الجهاد الأكبر .. جهاد المعرفة

في فكر قسطنطين زريق

 

الكتابة عن قسطنطين زريق، المفكر القومي المعروف، أو عن أيٍّ من رصفائه ممن صاغوا أوليات وعينا القومي، بتوسط أساتذتنا ومعلمينا الذين ندين لهم بالعرفان والجميل، يتعدى حدود التكريم والتنويه إلى غاية كانت شاغلهم جميعاً، هي تلمس السبل الناجعة والوسائل المناسبة لنهضة أمتنا ووحدتها وتقدمها. من هذه السبل، عودة واجبة إلى آثارهم النظرية والعملية، لتعرف الأسس والمبادئ العقلية والروحية والأخلاقية التي بنيت عليها تلك الآثار، وتبين ما يمكن بسطه وإنماؤه منها، لتجديد الفكر، وترشيد العمل، في ضوء الخبرة العملية وتطور الفكر الإنساني ومعطيات الواقع. وذلك في سياق العودة إلى جذور المشكلات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي أحبطت محاولتي النهضة، ولا سيما المحاولة الثانية التي قادها عبد الناصر، لتعرف الصورة التي أنشأها الفكر القومي عن واقع الأمة في النصف الأول من القرن الماضي، ومدى تأثيرها في الحركة القومية التي عبرت عنها أحزاب سياسية وتيارات فكرية وأيديولوجية مختلفة ومتخالفة كشفت ممارستها العملية عن نزعات حصرية واستبدادية.

فكل تقدم ينطوي على عودة إلى بداية ما، وتلكم هي الصلة العميقة التي تربط الماضي بالحاضر، وتقيم التاريخ عامة، وتاريخ الفكر خاصة على مبدأ النفي ونفي النفي. ولكي تحقق مثل هذه العودة غايتها وتبلغ المأمول منها، لا بد أن تكون نقدية، والنقد هنا هو النفي بمعنييه السلبي والإيجابي، أي حذف ما أثبتت التجربة الحية بطلانه أو خطأه أو خطله، وإحياء وإنماء ما ظل قابلاً للحياة والنمو. فليس كل ما سال على أقلام أولئك الأفاضل حكمة خالصة أو عقلاً محضاً، ولا كل ما اجترحوه أو اقترحوه كان صواباً، وليس العكس صحيحاً أيضاً. على أنه من الضروري أن نشير إلى أن نقد الرواد والسابقين هو نوع من تصفية حساب مع وعينا نحن، بوجه عام، ومع أيديولوجيتنا القومية بوجه خاص. وهي تصفية حساب باتت ضرورية وملحة، بعد الهزائم المذلة التي منينا لها، والهُوى السحيقة التي تردينا فيها، ولم نبلغ قاعها بعد، مادام الاستبداد جاثماً على صدورنا والاحتلال قائماً فوق أرضنا وتحت جلودنا، وما دامت مصائرنا تتقرر خارج حدودنا التي لم يكن لنا شرف تعيينها، ولا شرف حمايتها بعد أن عينها الآخرون، وما دام تأخرنا يتقدم وتبعيتنا تنمو باطراد.

 

