ثقافـة الحـوار..

 

من الثقافة الجماهيرية إلى الثقافة المدنية

 

تتردد في هذه الأيام عبارات الحوار وثقافة الحوار وروح الحوار واحترام الرأي الآخر، في سياق تطلع جماعي إلى فسحة من الحرية أو إلى فضاء مشترك من الحرية عبر عنه مصطلح المجتمع المدني وما يحف به من مفاهيم تثير غير قليل من الجدل والسجال. ولما كان المثقفون سباقين إلى فتح الحوار والشروع في نقد الواقع القائم بأدواتهم الخاصة، أو بالأدوات الخاصة لكل منهم، تعزز لدى الكثيرين أمل بإمكانية الانتقال من "الثقافة الجماهيرية"، ثقافة الكسل العقلي والاستهلاك السفيه، والتكرار الببغاوي والتنصل من الشأن العام والبحث عن الخلاص الفردي، وهي ثقافة الدولة التسلطية، إلى نوع من ثقافة مدنية، أو ثقافة ديمقراطية سنطلق عليها مؤقتاً اسم "ثقافة "الحوار"، تيمناً بالحالة الناشئة عندنا.

 يضعنا مفهوم "ثقافة الحوار" أمام قضية معرفية تتعلق بتأسيس السؤال: هل بوسعنا أن نصف ثقافة معينة بأنها ثقافة حوار، من دون أن يكون لانحيازنا الطارئ إلى "الحوار" أثر بيِّـن في الحكم؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فما مقومات هذه الثقافة، وما الأسس التي تجعل منها ثقافة حوار؟

لمقاربة هذه القضية لا بد من بسط مفهوم الحوار الذي حددت به الثقافة، وتعرُّف مقدماته وافتراضاته الأولية؛ ولا سيما أن في العربية مفردات شتى توحي بهذا المعنى، لكن الحوار هو أقربها إلى المعنى الذي نذهب إليه، مع أن الجدال أو الجدل أقرب إلى اللفظ المقابل للديالكتيك الذي هو، في زعمي، جـذر الثقافة ومنطقها الداخلي. ولا بد أيضاً من إعادة طرح سؤال الثقافة، وتعرف محتوى التركيب الناشئ من تضايف الثقافة والحوار. وللتركيب الإضافي في لغتنا وظيفتان: أولاهما الدمج والتوحيد، أو توليد مفهوم جديد من مفهومين مختلفين، وهو من هذه الزاوية خير دليل على وحدة الاختلاف. والثانية التعريف والتحديد أو التعيين. فالمضاف والمضاف إليه وحدة مفهومية وواقعية.

"الحوار شقيق الديالكتيك، يجعل ما انقلب من تعارض إلى جدل ينتج حقيقة جديدة ليست لأي من المتحاورين، بل لهم جميعاً، لأنها قائمة فيهم جميعاً". ينطلق هذا التحديد من الاعتراف المبدئي والنهائي بواقع التعدد والاختلاف والتعارض مقدمةً ضروريةً لا يقوم حوار بدونها. فالحوار لا يكون إلا بين اثنين مختلفين ومتعارضين أو أكثر، كما يكون بين اتجاهيين قكريين أو حزبين سياسيين أو أكثر، وبين شعبين أو أمتين أو أكثر. وأقل ما يكون بين اثنين أو اثنتين. كما ينطلق من واقع أن البشر الأصحاء يتوفرون على قابليات واستعدادات ذهنية ونفسية متساوية، تجعلم ينشدون الحقيقة ويتعلقون بمثل أعلى أخلاقي، وليس فيهم من يقول أو يفعل إلا ما يعتقده حقاً وصواباً، سوى الاستثناء. وينطلق أيضاً من حقيقة أن العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس، كما وصفه ديكارت، فما من أحد ألا وهو مطمئن إلى أنه قد أوتي كفايته منه، ومن ثم فهو الحكم العدل في كل ما يشجر بين الناس، بقدر ما يرغب المختلفون والمختصمون في اللجوء إلى حكم عدل، لا إلى القوة أو المكر والحيلة والدهاء أو سواها. ويفترض أنه يهدف إلى إنتاج حقيقة جديدة، أو حقائق جديدة، وهذه الحقيقة، أو الحقائق ليست حكراً على أي من المتحاورين، بل هي قائمة فيهم جميعاً، بنسب متفاوتة بالطبع، لا يمكن تحديدها مسبقاً. ويضمر هذا القول أن الحقيقة نسبية ومتغيرة، على الدوام ينتجها البشر لأنفسهم، وفق شروط الزمان والمكان ونمو المعرفة والعمل. وبكلمة، إن العقل هو الذي يحاور، بحكم ماهيته، أي بحكم كونه عقل الواقع وعقل العالم، أوعقل الكون، وأي تعريف آخر للعقل يهدم مشروعية الحوار. وفق هـذا التحديد، يمكن القول: إن الحوار، بصفته حواراً مع الذات، (مونولوغ)، ومع الآخر، (ديالوغ)، ومع العالم جملة وتفصيلاً، (ديالكتيك)، هو أساس الثقافة وأبرز مظاهرها.

