العقلانية في السياسة

 

"كل ما هو واقعي عقلاني، وكل ما هو عقلاني واقعي".

هيغل

اختلف المفكرون والنقاد في قول الفيلسوف الألماني هيغل: كل ما هو واقعي عقلاني، وكل ما هو عقلاني واقعي. فالذين ردوا الصدر على العجز، وقصروا الواقع على ما تراه العين القاصرة من الظاهرات وسطوح الأشياء، وأنكروا أثر الفكر والعمل، أو فاعلية البشر، في تغيير الواقع، وأسلموا رؤوسهم لحتمية "القوانين الطبيعية" وضروراتها العمياء، رأوا في قوله موقفاً محافظاً وتسويغاً للاستبداد البروسي في زمانه. والذين نظروا إلى المسألة في ضوء العلاقة الجدلية بين (العقل) والواقع، أو بين الفكر والواقع، أو بين الذات والموضوع، استدلوا بقوله هذا لا على وظيفة الفكر، وأثره في تغيير الواقع، فحسب، بل على ماهية العقل الذي غدا، وفق هذه الرؤية، عملية أو سيرورة تعقُّل وتعرُّف لا نهائية لواقع جدلي، تناقضي واحتمالي وإمكاني، تناقضاته الملازمة هي عوامل حركته الدائمة وتغيره وتشكُّله المستمرين، وحقيقته العِِيانية هي توقيع ممكنات على حساب ممكنات أخرى، والحتمي فيه بإطلاق هو ما تحقق فحسب. ونظروا، من ثم، إلى العقل على أنه عقل الواقع أو عقل العالم أو عقل الكون، وإلى الوعي على أنه الوجود مُدركاً على نحو ما. ونظروا إلى الوضع القائم، في أي مكان، على أنه كينونة عابرة في حركة الصيرورة التاريخية التي لا تفتر، وأن هذه الكينونة لحظة من لحظات الديالكتيك، وليس العكس؛ وأن للواقع بعداً في المكان الذي هو العالم والكون اللامتناهي، وبعداً في الزمان الذي هو التاريخ، وأن له منطقاً لا بد أن يتسق معه منطق الفكر، بقدر ما يكون هذا الأخير شكلاً مواتياً لمضمونه ومتسقاً معه، بوصفه فكره مضافاً إلى الإنسان.

واليوم كما في زمن هيغل، وفي كل زمان، ثمة من يسوغ الاستبداد والشمولية، ودولة العسف والإكراه، ويسوغ الاستغلال والقهر والاستعباد بحجة الواقعية التي يتضمنها الشطر الأول من المقولة الهيغية: "كل ما هو واقعي عقلاني". فالدولة الشمولية التسلطية القائمة اليوم في سورية، تعبر، في نظر بعضهم، عن الضرورة التاريخية والواقعية والمنطقية، ومن ثم فهي عقلانية، إن لم تكن ذروة العقلانية، عند هؤلاء الذين لو سألناهم رأيهم في مثيلتها، في العراق مثلاً، لقالوا كلاماً مختلفاً جداً. ونحن لا نماري في أن الواقعية هي المعادل الموضوعي للعقلانية، ولكن العبرة هي في تحديد مفهوم الواقع والواقعية، ومن ثم في تحديد مفهوم العقل والعقلانية. وقد قال أحد الفلاسفة: إن العقل كان موجوداً لدى البشر على الدوام، ولكن البشر لم يكونوا عقلانيين على الدوام.

الذين يفترضون أن "العقل" في الرأس، فقط، يفصلون الإنسان عن العالم الذي هو  مادته وجسده غير العضوي، ويفترضون ذاتاً بلا موضوع، ومن ثم يمكن أن تخلق موضوعاتها من ذاتها. ويفترضون بالمقابل واقعاً هو مادة هامدة لذات مفارقة ومتعالية. ولهذا الافتراض ارتسام سياسي في نظرة هؤلاء إلى الشعب، بصفته مادة الحكم وموضوعه فحسب. الشعب عند هؤلاء هو المادة التي تتجلى فيها هيبة الحكم وعظمة الحاكم، والضرورة التاريخية لدولة الإكراه، وتستمد كل قيمتها وقيمها من نعمة التجلي هذه، أي من الحاكم الرمز، أو من رمزية الحاكم. فالشعب لا يعدو أن يكون، وهذه الحال، مادة وضيعة وموضوعاً طيِّعاً للعسف والقمع والنهب. هؤلاء يعيدون إنتاج نظرية الفيض الأفلوطينية، لأنهم يرددون، بلا تحفظ، أن عقولهم فيض من عقل الحاكم الكلي، وهي كذلك، لأنهم إنما يقبسون من نور علمه وينهلون من معين حكمته، فهم يده ولسانه. هل نقول: إن العقلانية في حالتنا، هي أن ننظر إلى الحاكم على أنه بشر مثلنا يخطئ ويصيب، ومن السفاهة واحتقار الذات أن نضفي عليه صفات العصمة والكمال والقداسة، ناهيكم عن صفات الألوهية، قبل أن نقول: هي اعتراف بالمواطن، بصفته حاكماً ومحكوماً في الوقت ذاته، وبالشعب مصدراً لجميع السلطات؟ التخارج والتفاصل بين "العقل" الذي في الرأس والعالم الذي خارج الرأس هو أساس التخارج والتفاصل بين الحكم والشعب. وعلى الضد من ذلك فإن أهم مظاهر العقلانية في السياسة هي التواصل بين الحكم والشعب، بين الدولة والمجتمع، على أن يكون هذا التواصل محكوماً بما يعصم من الجهل والهوى. وليس، في السياسة، ما يعصم من الجهل والهوى سوى القانون، حين يسري على القوي والضعيف وعلى الغني والفقير وعلى الحاكم والمحكوم.

