واقع السياسة وآفاقها

 

جاد الكريم الجباعي

يطرح في سورية اليوم سؤال "العمل السياسي" علناً، في ظل انفراج نسبي أتاح هامشاً لا يزال ضيقاً على مثل هذا السؤال، هامشاً محدوداً بجملة من "الخطوط الحمراء" تضعها إرادات فردية تدعي كل واحدة منها أنها هي "الدولة". (في فرنسا ما قبل الثورة كان رجل واحد فقط يقول: "أنا الدولة"، هو لويس الرابع عشر). لنسجل هنا، قبل المضي في الحديث، أن الإرادة الفردية تعسفية دوما،ً ونزوية ومحكومة بمصلحتها الخاصة، ولا سيما حين تدعي أنها تمثل الإرادة العامة، وأنها وحدها المؤتمنة على المصلحة الوطنية، وأنها السيادة المطلقة المعصومة عن الخطأ والتي لا تنقسم ولا تنتقل. ولنسجل أيضاً، أنه حيث تكون هناك خطوط حمراء أو صفراء أو خضراء غير التي يضعها القانون، لا يكون هناك قانون، ومن ثم لا يكون هناك دولة، بل سلطة عارية وتعسفية فحسب، فالقانون هو ماهية الدولة وروح الشعب. ولنسجل أخيراً أنه حيث تكون هناك إرادات فردية تدعي كل منها مثل هذا الادعاء يكون الجسم السياسي متهتكاً وممزقاً، (يطلق على هذه الحال اسم "شخصنة السلطة في جميع مستوياتها). هذه الملاحظات الأولية تحدد ثلات سمات أساسية للوضع السياسي في سورية: أولها، غلبة الإرادة / الإرادات الفردية على الإرادة العامة، على كل صعيد (سلطة الأمين العام في الحزب السياسي مثال ساطع)، ومن ثم غلبة المصلحة / المصالح الخاصة على المصلحة العامة؛ مما يقلص، بل يلغي دور المؤسسة التشريعية والمؤسسات الرقابية، على صعيد الدولة، ودور المؤتمرات الحزبية على صعيد كل حزب بمفرده، ودور الجمعية العامة أو المؤتمر العام على صعيد النقابات والمنظمات الشعبية. ودور الشعب الذي يغدو مجرد كتلة سلبية هامدة، أو "جماهير" هي موضوع مطاوع ومادة صلصالية لهذه الإرادات والمصالح. والثانية غياب القانون الذي يتساوى أمامه الجميع، بلا تميز في الحقوق. وبمكن القول إن الحياة السياسية محكومة بنوع من "حالة طوائ" شاملة تعطل جميع الأنظمة والقوانين. والثالثة، ترهل الجسم السياسي وتهتك علاقاته الداخلية، ومن ثم تشظي الحقل السياسي المجتمعي، حتى باتت الأحزاب السياسية بنى موازية للبنى التقليدية المغلقة والمتحاجزة.