لم يدّع الدكتور قسطنطين زريق، وهو أستاذ جامعي ومفكر قومي، و"مؤرخ مرموق للقرون الوسطى ومرجع جيل كامل من القوميين"، كما وصفه ألبرت حوراني[1] ، لم يدع أنه وضع "نظرية قومية"، أو بلغ الغاية في البحث عن سبل النهضة العربية، أو أنه أصاب كبد الحقيقة في ما ذهب إليه من آراء وتصورات. بل إن كتابه الأول والأهم الذي نشره عام 1939بعنوان "الوعي القومي" يحمل دعوة مفتوحة لمفكري الأمة أن يبذلوا قصارى جهودهم لوضع "فلسفة قومية شاملة واضحة ومنظمة.. تُعصر في فكرة مقطرة نقية صافية يتشربها أبناء الأمة وتمتزج بعاطفتهم المتوثبة وشعورهم الفياض، فيحصل من هذا المزيح المبارك عقيدة قومية"[2] جامعة. فلا بد للنهضة العربية، في نظره، من أساس فكري. ولعله يفاجئك بقوله: ما من نهضة قومية تحريرية قامت إلا وسبقتها أو لازمتها نهضة فكرية مهدت لها الطريق[3] .وما من شك في أن "الغرب" غرب الحضارة والعلم والفلسفة والديمقراطية كان حاضراً في ذهنه أنموذجاً ومعياراً. ولكنه لم يحتذ تجربة بعينها، خلافاً لما ذهب إليه الباحث محمد جمال باروت من أن مفهومة لـ "لمنظمة المحكمة" التي دعا الشباب العربي إلى تشكيلها إثر هزيمة عام 1948 "يجد مرجعيته في النظرية التاريخية الألمانية"[4] على وجه التحديد. فقد أشار في كتاب الوعي القومي إلى تجارب قومية عدة: في إيطاليا وألمانيا وفرنسا وروسيا، وضمنه نقداً لنقاء العرق وتفاضل الدم. فالغرب في نظره هو "الحضارة الحديثة"[5] . و "وراء مظاهره التي أخذنا بها نظام اقتصادي متشابك خلقته الثورة الصناعية الحديثة يرمي إلى استغلال موارد الطبيعة ومواهب الإنسان وقابلية الآلة الحديثة، في سبيل زيادة الإنتاج وتنظيمه. ولعل أبرز ما يمتاز به هذا النظام الاقتصادي هو التنظيم الدقيق الذي يؤلف بين جميع أجزاءه ويسري في جميع نواحيه[6]. ووراء اقتصاد الغرب علم الغرب. "والعلم هو تلك الطريقة في التفكير وذلك الأسلوب في التحليل الذي يثبت في العقل ويشيع في النفس عندما يعاني المرء التدريب العلمي الصحيح..[7] . ووراء علم الغرب "فلسفة الغرب، وفي الفلسفة تجتمع شتى التيارات الفكرية والعاطفية وتتجه كلها نحو هدف واحد في نسق واحد[8] . وإننا لن نستطيع أن نفهم الغرب على حقيقته ما لم نفهم أفلاطون وأرسطو وديكارت وكانط وهيغل ونيتشه وسواهم من قادة الفكر.[9]

بهذه الرؤية إلى الغرب وما أحرزه من تقدم، في مجال بناء المجتمع الحديث ونشوء الأمم الحديثة والدولة القومية الحديثة، في كنف الثورة الصناعية ونمو العمل البشري، نظر قسطنطين زريق إلى قضية العرب القومية، قضية الاستقلال والوحدة والتقدم، لا بصفتها قضية سياسية محضة تحل بـ "الكفاح الخارجي"، بل بصفتها مشروع نهضة قومية، في جميع مجالات الحياة، تحتاج إلى ذلك النوع من "الكفاح الداخلي" لتلافي التخلف الشامل" ولا سيما على صعيد الفكر والوعي. فالغرب لم يحقق هذا التقدم المذهل إلا بعد أن تغيرت نظرة شعوبه إلى العالم، إلى الطبيعة والمجتمع والإنسان. أي إن الغرب حقق أولاً تلك الثورة الكوبرنيكية على صعيد الوعي، وأنجز قطيعة معرفية / منهجية وأخلاقية مع فكر القرون الوسطى الأوربية، ومع عالم الإقطاع والاستبداد، فتغيرت تدريجياً بالطبع نظرة الأوربي إلى العالم، إلى الطبيعة والمجتمع والدولة والإنسان، وإلى المرأة بوجه خاص. مما "جعل الغربيين ينظرون إلى العالم نظرات متشابهة ويقدرون قيم الحياة بمقادير متقاربة بختلفون بها عما سواهم من الشعوب التي لا تعيش في جوهم ولا تصدر عن فلسفتهم"[10] . والبلاد العربية تجتاحها أزمة عنيفة تضيق عليها الخناق وتخمد حياتها أو تكاد، وهي أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية. ولكن " وراء هذه الأزمات كلها أزمة أخرى.. أعظم منها كلها خطراً وأعمق جذوراً: هي الأزمة الروحية. أزمة النفس لا أزمة الجسد والمادة، هي معضلة القلوب لا معضلة الجيوب، هي تراخي الهمة وخور العزم.. وفقدان الثقة وضعف الإيمان وإيثار المصلحة الخاصة على النفع العام، وزوال معنى الإخلاص والتضحية وإنكار الذات[11]. وفي ظني أن قسطنطين زريق كان يترسم خطا النهضويين الأوائل، ولا سيما شبلي شميل وفرح أنطون والكواكبي في نقد التخلف وهيمنة النص على العقل وتحكم الأموات بالأحياء، ويشاركهم في التطلع إلى ثورة عقلية تقيم السياسة على أساس من الفكر والأخلاق، وتحفز النفوس إلى "الارتباط بمثل أعلى، والسعي إلى هدف أعظم[12]، لكي تخرج من أسر الأنانية التي لم تجر عليها سوى الاستكانة والذل والهوان. ولكنه لم يذهب مذهب أي منهم في النظر العقلي، لاشتقاق مبادئ يمكن أن يقوم عليها الاجتماع العربي والسياسة القومية.

