محنة العقل .. محنة الأخلاق

 

جاد الكريم الجباعي

في البلدان الديمقراطية، حيث المجتمعات المدنية الحديثة، يتساوى جميع المواطنين أمام القانون، بصفتهم كل شيء؛ أي بصفتهم أساس الدولة وحقيقتها ومضمونها. وبقدر ما يكون هؤلاء أحراراً تكون دولتهم حرة وقوية ومنيعة. وفي البلدان المتأخرة حيث التسلط والاستبداد يتساوى جميع المواطنين أيضاً، ولكن بصفتهم لا شيء. فالاستبداد استلاب ناجز للشعب.

 المواطنون في البلدان الديمقراطية هدف جميع وظائف الدولة، وهدف عملية الإنتاج الاجتماعي التي تحدد تلك الوظائف؛ والرعايا في عالم الاستبداد وسيلة أو وسائل لغايات المستبد الشريفة وأهدافه النبيلة. ومادة لتظيهر عظمته ومجده؛ وضاعتهم دليل عظمته وضعفهم دليل قوته. الدولة الديمقراطية قوية بشعبها، ودولة الاستبداد قوية على شعبها، ولذلك تجدها قابلة للاختراق وقابلة للاستعمار. فلم تكن قوة الشعوب الغالبة في يوم من الأيام سوى ضعف الشعوب المغلوبة التي لم يترك لها الاستبداد ما تدافع عنه.

المواطنون في البلدان الديمقراطية ذوات حرة متساوية في الحقوق وفي الكرامة الإنسانية، تشارك بنشاط في الحياة العامة؛ فللبطاقة الانتخابية قوة سياسية لا تقل عن قوة العملة الوطنية في الاقتصاد. والرعية في عالم الاستبداد موضوع، والرعايا موضوعات لإرادة المستبد الخيرة وذاته الإلهية، فلا ترقى منزلتها ومنزلتهم فوق منزلة الأتباع والعبيد. ومن ثم فإن دوام الاستبداد وألفة الرعايا له تجعل من أخلاقهم أخلاق أتباع وعبيد. والعبد هو من ضعف روحه وقلت حيلته فأتبع نفسه لغيره. الاستبداد والعبودية صنوان، هكذا كانت الحال في الماضي، وكذلك هي اليوم. فالاستبداد هو الاستبداد في كل زمان ومكان، والعبودية هي العبودية في كل زمان ومكان.

في النظم الديمقراطية، نحن إزاء دولة الشعب التي يرى فيها كل مواطن صورته السياسية وموطن اعتزازه الأدبي، وفي النظم الاستبدادية نحن إزاء شعب الدولة الذي لا ترى فيه الدولة سوى مادة صلصالية طيعة ووضيعة تستجيب بيسر لإرادة المستبد. بل إن بعض أنظمة الاستبداد العربية غدت كإله إسرائيل تختار شعوبها، وتتعامل مع بقية الهمل والرعاع على أنهم فائضون عن الحاجة، فتقذف بهم في مهاوي الفقر والفاقة والجهل والمرض والإهمال؛ ونسبة هؤلاء لا تقل عن ثمانين بالمئة من السكان. الدول الديمقراطية هي تلك التي نرغب في الهروب إليها، والدول الاستبدادية هي تلك التي نرغب في الهروب منها، إذ لا يترك الاستبداد للمواطنين سوى الرغبة في الهروب لمن لا يستطيع إليه سبيلاً.

الاستبداد المعاصر كسلفه القديم، يقوم على احتكار الثروة والسلطة والقوة، ووضع اليد على جميع المرافق العامة، وعلى جميع مجالات الحياة، ويمتص قوة عمل المجتمع، وقوته العددية والتنظيمية، ويجعلها قوته الخاصة، ويختزل الوطن كله في شخص المستبد. ويلتمس لنفسه المشروعية من عقيدة دينية أو عقيدة سياسية، قومية أو اشتراكية يفرضها على المجتمع كله بالعسف والإكراه. ولكي يستتب له الأمن يصطنع جيشاً جراراً وظيفته الوحيدة "حماية الثورة" وما أدراك ما الثورة، ثم يصطنع قوى للأمن علنية وسرية، وهذه تصطنع جيشاً من المخبرين والوشاة يتكاثر كالخلايا المسرطنة.