فما هو تعريف السياسة الذي يمكن أن تقرأ في ضوئه وبدلالته هذه السمات؟ يذهب بعضهم إلى أن السياسة هي "فن إدارة الدولة"، أو "فن إدارة البشر والأشياء"، على نحو لا يختلف معه البشر عن الأشياء، هؤلاء يضعون الدولة فوق المجتمع وخارجه؛ الدولة ذات، والبشر والأشياء معاً مادة وموضوع. ويذهب آخرون إلى أنها "فن إدارة المجتمع"، وهؤلاء يضعون المجتمع في معارضة الدولة. ويقول بعضهم : "السياسة فن الممكن" لتسويغ تصالحهم مع الوضع القائم، والممكن في هذا التعريف "الفصيح" هو المتاح فحسب، ومن ثم فالسياسة هي فن المتاح، وهو معنى مبتذل يلخصه المثل الشعبي: "من يأخذ أمي يصير عمي". قديماً، عرف الإغريق السياسة بأنها "مجموعة من المسؤوليات والواجبات ملقاة على عاتق مواطن، حر، هو عضو في الدولة". كان يمكن ألا نصف المواطن بأي صفة؛ لأن مفهوم المواطن، الذي قامت عليه فكرة الدولة الحديثة، يتضمن الحرية وعضوية الدولة، أو المشاركة الإيجابية في الشأن العام؛ ومن ثم، فـ السياسة مرادفة للمواطنة وملازمة لها. العبيد لم يكونوا مواطنين، ولم يكونوا أعضاء في الدولة، ولم يكونوا جزءاً من عالم السياسة، بل عبيد فحسب. والعبد، عند أرسطو، هو "من ضعف روحه وقلت حيلته وأتبع نفسه لغيره". رعايا الحكومات المستبدة لم يكونوا يختلفون، وهم لا يختلفون اليوم، في الشرط السياسي، عن العبيد. عند ماركس، السياسة "اقتصاد مكثف". ولا يذهبن الظن إلى أن الاقتصاد هو علم الاقتصاد، بل عملية إنتاج الخيرات المادية والثروة الروحية بالتلازم الضروري، عملية محددة ومحكومة بشكل ملكية وسائل الإنتاج ونمط تقسيم العمل وطابع العلاقات الاجتماعية. الإنسان، عند ماركس، ينتج عالمه ويصنع تاريخه، وينتج ذاته في العالم وفي التاريخ. ومن ثم، فإن السياسة فاعلية اجتماعية ومجتمعية حرة وواعية وهادفة، ملازمة لعملية الإنتاج الاجتماعي التي تحدد على نحو واضح مواقع الأفراد والفئات والطبقات الاجتماعية وأدوارهم وأساليب مشاركتهم في الحياة العامة. وهي، إذا شئتم، الشكل الأخير والأعلى والأكثر تجريداً للوجود الاجتماعي المباشر، ينتجه المواطنون لأنفسهم على أنه تحديدهم الذاتي. (الصراع الطبقي، مفهوماً فهماً صحيحاً، يكمن هنا، بصفته محرك التاريخ الذي هوتنويعة على أشكال الاجتماع، أو سمفونية متموجة على لحن التشكُّل). والثقافة والأخلاق معاً هما شكل التوسط بين الوجود الاجتماعي المباشر وشكله السياسي، لذلك يظن بعضهم أن السياسة تنبثق مباشرة من الثقافة أو من الأخلاق، وأن الواقع يشتق من الفكر.

البحث الجدي في السياسة هو الذي يتعدى الشكل إلى المضمون، أي إلى الوجود الاجتماعي المباشر، إلى المجتمع المدني، أو الأمة، وهما بمعنى واحد، إلى الكينونة الاجتماعية في العالم وفي التاريخ. إلى هذه المنطقة المعتمة، أو المجهولة، حيث تتشابك مختلف الظاهرات وتتداخل ويفضي بعضها إلى بعض. ففي المجتمع المدني، بما هو فضاء من الحرية، نعثر على أسس جميع التنظيمات الاجتماعية والسياسية، وعلى مبدئها الأول، "عشوائية الصغائر" التي تؤول إلى "انتظامية الكبائر"، وفق قوانين المجموعات الحرة التشكلية، الاحتمالية دوماً. المجتمع المدني حصراً، مجتمع المواطنين الأحرار، هو مضمون السياسة، وهو الذي ينتجها بصورة مباشرة وغير مباشرة في سيرورة إنتاج معاشه وأشكال وجوده. والأساس الطبيعي للمجتمع والدولة هو الفرد الطبيعي (ذكراً وأنثى) المسوق بسائق حاجاته ورغباته ونزواته، والمواطن الذي يتوق إلى الحرية والعدالة والمساواة. وبالقانون وحده ارتقى الإنسان ويرتقي من فرد طبيعي إلى مواطن. التعارض بين الفرد الطبيعي والمواطن هو الذي وضع ضرورة القانون، بصفته تعبيراً عما هو عام ومشترك بين الأفراد المختلفين، وتسوية تاريخية بين مصالح مختلفة ومتعارضة. السياسة والقانون صنوان. وحيث لا يوجد قانون لا توجد سياسة، بل عسف وقهر وإخضاع وإكراه واستعباد. فإشكالية العمل السياسي في سورية تكمن في عدم وجود قانون ينظم الحياة السياسية، على الرغم من نصوص الدستور الصريحة في هذا المجال، بوجه خاص، وفي مجال الحقوق والحريات الأساسية، بوجه عام. والدستور، كما هو معلوم حاكم على جميع القوانين، لأن الشعب هو الذي يضع الدستور بوساطة ممثليه في المؤسسة التشريعية، ولا تصير الدساتير نافذة إلا بعد استفتاء الشعب عليها. في حين تضع الحكومة أو السلطة التنفيذية القوانين التفصيلية في ضوء الدستور؛ ولأي مواطن حق الطعن في القوانين غير الدستورية.