بيد أن ما يلفت النظر توقفه ملياً أمام الأزمة الروحية، العقلية الخلقية، التي تكمن في أساس الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وإن لم يذهب إلى أسبابها العميقة، بل اكتفى بوصف مظاهرها وآثارها في الفكر والعمل، وأكد ما وسعه التأكيد أن علاجها يحتاج إلى جهاد داخلي يفضي إلى نظام متسق في الفكر يرشد الممارسة ويقومها.

"إن أمام النفس العربية نضالاً داخلياً يفوق نضالها الخارجي عظمة وخطورة، ذلك أن غايته أبعد من غاية النضال الخارجي وأسع. فهو يرمي إلى تحرير النفس العربية تحريراً تاماً والنهوض بها إلى مستواها الأرفع وكيانها الأمثل. وما الجهاد السياسي إلا وسيلة لتلك الغاية البعيدة، فإذا ما عمل على فك القيود الخارجية التي تكبل الأمة فما ذلك إلا ليفسح أمامها المجال للتحرر والنمو والتقدم المستمر في الرقي الحقيقي. ويخطئ من يظن أن هذا النضال الخارجي غاية في نفسه، أو أنه يضمن وحده سعادة الأمة وحريتها الكاملة. فلكم من أمة قد تحررت من قيودها الخارجية ولا تزال ترسف في قيود نفسية أشد منها وأوثق، ولا يزال أمامها ميدان واسع للجهاد الداخلي، قبل أن تحرر نفسها تحريراً تاماً وتحقق غايتها الكبرى.

ولنلاحظ فوق ذلك أن هذا الجهاد النفسي الداخلي، مع كونه أبعد غاية وأوسع مدى من النضال الخارجي، هو، في الوقت نفسه، عامل جوهري فيه، وشرط أساسي لضمان نجاحه. ذلك أن كفاح الأمة في الميدان السياسي لا يكتمل إلا بقدر ما تكون قد جنت من ثمار الجهاد النفسي وما كسبت من الصفات التي يخلقها هذا الجهاد في روح الأمة وشخصيتها. وبكلمة أخرى، إننا لا ننال ما نصبو إليه من حرية واستقلال، ولا نتمتع بهما، إن نلناهما، إلا بمقدار ما تكون قد نمت في نفوسنا قوى العزم والتضحية والإيمان وسواه من الصفات الروحية، وكلها لا تحصل للنفس إلا بجهد دائم ونضال مستمر[13].

أجل إن حرية الإنسان هي المبدأ والغاية، هي المبتدأ والخبر. وإن التحرر السياسي يفقد معناه إن لم يفض إلى الحرية. وثمة فرق جوهري بين الحرية والتحرر السياسي أو الاجتماعي، إذ يمكن لشعب من الشعوب أن يتحرر سياسياً من دون أن يبلغ الحرية وينعم بها. ويمكن أن تتحرر الفئات المستغَلة (بفتح العين) من ربقة الاستغلال الاجتماعي ، من دون أن تذوق طعم الحرية. فقد اختزل الفكر السياسي العربي الحرية إما إلى الاستقلال السياسي وإما إلى رفع الظلم الطبقي عن كاهل الفقراء والمحرومين. وإن تمييز زريق الحرية من التحرر لمما يستحق التنويه، مع أنه لم يجعل من الحرية مبدأ للفكر والعمل، بل اختار النظام مبدأ وأساساً. والنظام هو المحصلة النهائية التي بلغها الغرب على خط الحرية. ويبدو لنا أن جدل الحرية والنظام كان غائباً عن الفكر السياسي العربي ولا يزال، ولذلك اختار النظام اختياراً نهائياً على ما فيه من تضحية بالحرية، فخسر الحرية والنظام معاً. وليس غريباً وهذه الحال أن نرى فكرة النظام وقد غدت سيدة في الأحزاب القومية، ولا سيما حركة القوميين العرب التي كان قسطنطين زريق بمنزلة مرشدها الروحي.