والقانون، سواء في صفته العامة والمجردة أو في تعيُّنه الواقعي، في الدساتير والمدونات القانونية، وفي القانون الدولي، هو تسوية بين قوى متعارضة ومصالح متباينة، تسوية تحكمها نسبة القوى المتغيرة باستمرار، مما يقتضي تغير القوانين وتطورها. وعقلانية السياسة تكمن في الاعتراف المبدئي والنهائي بتلك القوى وهذه المصالح، منظوراً إليها بمنظار وحدة المجتمع والدولة، ووحدة المجتمع الدولي، وأولوية المصلحة الوطنية العامة التي لا يجوز أن تنفرد في تحديدها فئة بعينها، فتقيسها بمقياس مصلحتها الفئوية. والاعتراف، من ثم، بمبدأ التسوية والتعاقد والتواثق أساساً للعلاقات الاجتماعية والسياسية، على كل صعيد. والتسوية والتعاقد والتواثق لا تلغي التعارض والتناقض والصراع، بل ترقى بأساليب حلها ووسائله إلى مستوى سياسي، أي إلى مستوى مدني؛ والسياسة والمدنية صنوان، مثلما الحرب والهمجية صنوان.

العقلانية هي أن نضع العقل في التاريخ البشري الحاكم على جميع التواريخ الخاصة، وفي الكون البشري الحاكم على جميع الخصوصيات القومية والإثنية واللغوية والثقافية، وقبل ذلك وبعده، هي أن نضع العقل في الإنسان الحاكم على كل أمة وشعب وطبقة وحزب وجماعة دينية أو مذهبية، الإنسان الذي ينتج نفسه في التاريخ وفي العالم، ثم يستعيد موضوعيتهما في ذاته المرة تلو المرة، حتى يغدو التاريخ تاريخه بالفعل والعالم عالمه بالفعل، من دون أن يفتر التعارض بين كونه فرداً مسوقاً بسائق الحاجة ومواطناً يسعى إلى الحرية والمساواة والعدالة، التعارض الذي لا بد أن ينتهي إلى أن يصير الفرد الواقعي هو المواطن الفعلي. لذلك، فإن أهم تظاهرات العقلانية، في التاريخ الحديث، هي روح المواطنة التي تتجاوز جميع الانتماءات ما قبل الوطنية، أو ما قبل القومية، والتي نمت في كنف الإنسية والعلمانية والديمقراطية المفضية إلى العدالة، أو الحاملة إمكانية أن تفضي إلى العدالة، بوصفها، أي العدالة، التحقيق الفعلي للمساواة البادئة بالمساواة أمام القانون. وقد ارتبطت روح المواطنة هذه بالظاهرة القومية التي تجلت عيانياً في المجتمع المدني والدولة القومية، أو الدولة الأمة، بوصفها دولة حق وقانون أولاً، ودولة ديمقراطية ثانياً. والدولة القومية غير دولة التعصب القومي الذي يلازم كل قومية، الأولى تبدو لجميع مواطنيها من الداخل في صورة دولة حق وقانون، وتبدو لغير مواطنيها، من الخارج، في صورة دولة قومية. أما الثانية فتبدو لمواطنيها، من الداخل في الصورة ذاتها التي يراها غير مواطنيها من الخارج، أي إنها دولة ليست لجميع مواطنيها، بل لجزء منهم فحسب.