معنى السياسة المستقر في اللاشعور السياسي العربي الإسلامي، الذي تفصح عنه الممارسة، هو المعنى السلطاني أو الأميري، الذي يتمحور على "العقيدة والعشيرة والغنيمة"، بحسب الجابري في كتابه المهم "بنية العقل السياسي". وتعززه دلالة الفعل "ساس" في العربية، وهي الترويض والتذليل. أو مفهوم "الأمر" الذي استدل به الفقهاء على مفهوم الحكم، ومنه اشتق الأمير. ويمكن استخلاص هذا المعنى اليوم من بنية الدولة القائمة هنا والآن، ومن الممارسة السياسية التي لا تخفى على بصير.

وفق أي معنى من هذه المعاني يمكن مقاربة واقع السياسة والعمل السياسي، في سورية اليوم، من أجل استشراف آفاقها؟ لعله أدعى إلى الموضوعية أن نقاربها وفق هذه المعاني جميعاً بوصفها أدوات تحليل، مع أن لكل منها حمولة أيديولوجية، كثيفة أحياناً، يجب الاحتراس منها، فضلاً عن انتماء كل منها إلى مذهب من مذاهب الفكر السياسي المعروفة. وفي أثناء العمل فقط تتبين صلاحية هذا المفهوم أو ذاك أو عدم صلاحيته. هل هذا جائز؟ ألا يرى فيه بعضكم خللاً منهجياً؟ أنا لا أرى ذلك، ولكن، لعل وضعاً هجيناً ومختلطاً يستدعي مثل هذا الإجراء.

إذا كان ثمة علاقة بين السياسة وعملية الإنتاج الاجتماعي فإن المنطق يقتضي أن نحلل الظاهرات القائمة أمامنا والتي نحن جميعاً جزء منها، أسهمنا في إنتاجها، بعضنا بالسلب وبعضنا الآخر بالإيجاب، ومن ثم فنحن جميعاً مسؤولون عنها على تفاوت في درجات المسؤولية. فهي نتائج سياساتنا جميعاً. إننا إزاء حساب البيدر الذي يصوب حساب الحقل، وإزاء مساءلة الأهداف في ضوء النتائج. وهنا تغدو الموضوعية افتراضاً يحتاج إلى برهان. أبرز هذه الظاهرات، كما أرى، هي تلك التي أجمع عليها المهتمون بالشأن العام، وهم قلة، في السلطة وخارجها، أعنى:

1. الركود الاقتصادي، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، حتى بات المجتمع منقسماً إلى خمس من الأغنياء مقابل أربعة أخماس من الفقراء، يعيش جزء مهم منهم تحت خط الفقر، يقدره بعضهم بنحو 50% من عدد السكان، فضلاً عن البطالة التراكمية السافرة والمقنعة. وهو ركود نجم عن تشوهات بنيانية في عملية الإنتاج الاجتماعي أفضت إلى تعطيل القوى المنتجة، وتحويل المجتمع إلى نوع من "مجتمع بلا طبقات". وهذان التعطيل والتحويل مهدا السبيل لاختراق المجتمع المدني وتنسيق بناه وتحويلها إلى بنى موازية لبنى الدولة التسلطية تغذيها وتتغذى منها. وأعني ببنى الدولة التسلطية الجبهة الوطنية التقدمية والنقابات والمنظمات الشعبية والمؤسسة المشيخية أو مؤسسة الدين الوضعي، وكل ما يندرج في الحالة "الجماهيرية. وكان مجال الدولة / السلطة، ولا سيما القطاع الاقتصادي الدولتي، هو المجال الذي أعيد فيه تنضيد القوى الاجتماعية وتنسيقها، والتربة التي نبت فيها الفساد ونما وترعرع، بحكم مبدأ "الاحتكار الفعال للسلطة والثروة والقوة في المجتمع" بحسب خلدون حسن النقيب.