إن عشوائية الصغائر تفضي بالضرورة إلى انتظامية الكبائر، بحسب هايزنبرغ، وهذه العشوائية هي المعادل الموضوعي للحرية. وذلكم هو منطلق المجموعات الحرة التشكلية في الرياضة، وهو التجريد الأكثر واقعية ومطابقة لمنطق الاجتماع البشري. والسر الذي جعل الفكر العربي عامة والفكر السياسي خاصة أشد ميلاً إلى "النظام" وأكثر كرهاً ومقتاً للعشوائية" أي للحرية، هو تعلقه بالكبائر، وإشاحته عن الصغائر وعدم اعترافه بأفرادية الواقع أولاً، وجهله من ثم معنى القانون بصفته العامة والمجردة، ثانياً.

والقانون هو شرط الحرية، لأنه في الأصل والأساس قانونية تحول عشوائية الصغائر إلى انتظامية الكبائر. فالقانون في الفكر والممارسة لم يعن عندنا، وهو لا يعني اليوم، سوى الإرادة التعسفية للفئة المالكة والحاكمة، أو للطغمة المالكة والحاكمة. إن فكرة الحرية هي التي تستدعي فكرة القانون بمعناه الواقعي، العقلي والأخلاقي في آن. وإن غياب فكرة الحرية وشرطها المنطقي والواقعي، العقلي والأخلاقي، أي القانون، ناجم عن الرؤية الإنسية التي تضع الإنسان في مركز العالم، والإنسان لا يتجلى واقعياً إلا في الفرد بوصفه ذاتاً حرة مستقلة منتجة ومبدعة. وهو ما جعل الفكر العربي ينظر إلى الأفراد على أنهم مجرد موضوع للنظام، أو لإرادة قومية عليا ومتعالية يمثلها الحزب الثوري أوالقائد الكارزمي.

والأهم من ذلك التمييز أن قسطنطين زريق ربط الحرية بالمعرفة ربطا ًوثيقاً، وجعل المعرفة موضوع جهاد مستمر للذات الإنسانية، مما يحملنا على دفع المسألة قدماً، لاستنتاج أن الحرية هي وعي الضرورة وموضوعية الإرادة وإمكانية الاختيار، ومن ثم فإن المعرفة هي قوام الحرية، والحرية هي أساس المعرفة الواعية ذاتها والمتجاوزة حدودها باستمرار. وقرن من ثم الحرية بالمسؤولية، وبالواجب الأخلاقي الذي هو أخص خصائص الروح الإنساني. على أن ذلك التمييز وهذا الربط لم يكونا أكثر من حدس عبقري، أو إيماضة عقلية امتصتها فكرة النظام المسيطرة والسيدة.