الحوار مع الذات يفترض "استقلال الوجدان وجهاد المعرفة"، وجهاد النفس الأمارة بالسوء. أي إنه بفترض ما كان يسميه الياس مرقص "الصفحة البيضاء" أو "لحظة الأمية"، أي مجاهدة النفس لكبح جماح الهوى، والتخلي عن القبليات والقَبَليَّات والمسبقات والمطلقات؛ والاعتراف من ثم بالنقص والاحتياج الملازمين للكائن البشري، وبإمكانية خطأ الذات، ووجوب التعلم من الآخرين، واستحالة المطابقة بين الفكر والواقع. ويفترض بعد هذا كله الصدق مع الذات ومع الآخرين، والصدق والشجاعة صنوان. وذروة الصدق والشجاعة هي الصدق مع الذات والشجاعة في مواجهة رغباتها ونزواتها وأوهامها وأباطيلها ورؤيتها لذاتها.

والحوار مع الآخر يفترض الاعتراف بأن "الآخر" هو "أنـا"، وحقوقه ضمانة موضوعية لحقوقي وحريته ضمانة موضوعية لحريتي. فكل واحد منا هو "أنا" لذاته و "آخر" لغيره؛ ولا ذاتية بلا آخرية. الذاتية الحقيقية التي تعني الاستقلال والحرية تتقوَّم بملاءتها بالآخر والآخرين، واغتنائها به أو بهم، وخلافها الذاتية الفارغة الجوفاء الميتة المحددة بذاتها فحسب. ولذلك عرف ماركس الإنسان بأنه مجموع علاقاته الاجتماعية والإنسانية. ولا حوار بلا تناصت وتعارف، وبلا اعتراف بقانون القول: "الإنسان سيد كلامه وخادمه" ويطلق عليه العامة اسم "احترام الكلمة"، وهو مظهر من مظاهر احترام الذات.

والحوار مع العالم يفترض الاعتراف بوجود العالم مستقلاً عن الوعي، وبأن الوعي هو العالم مدركاً، وأن النقص هو مبدأ الإدراك وأساس المعرفة، والخطأ ظلهما. فوعي الفرد على الإطلاق ناقص من جهة وينطوي على الخطأ والوهم من جهة أخرى. ولما كان الواقع احتمالياً وإمكانياً ومتغيراً باستمرار، فليس ثمة من يستطيع الادعاء بتعرُّفه والإحاطة به من جميع جوانبه وفي جميع مستوياته. والعلم كله في العالم كله. وإنه لذو دلالة أن كبار العلماء والحكماء كانوا يختمون أقوالهم وكتاباتهم بعبارة : والله أعلم.