يقتل الاستبداد في الإنسان شخصه القانوني، إذ يسلبه جميع حقوقه، ثم يقتل فيه شخصه الأخلاقي، فتنغلق دائرة الاستبداد؛ ويغدو بالإمكان إعادة إنتاجه إلى ما شاء الله. نظام الاستبداد نظام امتيازات ومنح وعطايا وهبات ومكرمات يغدقها المستبد على الموالين والأتباع، فيجعل منهم مستبدين صغاراً، ويجعلون منه مستبدا عظيماً، أين من عظمته عظمة الخالق جل جلاله. وما كان بوسع الاستبداد أن يقتل الشخص الأخلاقي في الإنسان لو لم يتمكن من قتل الشخص القانوني فيه، ولو لم يزعزع قاعدة الحقوق الطبيعية والمدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولو لم يهتك جميع الروابط الإنسانية والاجتماعية، ويقضي على جميع أشكال التضامن والتكافل، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. أبسط حقوق الإنسان والمواطن وأكثرها بداهة تغدو هبات ومنحاً وعطايا ومكرمات من واجب من ينالونها أن يلهجوا بالشكر والعرفان على النحو الذي يرضي غرور المستبد ويقنعه بأنه يملك البلاد والعباد. لذلك تراه لا يرضى بأقل من المسيرات المليونية تفديه "بالروح والدم"، ولا بأقل من أن يحتفل الشعب كله بيتاً بيتاً وفرداً فرداً بيوم مولده المجيد. يفرح المستبدون بتحويل شعوبهم إلى قطعان، من دون أن يدروا أن الحاكم هو المحكوم، وأن الظالم هو المظلوم، ومن دون أن يدروا أن ضعف شعوبهم الفعلي هو قوتهم الوهمية.

قتل الشخص القانوني في الإنسان مقدمة ضرورية لقتل شخصه الأخلاقي، وتحويله إلى فم يأكل ويمدح ولسان يشي (من الوشاية) ويدين تصفقان، فنظام الاستبداد ينتج الوشاة والمخبرين والجلادين والضحايا والموالين والأتباع. وشر الأخلاق أخلاق الوشاة والمخبرين. قال الكواكبي في هذا، قبل مئة عام: إن "الاستبداد يتصرف في أكثر الأميال الطبيعية والأخلاق الحسنة، فيضعفها أو يفسدها أو يمحوها؛ فيجعل الإنسان يكفر بنعم مولاه، لأنه لم يملكها حق الملك ليحمده عليها حق الحمد، ويجعله حاقداً على قومه، لأنهم عون على بلاء الاستبداد عليه، وفاقداً حب وطنه، لأنه غير آمن على الاستقرار فيه ويود لو انتقل منه، وضعيف الحب لعائلته لأنه ليس مطمئناً على دوام علاقته معها، ومختل الثقة بصداقة أحبابه لأنه يعلم أنهم مثله لا يملكون التكافؤ، وقد يضطرون لإضرار صديقهم بل وقتله وهم باكون. أسير الاستبداد لا يملك شيئاً ليحرص على حفظه، لأنه لا يملك مالاً غير معرض للسلب، ولا شرفاً غير معرض للإهانة..."

قتل الشخص القانوني ثم قتل الشخص الأخلاقي في الإنسان هو قتل روح الاجتماع المدني وروح المواطنة؛ ولذلك قيل من لا يدافع عن قوانين بلاده لا يحسن الدفاع عن وطنه، ومضمون القوانين التي يجدر بالمواطنين أن يدافعوا عنها هو الحقوق ومعيارها هو العدالة، والعدالة هي التجسيد الواقعي للمساواة. فما قولكم في بلاد قوانينها هي إرادات الحكام ونزواتهم الفردية التعسفية؟ فعم يدافع المواطنون؟ وعم يدافع المهمشون المذلون المهانون المنبوذون من عالم الثقافة والسياسة ومن لا حول لهم ولا طول؟ هل سمعتم عن سلطات تحتكر الوطنية وتخوِّن شعوبها سوى في عالم الاستبداد المحدث المنبعث من جوف التاريخ؟.

لقد كانت هزيمة حزيران 1967 نعمة على معظم الحكام العرب، ولا سيما التقدميين والثوريين منهم، ونقمة على الأمة العربية؛ (نستثني عبد الناصر الذي حمل نفسه مسؤولية الهزيمة واستقال من منصبه). والعدوان الأمريكي الذي استقدمه النظام العراقي على العراق كان نعمة على بعض الحكام العرب، ولا سيما النظام العراقي نفسه، ونقمة على الأمة العربية، وعلى الشعب العراقي خاصة. العدوان الخارجي أو التهديد الخارجي يعزز الاستبداد ويغذيه، والاستبداد يستقدم العدوان الخارجي ويوفر له مقومات النصر. العدوان الخارجي يقدم للمستبد ذريعة "وطنية" لقمع أي شكل من أشكال المعارضة وأي مظهر من مظاهرها ووصم معارضيه بالعمالة والخيانة الوطنية. والاستبداد يقدم الذرائع للعدوان الخارجي، ثم يقدم له البلاد لقمة سائغة. والمستبدون ينتصرون دوماً حين تنهزم شعوبهم وتستباح أمتهم، فيعقدون لأنفسهم أكاليل الغار، ويقيمون لأنفسهم النصب والتماثيل تطاول السماء.