أهم صفات النفس المجاهدة عنده هي "النظام" في الفكر والعمل . فالعمل المثمر هو نتاج التفكير المنظم. و"مقياس رقي أمة من الأمم هو تقدم التفكير المنظم فيها وشيوعه بين أبنائها. هذا التفكير المتماسك الذي يتمشى بانتظام من المقدمات إلى النتائج، والذي يبغي الحق والحق وحده. هذا الاتساق العقلي الذي يسير على هدى وبصيرة بين مجاهل الفكر فيقتحمها دون خوف ولا وجل هو العامل الأقوى في شق الطريق أمام البشرية، وفي تسليطها على قوى الطبيعة وعناصر الكون"[14]. ولا يفوته أن يتحرَّز في حديثه عن النظام، وهو حديث يتكرر في جميع فصول كتابه "الوعي القومي" حتى لتخاله ركناً أساسياً من أركان الوعي القومي الذي يبشر به ويدعو إليه. وهو كذلك بالفعل. وللتحرز وجاهة وأهمية بالغتان، لأن ثمة من يعتقد أن النظام "يجر إلى قتل حرية الفرد وإضاعة مواهبه الشخصية", وهو لا ينفي إمكانية حصول ذلك، ولكنه يسوغ دعوته إلى النظام وإلحاحه على أهميته في حياة الأمة برؤيته "أن عيبنا ليس في الزيادة والإفراط (في النظام)، بل في التفريط والنقصان. وإخاله يتطلع إلى حد أمثل من النظام تتسق معه سائر مجالات الحياة الاجتماعية من دون أن ينتقص من حرية الفرد، بل لعله كان يتطلع إلى نظام اجتماعي تتسق فيه حرية الفرد وحرية المجتمع، في ظل دولة قومية حديثة. وفي اعتقادنا أنه لا خوف على حرية الفرد إذا كان التفكير المنظم يبغي الحق والحق وحدة، فإن بناء النظام الاجتماعي على مبدأ الحق هو الضمانة الموضوعية لحرية الفرد المشروطة بالنظام العام والمحددة به.

ويمكن القول: إن ميله إلى النظام في الفكر والعمل لم ينسه حرية الفرد، ولم يفوت عليه الاعتراف بواقع اختلاف الآراء وتعدد الاتجاهات ووجهات النظر. ولكن هذين الاختلاف والتعدد لا بد أن يؤولا إلى نوع من وحدة "روحية". فليس من شك عنده في أن العقول تختلف فيما بينها، وأن ألوان فلسفتها يختلف بعضها عن بعض، وليس من شك في أن المجاري التي تدفقت فيها (في الغرب) تباعدت وتنافرت أحياناً كثيرة، (وهذا مطرد في جميع الأمم والشعوب والجماعات في كل مكان وزمان) ولكن وراءها كلها اتفاقاً جوهرياً ووحدة روحية ومنبعاً أصيلاً يمدها جميعاً[15]. هذا النوع من الوحدة الفكرية التي قوامها التنوع والاختلاف والتوافق على موجبات التحرر والتقدم، هو ما كان يتطلع إليه، وهو ما نتطلع إليه اليوم، من دون أن نكلف أنفسنا عناء البحث عن سبله الصحيحة. ولعل جهاد المعرفة أن يكون مدخلنا إلى ذلك . وجهاد المعرفة هو الذي يضع مبدأ الشك الديكارتي، أو ما سماه زريق الشك الإيجابي، في كتابه "ما العمل". لعل الإشكالية المركزية، في فكر قسطنطين زريق، وفي الفكر القومي العربي بوجه عام، هي حلول الفروع محل الأصول، والنتائج محل الأسباب، والمؤسسات محل الأسس، وغياب المبادئ العقلية والأسس المنهجية الناظمة للفكر والعمل. من ذلك حلول النظام محل الحرية، وتحول الحرية إلى صفة تابعة. لذلك لم يصل الفكر العربي إلى تصور نظام اجتماعي سياسي هو نظام الحرية، أو إلى تصور دولة تلبي مطالب العقل، أو مطالب الروح الإنساني. فما تزال الدولة في تصوره، مجرد ولاية على البشر، وما تزال صورتها السلطانية قابعة في أعماق اللاشعور السياسي الذي يقوم على ثالوث: العشيرة (العصبية) والعقيدة (الأيديولوجية) والغنيمة (النهب). أي إنه لم ينجز تلك القطيعة المعرفية / المنهجية والأخلاقية مع العالم السلطاني، ولا سيما العالم المملوكي / العثماني ذي السحنة الإقطاعية، على الرغم من توقه الشعوري إلى محاكاة النموذج الغربي. وهو توق تصده الإيديولوجية التقليدية التي تلف المجتمع برمته، أو تلونه بألوانها الكابية في أحسن الأحوال.