2. الفساد الذي لم يعد مجرد انحطاط أخلاقي، بل عنصر ثابت وحاسم في العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، هو ظاهرة نجمت عن الاستهانة بالقانون، و حلول الامتيازات محل الحقوق، وغياب مبدأ المحاسبة، والتضحية بمبدأ الجدارة والاستحقاق، و التمييز بين المواطنين على أساس الانتماء الحزبي والولاء الشخصي، حتى خفِّضت المواطنة إلى مستوى الحزبية الضيقة، أو العصبية الحصرية والإقصائية في آن. وإذا كان الفساد أحد أمراض الإدارة العامة، بحكم النظام التراتبي وإمكانية نمو العنصر البيروقراطي، وبحكم "النفس الأمارة بالسوء"، فإن فساد القضاء وتبعيته المطلقة للسلطة التنفيذية، وفساد مؤسسات التربية والتعليم وتدني سويتها العلمية والأخلاقية. وفساد مؤسسات الرعاية الاجتماعية والصحية، وفساد المؤسسات الإنتاجية، هي أعراض مرض الدولة الخبيث. ولعل أخطر أنواع الفساد هو فساد التربية والتعليم. (يوم اجتاح نابليون ألمانيا، كان الفيلسوف الألماني فيخته يقول: "لقد خسرنا كل شيء، ولكن تبقى لنا التربية). ويبدو أن السلطة لا ترغب، حتى اليوم، في معالجة هذه الظاهرة، أو وضع حد لها. وإذا كان هناك من يرغب في ذلك فهو لا يستطيع، ومن لا يستطيع ليس له سلطة، مثلنا جميعاً. الفساد هو النتيجة النهائية للسمات الثلاث آنفة الذكر. بل إن جذوره تضرب عميقاً في تربة السياسة السلطانية ذات السحنة المملوكية العثمانية، التي تقوم على مبدأ التبعية والولاء الشخصيين. وفي بنية الدولة الشمولية، أو الدولة التسلطية، التي تقوم على مبدأ "الاحتكار الفعال للثروة والقوة والسلطة في المجتمع".

3. غياب القانون بصفته تجريد العمومية وتعبيراً عن الكلية الاجتماعية: القانون هو الحاضنة الضرورية لإنتاج السياسة، والقوة الوحيدة القادرة على تنظيم العمل السياسي وإكسابه طابعاً مدنياً وعلنياً وسلمياً؛ بدونه تنتكس الجماعة إلى الحالة الطبيعية، أي إلى حالة الفوضى وشريعة الغاب. وهو شرط الحرية وضمانتها، لأنه ماهية الدولة الحديثة والنسيج الضام للمجتمع المدني. ليس في سورية أي حزب يتمتع بصفة "قانونية" سوى حزب البعث العربي الاشتراكي، بصفته قائداً للدولة والمجتمع ويقود جبهة وطنية تقدمية، بحسب مقدمة الدستور. ومن ثم ليس هناك أي إطار "قانوني" للعمل السياسي سوى إطار الجبهة. فالسمة الأساسية للعمل السياسي هي الجزئية. والجزء لا يحدد الكل. جميع الأحزاب والتنظيمات السياسية التي خارج الجبهة غير قانونية، وكذلك أي حزب من أحزاب الجبهة، أو جزء من حزب، يخرج من إطارها لسبب من الأسباب. ومن ثم فإن جميع المواطنين غير المنضوين في أحزاب الجبهة ممنوعون من ممارسة العمل السياسي، أي من المشاركة الإيجابية في الحياة العامة. وما ظاهرة الاعتقال السياسي والتوقيف التعسفي وتدخل أجهزة الأمن في عمل جميع مؤسسات الدولة وفي الحياة الخاصة للمواطنين سوى نتيجة غياب القانون بصفته تجريد العمومية. ولا تزال السلطة تنظر إلى مطلب الإصلاح الدستوري على أنه جريمة سياسية، وتجاوز للخطوط الحمر.