تلكم هي بعض مبادئ الحوار وشروطه، أما لماذا تتنكر ثقافة ما لأساسها، فذلك، في ظني لغلبة عوامل المحافظة والجمود أو الركود في مجتمعها. كما يفترض الحوار أن جميع الآراء والأفكار والرؤى والتصورات مشروعة، على قدم المساواة، وليس لأي منها قيمة مطلقة، لأنها محمولات الذات الإنسانية وتحديداتها الذاتية. ومشروعيتها لا تتأتى سوى من مشروعية الاختلاف. فضلاً عن كونها، بل بحكم كونها تعبيراً عن مصالح مختلفة ومتباينة ومتعارضة. فالرأي ملازم للمصلحة لا ينفك عنها. وما دامت الآراء الذاتية تقنِّع المصالح الموضوعية وتموهها، فإن تجابه الآراء المختلفة والمتعارضة يخفي دوماً تجابه المصالح وتعارضها. وبقدر ما يمكن للحوار أن ينتج من حقائق جديدة للمتحاورين تغدو فضاء مشتركاً فيما بينهم، ينتج في الوقت ذاته مفهوماً جديداً للمصلحة يستوعب جميع المصالح الخاصة والفردية، ويرقى بها إلى مستوى أعلى يطلق عليه اسم المصلحة العامة أو المصلحة الوطنية التي لا تكون كذلك ما لم تلب المصالح الخاصة والفردية على اختلافها وتعارضها. ولنلاحظ أن الوحدة الوطنية الفعلية مؤسسة على هذين الاختلاف والتعارض، أي على جدلية الحياة الاجتماعية وجدلية التاريخ بوصفه توقيع ممكنات على حساب ممكنات أخرى. إن من أهم خصائص التعارض الجدلي بين المصالح أن حدي التعارض لا يستغني أحدهما عن الآخر، ولا يقوم إلا به، ومن ثم فإن إلغاء أحد الحدين هو إلغاء للآخر بالضرورة. وهذا الإلغاء المتبادل هو علة التطرف والعسف والفوضى وانفجار المجتمعات من الداخل. إنه علة حرب الجميع على الجميع. ولقد كانت المجتمعات دوماً ولا تزال أمام أحد خيارين: إما بناء الجسور وإما إقامة المتاريس. والحوار هو بناء الجسور على كل صعيد. وبهذا المعنى يحيل الحوار مباشرة على السياسة بصفتها الشيء العام المشترك بين الأفراد والجماعات والفئات الاجتماعية والاتجاهات الفكرية والأيديولوجية والأحزاب السياسية. أي بصفتها فاعلية اجتماعية ومجتمعية. الحوار والسياسة صنوان يتقدمان معاً ويتراجعان معاً. والاستبداد والحرب صنوان يتقدمان معاً ويتراجعان معاً.

أما الثقافة، فإن جذرها اللغوي، في العربية، يحيل على التقويم والتهذيب، تهذيب النفس والسلوك، ومما يؤسف له أن هذا المقصد الأخلاقي ضمر في ثقافتنا المعاصرة، أو غاب عنها، إلا في القليل النادر. وغاب من ثم عن سياستنا المعاصرة، إلا في القليل النادر. وللثقافة عندنا اليوم معنيان: معنى خاص، يتعلق  بإنتاج الأفكار والرؤى والتصورات، ونقد أنساق الفكر والسلوك التي لم تعد تواكب حركة التقدم. وهو ما يطلق عليه اسم الثقافة العالمة أو الثقافة الرفيعة. ومعنى عام يستبعد جميع صور التبجح والادعاء، وهو ما سنلقي عليه بعض الضوء.

الثقافة، في أهم تحديداتها، في نظري، هي المعنى الذي يعطيه كل منا لحياته، ويضفيه على من حوله وما حوله، والقيمة، أو القيم التي يسبغها على جميع الماديات والمعنويات. والمعنى والقيمة متلازمان ومتداخلان لا ينفك أي منهما عن الآخر، لانتمائهما إلى أصل واحد هو فاعلية الإنسان الحية، الواعية والهادفة. فالثقافة هي وعي الذات، ورؤية إلى العالم وإلى المجتمع والإنسان، تتحدد في ضوئهما أو تنبني على أساسهما جميع فروع المعرفة وجميع أنماط السلوك وجميع القيم. وهي، من ثم، المعنى الذي يعطيه المجتمع المعني لسائر مجالات الحياة الاجتماعية العامة، والقيمة أو القيم التي يضفيها على هذه المجالات، فيحدد ذاته، ويوصِّف أفراده، بهما. ولذلك تتسم الثقافة بسمات المجتمع الذي ينتجها. الثقافة هي إنتاج المعنى والقيمة، وإعادة إنتاجهما، قولاً وكتابة ونقشاً وتصويراً ونحتاً وموسيقى وغناء وحباً ولعباً وعمارة وزراعة وصناعة وسلوكاً اجتماعياً ورموزاً وإشارات وعبادات ومعاملات ومبادلات وصلات ومواصلات وأعرافاً وشرائع وقوانين ... وهي أقرب ما تكون إلى الرياضة، رياضة النفس والذهن والعقل والروح والبدن والسلوك، التي ترقى بالكائن البشري إلى مصاف الكلية الإنسانية التي يتحد فيها النسبي والمطلق والعابر واللانهائي. فبالثقافة انتقل الكائن البشري من الحياة الطبيعية الخالصة إلى الحياة الاجتماعية، إلى العمران والتمدن. وفي الثقافة، فقط، تتجلى الصفة الإنسانية لهذا الكائن. وبها يغدو الفرد الطبيعي كائناً اجتماعياً وكائناً سياسياً وعضواً في الجماعة الإنسانية. في هذه الحيثية، تستوي ثقافة الجماعات البدائية وثقافة المجتمعات المعاصرة، وتستوي كذلك الثقافة الشفوية والثقافة العالمة.