والصفة الثانية من صفات النفس المجاهدة هي الحرية، وهي كسابقتها ثمرة من ثمار التفاعل النفسي والجهاد الداخلي. والحرية في هذا السياق لا تعني "الحرية الخارجية" بل تلك التي تنمو من الداخل. "لا الحرية التي تفسح للمرء مجال الفكر والعمل بتحطيم أغلاله السياسية والاجتماعية فحسب، بل تلك التي توحي إليه ماهية فكره وعمله بتفكيك قيوده العقلية والروحية، لا الحرية التي تشق للناس سبل الوصول إلى ما يشتهون، بل تلك التي تعلمهم ما يشتهون[16] .

وأما الصفة الثالثة فهي المسؤولية أو "الشعور بالمسؤولية". ومبعث هذه الصفة شعور الفرد شعوراً عميقاً وقوياً ومتواصلاً بالروابط التي تربطه بسواه من الناس، وبالواجب الملقى عليه تجاههم. وهو شعور يرافق النفس المجاهدة في الفكر والقول والعمل. الصفات الأساسية للنفس المجاهدة ثلاث: النظام والحرية والمسؤولية. وثمة صفات أخرى كثيرة ولكنها تابعة لهذه الصفات أو متفرعة عنها.

ولكن ما موضوع هذا الجهاد الأكبر المأثور عن النبي العربي محمد عليه الصلاة والسلام؟ إنه أولاً، جهاد ضد الجهل في كل مجال وعلى كل صعيد. فالمرء يظل عبداً لما حوله ما دام يجهله، فإذا عرفه وفهم أسبابه ونتائجه تحرر منه. و"المعرفة وجه من وجوه الحرية، بل هي الحرية الحقيقية نفسها، لأن الجهل هو أقوى قيد يوثق النفس ومنه تنشأ جميع القيود الأخرى[17]. ذلك هو المعنى الأولي البسيط لتعريف ماركس الحرية بأنها وعي الضرورة. والضرورة ضرورات طبيعية وحيوية واجتماعية وسياسية تاريخية وواقعية لا بد أن توعى لكي تمكن السيطرة عليها أو التأثير فيها. والعالم الحقيقي، في نظره، هو أفضل مثال للحرية الصحيحة، الخالصة من الأوهام والخرافات ومن الأهواء الشخصية والنزعات الطائشة، الحرية البريئة من الخوف والجبن والطمع والأنانية، الحرية التي لا يقيدها إلا شيء واحد تتعلق به فتضحي بكل ما سواه في سبيله، ذلك هو الحق الذي قيل عنه في الكتب: "تعرفون الحق والحق يحرركم".

وعن الجهل ينشأ التعصب. الجهل والتعصب صنوان لا يفترقان. والتعصب في نظر زريق "قيد يربطنا بفئة خاصة أو طائفة معينة، ويفصل بيننا وبين الجماعات الأخرى بحواجز من البغض والكره والحسد والضغينة. ومن الخطأ أن نعتقد أن هذه العصبيات تزول بالوسائل الخارجية التي تسنها الدولة أو الخطب والمقالات الصارخة التي نرسلها بين آن وآخر، وإنما هي أغلال باطنية لا تُحطم إلا بالتحرر الذي يسبغه على النفس جهادها الداخلي"[18]والجهل والتعصب ينتجان الأنانية، وهي أدهى الشرور، لأنها تنطوي على الجهل والتعصب، تتغذى منهما وتغذيهما، وهي أساس الفوضى الاجتماعية وأس الاستبداد السياسي والديني. الأناني هو من مات الآخر في فكره وروحه، فغدا لا يسمع إلا صوته هو ولا يرى سوى صورته هو. وأن يكون المرء بلا آخر يعني أن يكون بلا أنا إنسانية، وأدنى إلى كائن طبيعي خالص. ولولا الآخرية لما استوى الإنسان على دوره النوعي إنساناً ينتج عالمه وتاريخه وينتج نفسه في العالم وفي التاريخ.

للجهاد الأكبر بعدان لا ينفك أحدهما عن الآخر: بعد أخلاقي قوامه مجاهدة النفس الأمَّارة بالسوء، والمفطورة على الأثرة وحب الذات، وبعد معرفي قوامه مجاهدة الأوهام الذاتية والأفكار المسبقة، والتحرر من سائر السلطات والمرجعيات سوى مرجعية العقل، بوصفه عقل العالم وعقل الكون، وسلطة الحقيقة، بوصفها مطابقة الفكر لحاجات الواقع. هذا الارتباط الوثيق بين الفكر والأخلاق هو الشرط الضروري للعمل المثمر في جميع مجالات الحياة، ولا سيما في المجالين الاجتماعي والسياسي.