عرف الفلاسفة العرب العلم بأنه "صورة المعلوم في نفس العالم". وللعلم، عندهم، المعنى نفسه الذي أطلقه هيغل على العقل، في حين أطلق على العلم الوضعي، أو على الوضعية الإيجابية اسم الفهم؛ ولذلك يمكن أن نصوغ العبارة بلغة هيغل على النحو الآتي: العقل هو صورة المعقول في ذهن العاقل، من دون أن نسيء إلى المعنى الذي أراده الفلاسفة العرب. ومن ثم، فإنه ليس ثمة عقل بلا معقول، وليس ثمة ذات بلا موضوع، على أن الموضوع هو أيضاً ذات وحياة. والفكر هو إنشاء صورة الواقع في الذهن، من دون مشاعر ورغبات، بقدر الإمكان. والفكر طريق، أو مذهب، من الفعل الثلاثي ذهب، طريق أولها الكلمة والمفهوم، وغايتها الواقع. ومن المستحيل أن يتطابق الواقع الفعلي وصورته في ذهن الإنسان، لأن جميع البشر يعبرون عن الجزئيات بالكليات، فمفردات اللغة جميعها كليات، ناهيكم عن عوامل الخطأ والانحراف الأخرى، وأهمها العامل الاجتماعي (الطبقي) المتعلق بتلازم الرأي والمصلحة، بل بتلازم الوعي والمصلحة، والعامل المعرفي المتعلق بالمنهج أو الطريقة أو نظرية المعرفة، وهي ثلاثة أسماء لمسمى واحد. ولذلك كان للفكر الذي يستحق اسمه طابع نقدي، بخلاف الأيديولوجية. فالفكر حين ينقد الواقع معني بنقد أدواته وشحذها، ونقد مذهبه وطريقته، في ضوء مقارنة الأهداف التي وضعها لنفسه والنتائج التي تحققت بالفعل. وشروط النقد الذي يستحق اسمه هي استقلال الوجدان وجهاد المعرفة وجهاد النفس الأمارة بالسوء، ناهيكم عن التزام الحقيقة التي هي مبدأ العقل وغايته.

ولعل من أهم مظاهر العقلانية في السياسة الاعتراف بأفرادية الواقع، وبعدم إمكانية السيطرة على التنوع والاختلاف اللذين يسمانه باستمرار، بخلاف ما تسعى إليه أنظمة الحكم الشمولية من إلغاء التنوع والاختلاف، ومن ثم إلغاء أي نوع من أنواع المعارضة وأي درجة من درجاتها، وتحويل المواطنين إلى كائنات شمولية (توتاليتارية) تستجيب لأوامر السلطة استجابات شرطية كاستجابات كلب بافلوف. إن من يسمي المسيرات المليونية، وقتل الشخص القانوني في الإنسان، ثم قتل الشخص الأخلاقي فيه، وإكراه المواطنين، أو من كانوا مواطنين ذات يوم، على شرب المياه المالحة وتسميتها عصير الليمون، إن من يسمي ذلك كله، وغيره مما هو أقبح منه، ضرورة تاريخية وعقلانية واقعية هو أدنى مرتبة من كلب بافلوف. إن عقلانية السياسة هي وحدة الفكر والأخلاق والسياسة.

الحقيقة هي مبدأ العقل وغايته، وهي نسبية تنمو على الدوام بنمو المعرفة والعمل، ويلابسها الوهم والباطل ويلازمانها على الدوام. والعقلانية هي الاعتراف بنسبية الحقيقة، وإمكان خطأ الذات. وهي من ثم الاعتراف بأن العناصر اللاعقلانية تنمو في كل وضع مخصوص، بلا استثناء، حتى تبلغ الأزمة، ما لم يكن ذلك الوضع المخصوص موضوعاً لنقد الفكر الذي قد يغني، ويجب أن يغني، عن نقد السلاح. إن تلازم الحق والباطل كتلازم الوجود والعدم، فكلما نما الوجود تقلص العدم، وبالعكس. وكلما نمت الحقيقة تقلص الوهم والباطل وبالعكس. فماذا نسمي الأزمة الراهنة إن لم تكن نمو العدم وتقلص الوجود: نمو عدم الإنتاج وضمور الإنتاج، ونمو عدم الاستقلال وضمور الاستقلال، ونمو عدم القانون وضمور القانون، ونمو عدم المعرفة وضمور المعرفة، ونمو عدم الحرية وضمور الحرية، ونمو عدم الأخلاق وضمور الأخلاق ... وماذا نسمي نمو الفساد؟ وهل يسوغ بعد هذا كله الحديث عن الاستقرار والاستمرار إذا لم يكن لمثل هذا الحديث من معنى آخر غير استقرار الأزمة واستمرارها، وهل من العقلانية الحديث عن وجوب استقرار الأزمة واستمرارها؟ بلى إن دولة الإكراه والتكريه والكراهية ضرورية تاريخياً لانفجار الأوضاع من الداخل انفجاراً لا يبقي ولا يذر، ضرورية لفعل الانتحار الجماعي، لأنها تدمر كل شيء ثم تدمر نفسها، فتباً لغربان الثقافة، ثم تباً لهم.