عرف العرب الثقافة بأنها الأخذ من كل علم بطرف، وعرفها بعضهم بأنها معرفة شيء عن كل شيء ومعرفة كل شيء عن شيء. وفي القولين ارتباط وثيق بين الثقافة والمعرفة موروثةً ومكتسبةً، وبينها وبين العلم موروثاً ومكتسباً، والمعرفة والعلم لا ينفكان عن العمل ولا يكونان بدونه، إضافة إلى المقصد الأخلاقي الذي أشرنا إليه والذي يجعل المعنى العربي للثقافة يحتل موقعاً مميزاً في مجال المعرفة، وهو المعنى الذي يجعلها مرادفة للرياضة، رياضة النفس والعقل وتقويمهما وتهذيبهما.

ومن بين تعريفات كثيرة للثقافة، ثمة تعريفان لصيقان بموضوعنا: أحدهما تعريف إدوارد تايلور الذي يقول: "الثقافة كلُّ مركب يشتمل على المعرفة والمعتقدات والفنون والأخلاق والقانون والعرف وغير ذلك من الإمكانيات أو العادات التي يكتسبها الإنسان، باعتباره عضواً في المجتمع". ووتعريف بيرستد الذي يقول: "الثقافة هي ذلك الكل المركَّب الذي يتألف من كل ما نفكر فيه أو  نقوم بعمله أو نتملكه كأعضاء في مجتمع". (نظرية الثقافة، ص 9).

هذان التعريفان وتعريفات أخرى كثيرة تربط الثقافة بالمجتمع على نحو وثيق لا فكاك له؛ فمن دون المجتمع ليس هناك ثقافة، ومن دون الثقافة ليس هناك مجتمع، ومما يؤكد ذلك أن اللغة، في جميع مستوياتها، من الصوت والإشارة والإيماء إلى لغة الحاسوب والرياضيات والموسيقى، مروراً بجميع لغات بني آدم، هي من أهم عوامل الاجتماع البشري، ومن أهم عوامل التعارف والتفاهم، وأن الخطاب إرسال واستقبال، وأن القول والنص واللوحة والتمثال والمعزوفة .. لا تكتمل إلا بالسامع والقارئ والمشاهد. وليس ثمة إنتاج وإبداع من دون استهلاك واستمتاع وتذوُّق. إنها تماماً قصة البيضة والدجاجة، لا جواب شافياً فيها عن السؤال: أيهما كان أولاً، المجتمع أم الثقافة؟. وفي ضوئها يمكن تعريف المجتمع بأنه نسيج من العلاقات الثقافية بين الأفراد والجماعات والفئات الاجتماعية. ولعل من أهم تعريفات المجتمع وأكثرها عمقاً تعريف كارل ماركس الذي يقول: المجتمع هو الإنسان مموضعاً، أو الإنسان وقد صار موضوعياً، وموضوعاً لذاته. والإنسان ليس ماهية مجردة تقبع في مكان ما خارج الزمان والمكان، بل هو عالم الإنسان، المجتمع والدولة. وفق هذا التعريف يمكننا القول: ليس في عالم الإنسان، أي في المجتمع والدولة، شيء ليس موجوداً في الفرد الاجتماعي وفي المواطن، بالقوة أو بالفعل. فالإنسان لا ينتج عالمه فقط، ولا يصنع تاريخه فحسب، بل ينتج ذاته في العالم وفي التاريخ، وهذا الإنتاج هو الثقافة، أو الحضارة أو المدنية، بمعنى واحد هنا. وعلى الرغم من الطابع الفردي للإبداع الثقافي، وللانحياز الثقافي، فإن ماهية الثقافة ماهية اجتماعية ومجتمعية بحصر المعنى. ومن ثم، فإن الثقافة هي انبساط الروح الإنساني في العالم وفي التاريخ. وهو ما يجعل العالم إنسانياً باطِّراد، والإنسان عالمياً باطِّراد. فكل نسق من أنساق العلاقات والبنى والتنظيمات الاجتماعية  يؤسِّسه، ويؤازره ويسوِّغه نسق ثقافي، تحدِّده رؤية معينة للعالم، للطبيعة والمجتمع والإنسان. هذا الكل المركب من العلاقات والبنى والتنظيمات الاجتماعية والاختيارات والتحيزات الثقافية ينطوي بداهة على اتجاهات متباينة ومتعارضة في المجتمع الواحد، بدءاً باتجاهات الأفراد وصولاً إلى الخيارات الاجتماعية، يحكمها جميعاً جدل العشوائية والانتظام، الذي يؤسس المجموعات الحرة التشكُّلية، وفق المبدأ الرياضي الأكثر تجريداً، ولكن الأكثر تعبيراً عن منطق الواقع، في احتماليته وحركته الدائمة وتغيره المستمر. على أن حركة المجتمع التي تولدها تعارضاته الملازمة هي دوماً حركة جذب ونبذ، في جميع الاتجاهات، كتلك التي تبقي وتر القوس مشدوداً، وليس ثمة من حتمية اجتماعية، أو حتمية تاريخية، بل احتمالية فحسب. والحتمي، إذا كانت الحتمية تعز علينا، هو ما تحقق فقط. والتغير الاجتماعي الذي تؤسس له الثقافة، بالمعنى الذي أشرنا إليه، كلي وداخلي، أولاً. وضروري للاستقرار، ثانياً. وليس أحادي الخط أو الاتجاه، ثالثاً. وإلا لكان الناس "ملة واحدة"، ونسخاً كربونية يستجيبون للمؤثرات الخارجية استجابات متماثلة. وهو ما يؤسس مشروعية الحوار. وإذا كان الارتباط قائماً بين العلاقات الاجتماعية والأنساق الثقافية، على هذا النحو، فإن ثمة ارتباطاً أكيداً بينهما وبين أنماط الحكم: الأوليغارشية والاستبدادية والملكية المطلقة أو المقيدة والجمهورية والديمقراطية، بل إن المرء ليميل إلى القول بأن أنماط الحكم هي النتيجة المنطقية والمحصلة النهائية للعلاقات الاجتماعية الثقافية. أي إن نمط الحكم لا يعدو كونه إعادة إنتاج هذه العلاقات الاجتماعية الاقتصادية والتحيزات الثقافية في الحقل السياسي.