أسير الاستبداد، كما يسميه الكواكبي، "لا يذوق في الكون لذة نعيم غير بعض الملذات البهيمية. بناء عليه يكون شديد الحرص على حياته الحيوانية، وإن كانت تعيسة، وكيف لا يحرص عليها وهو لا يعرف غيرها". تلكم هي ذروة الاستلاب، إذ تصير الحياة الحيوانية التي قوامها المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمعاشرة الجنسية هي الحياة الإنسانية والاجتماعية. الحياة الحيوانية الفعلية تغدو الحياة الإنسانية الوهمية، والحياة الإنسانية الفعلية تغدو حياة حيوانية. و "ربما يستريب المطالع اللبيب الذي لم يتعب فكره في درس طبيعة الاستبداد من أن الاستبداد المشؤوم كيف يقوم على قلب الحقائق؛ مع أنه إذا دقق النظر يتجلى له أن الاستبداد يقلب الحقائق في الأذهان. ويرى أنه كم مكن بعض القياصرة والملوك الأولين من التلاعب بالأديان تأييداً لاستبدادهم، فاتبعهم الناس. ويرى أن الناس وضعوا الحكومات لأجل خدمتهم، والاستبداد قلب الموضوع فجعل الرعية خادمة للرعاة فقبلوا وقنعوا. ويرى أن الاستبداد استخدم قوة الشعب، وهي هي قوة الحكومة، على مصالحهم لا لمصالحهم، فرضوا ورضخوا. ويرى أنه قد قبل الناس من الاستبداد ما ساقهم إليه من اعتقاد أن طالب الحق فاجر وتارك حقه مطيع، والمشتكي المتظلم مفسد، والنبيه المدقق ملحد، والخامل المسكين صالح أمين. وقد اتبع الناس الاستبداد في تسمية النصح فضولاً والغيرة عداوة والشهامة عتواً والحمية حماقة والرحمة مرضاً، كما جاروه على اعتبار أن النفاق سياسة والتحيُّل كياسة والدناءة لطف والنذالة دماثة". وقس على ذلك قلب الحقائق في الأذهان على كل صعيد.

وصعيد الأخلاق أشدها خطراً، ففي الأخلاق الذاتية والموضوعية على السواء تتجسد ماهية الإنسان، وفيها تتجلى خصائصه النوعية وروحه الإنساني وحاجته إلى الاجتماع وإلى الآخر الذي هو هو. والاستبداد يمسخ ماهية الإنسان ويهبط بها إلى مصاف الحيوان، يطفئ الروح الإنساني ويمزق روابط الاجتماع، حتى ليغدو الآخر مريباً ومنافساً وعدواً لا يوثق به ولا يؤمن جانبه، لا تجسيداً لماهية الإنسان ومرآة للذات؛ فيكف الناس عن السعي إلى الاكتمال بالآخر، ويستعيضون عن ذلك بالتماهي بالمستبد واستبطان أخلاقه واصطناع أساليبه في علاقاتهم الاجتماعية والإنسانية، حتى الأكثر حميمية وخصوصية منها. "ولا تكون الأخلاق أخلاقاً ما لم تكن مَلَكَة مطردة على قانون فطري تقتضيه أولاً وظيفة الإنسان نحو نفسه، وثانياً وظيفته نحو عائلته، وثالثاً وظيفته نحو قومه، ورابعاً وظيفته نحو الإنسانية، وهذا القانون هو ما يسمى عند الناس بالناموس. ومن أين لأسير الاستبداد أن يكون صاحب ناموس" وهو لا إرادة ولا نظام؟ أسير الاستبداد لا نظام في حياته فلا نظام في أخلاقه. الاستبداد والفوضى توأمان، والحياة في ظل الاستبداد محكومة بالفوضى والاعتباط وانتهاز الفرص السانحة ولو على حساب الأقربين. فكيف تكون أخلاق حسنة لمن هذه حاله؟.

"أقل ما يؤثره الاستبداد في أخلاق الناس أنه يرغم حتى الأخيار منهم على ألفة الرياء والنفاق، ولبئس السيئتان، وأنه يعين الأشرار على إجراء غيِّ نفوسهم آمنين من كل تَبِعة، ولو أدبية، فلا اعتراض ولا انتقاد ولا افتضاح، لأن أكثر أعمال الأشرار تبقى مستورة، يلقي عليها الاستبداد رداء خوف الناس من الشهادة على ذي شر، وعقبى ذكر الفاجر بما فيه. ولهذا شاعت بين الأسراء قواعد كثيرة باطلة، كقولهم: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، وقولهم: البلاء موكول بالمنطق. وقد تغالى وعَّـاظهم في سد أفواههم حتى جعلوا لهم أمثال هذه الأقوال من الحكم النبوية؛ وكم هجوا لهم الهجو والغيبة بلا قيد، فهم يقرؤون: "لا يحب الله الجهر بالسوء من القول" ويغفلون بقية الآية وهي (إلا من ظلم).

الاستبداد محنة للعقل والأخلاق.

دمشق/ تلفاكس/ 6711599 11 00963

E.Mail  jebaae@ scs-net.org