وليس عبثاً ربط العقلانية بالخلقية عند قسطنطين زريق، من كتابه الأول، "الوعي القومي" إلى كتابه الأخير، "ما العمل" الذي نشره مركز دراسات الوحدة العربية عام 1998. وفي هذا الكتاب الأخير يؤكد زريق دعوته إلى العقلانية والخلقية، في ارتباطهما الوثيق[19]، إذ يقول:" إننا لا نجوز صراعاً مريراً مع الصهيونية وإسرائيل فحسب، أو مع القوى العالمية الطامعة فينا والساعية إلى التغلب علينا والسيطرة على مواردنا ومصيرنا، أو صراعاً بين الفئات أو الأحزاب أو العقائد في داخلنا. أو أياً من الصراعات الماثلة التي تملأ عالمنا وتثير اضطرابنا وقلقنا. إننا نخوض أيضاً صراعاً أرهب وأشد فتكاً من كل ما ذكرنا، لأنه أعمق جذوراً وأشمل نطاقاً: بين ما نحن عليه وما يجب أن نكون، بين القيم الفاسدة التي نتعلق بها أفراداً ومجموعاً، والقيم الحقيقية ( العقلانية والخلقية) التي تضمن سلامتنا وحظنا من البقاء ومن العطاء"[20]

وإذا نظرنا إلى كتاب "ما العمل" على أنه حصاد خمسين عاماً من تجربة الفكر القومي العربي والحركة القومية العربية، لتبين لنا كم كان هذا الحصاد هزيلاً ومخيباً للآمال، ولبدا لنا أن الفكر القومي العربي والحركة القومية العربية لم يحرزا تقدماً يذكر، سوى استثناءات قليلة، لم يجر تمثلها بعد.

إن مفكراً يتخذ من الجهاد الأكبر ، جهاد المعرفة، مبدأ ومسعى وغاية، ويلامس أزمة أمته الروحية الماثلة في تأخر الوعي والفكر، لا بد أن ينطوي فكره على عناصر، أو بذور إنسية وعقلانية وعلمانية وديمقراطية تضع فرقاً واضحاً بين الحماسة والتعصب، وبين العقل والهوى. ولعلي لا أعدو الحقيقة إذا قلت: إن كتابات قسطنطين زريق القومية تجمع برودة العقل وحرارة القلب، على غلبة هذه على تلك. ولعل هذه الإطلالة العجلى تكون حافزاً لي ولغيري من المهتمين بالفكر القومي لدراسة أكثر أناة وأعمق غوراً وأكثر فائدة.

 

جاد الكريم الجباعي

دمشق – تيليفاكس 6711599

E.Mail   jebaae@scs-net.org

 



[1]  - ألبر حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة (1798- 1939)، دار النهار، بيروت، ط3، 1977، ترجمة كريم عزقول، ص 369

[2]  - قسطنطين زريق، الوعي القومي، دار الكشوف، بيروت، ط2، 1940 ، ص 21.

[3]  - المصدر السابق، ص 19.

[4]  - محمد جمال باروت، حركة القوميين العرب، النشأة – التطور – المصائر، المركز العربي للدراسات الأستراتيجية، دمشق ، 1997  ، ص 55.

[5]  - زريق، مصدر سابق، ص 47.

[6]  - المصدر نفسه ص 47.

[7]  - المصدر نفسه، ص 48.

[8]  - المصدر نفسه 49.

[9]  - راجع المصدر نفسه، ص 50.

[10]  - المصدر نفسه، ص 50.

[11]  - المصدر نفسه، ص 216.

[12]  - المصدر نفسه ص 216.

[13] - المصدر نفسه، ص 236- 237.

[14]  - المصدر نفسه، ص 245.

[15]  - المصدر نفسه، ص 50.

[16]  - المصدر نفسه، ص 246.

[17]  - المصدر نفسه ، ص 246.

[18]  - المصدر نفسه، ص 247- 248.

[19]  - راجع قسطنطين زريق، ما العمل، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998. من 65- 69

[20] - المصدر السابق ص 69.