في ضوء ما تقدم، يمكن أن نقارب هذه العلاقة الجدلية في أوضاعنا الراهنة، أي في بيئة الدولة الاستبدادية التسلطية القائمة على الاحتكار الفعال، لا لمصادر السلطة والثروة والقوة فحسب، بل للحقيقة والوطنية أيضاً. الأوضاع التي يمكن تلخيصها باجتماع الرأي والسيف في يد واحدة. ولا نريد أن نكرر ما بات معروفاً من ارتباط العلاقات الاجتماعية التقليدية بأنساق ثقافية مغلقة على حقائقها النهائية الناجزة التي تحكمها جميعاً رؤية مشتركة إن لم نقل واحدة للعالم. بل نشير إلى حقل معرفي جديد، في الفكر السياسي، وفي علم الاجتماع السياسي، واجتماعيات الثقافة، ذلكم هو حقل الدولة التسلطية والمجتمع الجماهيري، مجتمع المسيرات المليونية والهتافات الببغاوية، والثقافة الجماهيرية. ولعل ثقافة الحوار التي أميل إلى وصفها بالثقافة المدنية، أو ثقافة المجتمع المدني، أو الثقافة الديمقراطية، تكون مدخلنا إلى ذلك. ولا معنى لثقافة الحوار إن لم تؤسس لتغيير اجتماعي سياسي، وصفت أهم خصائصه. ولا أمل إن لم تستعد الثقافة جذرها الجدلي ونسغها الأخلاقي، وإن لم يكن الإنسان مركز دائرتها والحرية والحقيقة مبدأها وغايتها.

