم إلزام وجدان. السلطة القائمة تأتي دوماً من الله، ولكن بقناة الشعب، لا بقناة الكنيسة. تماهي السلطة الروحية والسلطة الزمنية في شخص الملك هو التسويغ النهائي لظهور الكنائس القومية واستقلالها وخضوعها للسلطة الزمنية. السياسة، بحكم موضوعها وغرضها البيداغوجي أو التربوي، ليست ولا يمكن أن تكون عرضاً لحذلقات لاهوتية. والكتاب المقدس يعلم أن الإنسان لا يستطيع أن يخدم سيدين. والملوك يخضعون كالآخرين لعدالة القوانين، لمحتواها من عدل وحق طبيعي. ولكنهم يخضعون للقوانين لا من حيث قوتها القسرية، بل من حيث قوتها التوجيهية. ومن ثم فالمونارشية لا تعادل العسف والاستبداد. الأب هو المقابل الأخلاقي للملك. والأب هو المقابل الدنيوي للإله. ولعل أهم خصائص المونارشية عند بوسويه هي كونها خاضعة للعقل، "الحكومة عمل من عقل وذكاء".

ربما كان بوسويه آخر المدافعين عن المونارشية بهذه الحرارة، فقد بلغت المونارشية ذروتها واكتمالها، مع لويس الرابع عشر، ولم يبق أمامها سوى الانحدار. في فرنسا "معظم الفرنسيين كانوا يفكرون مثل بوسويه، فجأة صاروا يفكرون مثل فولتير، إنها ثورة"، كما قال بول هازار. اللافت هنا هو إجماع مختلف التيارات الفكرية على ضرورة المجتمع المدني والدولة المركزية. مفهوم الأمة الحديثة والدولة القومية باتا في الأفق القريب؛ الرأسمالية المركنتيلية (التجارية) هي الرافعة الاجتماعية والاقتصادية، والطبقة الثالثة تنمو وتتقدم وتنتج ثقافتها الكونية. وثقافتها الكونية هي امتيازها؛ فليس من نهضة ممكنة بلا ثقافة كونية؛ أوهام الخصوصية القومية والخصوصية الدينية لا تقود إلى نهضة، بل إلى إعادة إنتاج التأخر وإلى تسويغ الاستبداد الذي يلازمه كظله.

أسس كانط (1724-1804) وحدة الأخلاق والسياسة على وحدة المعرفة والعمل، بوجه عام، ووحدة العلم والعمل بوجه خاص؛ فالعلم مجال المعرفة والعمل مجال الأخلاق. نحن عرب اليوم في أمس الحاجة إلى مثل هذا التأسيس، لأن السلطات القائمة في بلادنا سلطات بلا عقل ولا قلب ولا ضمير، والسياسة انفصلت عن الأخلاق منذ ستينات القرن العشرين. وقد تأثر كانط بمونتسكيو وروسو خاصة؛ فعن الأول أخذ فكرة فصل السلطات، وعن الثاني فكرة العقد الاجتماعي. وقد غدت فكرة العقد الاجتماعي لدى كانط قاعدة الشرعية للسلطة العامة. جميع السلطات العامة تستمد شرعيتها من العقد الاجتماعي الذي سيغدو تجسيد العقل في العالم وفي التاريخ.

 



 [1] - في عام (1683) أدانت جامعة أكسفورد توماس هوبز ThomasHobbes جراء كتابيه: "الدولة" (1642) و "اللـوياثان" أو التنيـن 1651. فقد أدين هوبز لأنه استنتج أو استخلص كل سلطة مدنية من أصل مجتمعي دنيوي، واعتبر بذل الطاقة والحفاظ على النوع من قوانين الطبيعة الأساسية، معارضاً بذلك سلطة الكنيسة وفكرة الحق الإلهي.

[2] -جان توشار وآخرون، تاريخ الفكر السياسي، ترجمة علي مقلد، الدار العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط 2 ، 1983 ، ص250

[3] - المصدر السابق (توشار)، ص 253

[4] - راجع إميل برهييه. تاريخ الفلسفةـ القرن السابع عشر. ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، 1983 ، ص 9

[5] - توشار، مصدر سابق، ص 255

[6] - إرنست بلوخ، فلسفة عصر النهضة، ترجمة الياس مرقص، دار الحقيقة بيروت، الطبعة الأولى،  1980، ص 42

[7] - ألان تورين، نقد الحداثة، ج1،   ص 34

[8] - المصدر السابق ص 39

[9] - نقلنا هذا النص لأهميته من مقدمة الياس مرقص لكتاب أرنست بلوخ "فلسفة عصر النهضة"، دار الحقيقة، بيروت، ترجمة الياس مرقص،، الطبعة الأولى، 1980

[10] - المصدر نفسه، ص 40

[11]  - راجع، جان جاك شفالييه، المؤلفات السياسية الكبرى، من ماكيافل إلى أيامنا، ترجمة الياس مرقص، دار الحقيقة، بيروت، 1980

[12] - المرجع السابق ص 58-59

[13] - راجع المصدر السابق، الصفحات من 60- 63

[14] - المصدر السابق، ص 74