تضايف الحوار والثقافة الذي ينتج عنه تركيب "ثقافة الحوار" يعيدنا مرة أخرى، في موضوع ثقافة الحوار، إلى خصائص المضاف إليه، أي إلى خصائص الحوار الذي لا يكتمل ولا يعطي ثماره المرجوَّة ما لم تجتمع أركانه الثلاثة معاً: الحوار مع الذات والحوار مع الآخر والحوار مع العالم، بالشروط التي أشرنا إليها، فإذا اقتصر الحوار على أحد هذه الأركان، أو غاب عنه أحدها أفضى، في كل حالة على حدة، إلى نتيجة مختلفة. فالحوار مع الذات من دون الحوار مع الآخر ومع العالم، يؤدي إلى الاستبداد الذي يلازمه تخثر التاريخ وركود المجتمع وانحطاط الثقافة. والحوار مع الآخر من دون الحوار مع الذات ومع العالم، يؤدي إلى الغطرسة والاستعلاء ويقابلهما الانقياد والتبعية. والحوار مع العالم من دون الحوار مع الذات ومع الآخر يؤدي إما إلى إعادة إنتاج عبودية الإنسان لعالمه الموضوعي، وإما إلى نوع من "حرية" قطيعية أو إلى فوضى لا يحدها حد ولا ينظمها قانون، أي إنه يؤدي إما إلى بروميثيوس المقيد وإما إلى بروميثيوس الطليق، وكلاهما وجهان للعملة ذاتها، فالحرية المطلقة هي عبودية مطلقة. ومن ثم فإن ثقافة الحوارهي النتيجة الضرورية أو المنتوج الضروري أو الناتج الضروري عن هذه الأركان مجتمعةً. والثقافة التي تمهد لتغييرات جذرية في حياة الأمة وتضعها على خط التقدم، أو خط تجاوز الحاضر، هي الثقافة التي تتوفر على إمكانات الحوار مع الذات ومع الآخر ومع العالم في الوقت ذاته. وفي ضوء ذلك يمكن القول: إن الثقافة الجماهيرية، ثقافة الدولة التسلطية القائمة على حكم الأوليغارشية أو حكم الطغمة أو حكم الحزب الواحد هي ثقافة تقتصر على الحوار مع الذات ناقصاً استقلال الوجدان وجهاد المعرفة، ثقافة انفكت فيها الروابط الضرورية بين الفكر والأخلاق والسياسة، وتحول فيها الفكر إلى أيديولوجية يروجها إعلام ناقص وكاذب يغطي أو يكاد يغطي الحقل الثقافي كله، حتى ليمكن القول: إن الثقافة الجماهيرية هي مجرد إعلام ودعاية لأوهام ذاتية رفعت إلى مصاف الحقائق الكلية، والنهائية وإلى مصاف المقدسات، يكتفي المرسل والمتلقي فيهما بالتكرار الببغاوي مصحوباً بعدم المبالاة. المرسل يكذب ولا يبالي، والمتلقي يعرف أنه يتلقى أكاذيب ولا يبالي. وليس بوسع ثقافة كهذه أن تعيش إلا في كنف البوليس السري والإرهاب، ولذلك يصح أن يطلق عليها اسم "ثقافة الخوف". ولعل الفارق المعرفي والأخلاقي بين الثقافة الديمقراطية والثقافة الجماهيرية أن الأولى مبدؤها النقص والثانية مبدؤها الكمال. والكمال هو مبدأ الاستبداد من أي جهة أتى. الثقافة الجماهيرية هي ثقافة إفقار الإنسان وتقفيره، إفقار الفرد والمجتمع وتقفيرهما، أي تحويلهما إلى قفر تتناوح فيه رياح البؤس والشكوى والتذمر المكتوم، لإغناء الحاكم الذي كلما ازداد غنى يزداد الشعب فقراً، وكلما ازداد رفعة وسمواً يزداد الشعب وضاعة ومهانة. لذلك نضع الثقافة الديمقراطية، أو ثقافة المجتمع المدني، بوصفه فضاء مشتركاً من الحرية، في معارضة الثقافة الجماهيرية السائدة في بلادنا، ثقافة الدولة التسلطية. والثقافة الديمقراطية ليست معطى ناجزاً، وإن تكن مبادئها وممفاهيمها ومقولاتها مبثوثة في تجارب المجتمعات الحديثة وفي فكرها وثقافتها، بل هي ما ينتجه الحوار مع الذات ومع الآخر ومع العالم، بشروط الزمان والمكان ودرجة نمو المعرفة والعمل. ولذلك كانت حرية الفكر والضمير غير المحدودة بأي حد وغير المقيدة بأي قيد سوى حد الفكر والضمير وقيدهما، شرطاً ضرورياً للانتقال الواجب والممكن من الثقافة الجماهيرية إلى الثقافة الديمقراطية، وشرطاً لازماً وضرورياً للانتقال التدريجي إلى نظام اجتماعي سياسي ديمقراطي. فكل مشروع سياسي لا بد أن يمهد له ويواكبه ويلازمه مشروع ثقافي. والمشروع الثقافي المطلوب اليوم هو مشروع نقد وتأسيس يعيد إنتاج العلاقات الضرورية بين الفكر والأخلاق والسياسة.

 

جاد الكريم الجباعي

‏08‏‏/‏12‏‏/‏2001‏