4. تحول جميع الأحزاب السياسية، وفي مقدمها حزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب الشيوعي السوري من الفعل إلى الانفعال، فضلاً عن تشرذمها تعبيراً عن تشظي الحقل السياسي المجتمعي، وعن انقطاع علاقاتها بالمجتمع الذي يفترض أنها تعبيراته السياسية.

قد تكون هذه من أبرز ظاهرات واقعنا السياسي، ويبدو واضحاً أن كل واحدة منها هي سبب للأخريات ونتيجة لها. قد يرى بعضكم في درجها على هذا النحو المباشر ميلاً إلى إبراز السلبيات. لهؤلاء أقول: السلبي حد يحد الإيجابي ويحد منه، وليس ثمة عاقل يستطيع التحدث عن السلبيات من دون أن يعرف الإيجابيات. ولا وجود للسلبيات من دون إيجابيات، والعكس صحيح. ولكنني أعتقد أن الإيجابي، في السياسة، واجب، والسلبي تقصير في الواجب. ما دام في الإمكان أن نقوم بالواجب.

ليس بوسعنا، في هذه العجالة، أن نحلل الظاهرات والوقائع آنفة الذكر، بقدر ما هي ظاهرات الواقع، لذلك سأقتصر على  مقاربة الظاهرة الأخيرة، التي تعبر عن شلل الحياة السياسية. وأنا أعرف أن هذا مدخل ثانوي، أو باب خلفي. فقد استقر في وعينا جميعاً أن السياسة فاعلية حزبية فحسب، لا فاعلية مجتمعية وشأن عام. أنا لا أرى الأمر كذلك. ولكن لنتسلل، على مألوفنا، من الباب الخلفي؛ أليست السياسة عندنا تسللاً من الباب الخلفي أو من النافذة أو من ثغرة في الجدار؟.

أزعم أن الأحزاب السياسية، القومية والاشتراكية والإسلامية، التي ظهرت عندنا، في النصف الأول من القرن الماضي، ولا تزال قائمة إلى اليوم، تنتمي جميعها إلى الفئات الوسطى التي كانت ولا تزال تؤلف أكثرية الشعب. هذه الفئات الوسطى ملأت الحقل السياسي المجتمعي، في ظل عدم قيام أحزاب تمثل الفئتين أو الطبقتين "الحديثتين"، أو اللتين يفترض أن تكونا كذلك، لولا التأخر التاريخي الذي تمفصل مع الظاهرة الإمبريالية. وأزعم أيضاً أن هذه الأحزاب، التي حملتها الحركة الشعبية الصاعدة في مرحلة "نزع الاستعمار"، كانت ذات بنية أيديولوجية كثيفة، تثوي في قاع كل منها عناصر اجتماعية (طبقية) متقاربة إن لم نقل متماثلة؛ جعلتها تنطلق من الهدف (الوحدة العربية أو الثورة الاشتراكية أو الدولة الإسلامية) إلى الواقع. وكانت من ثم تنظر إلى الواقع على أنه "مادة" أو موضوع لإرادتها الثورية الخيرة. وأزعم أن الصراع على السلطة، والرغبة في تملك الدولة التي كانت حديثة النشوء وحديثة الاستقلال، وصبغها بصبغة الحزب الأيديولوجية، كانت مضامين السياسة الفعلية المتخفية تحت تلك الكثافة الأيديولوجية. وأظن أن كل حزب من هذه الأحزاب كان سيقوم بما قام به حزب البعث العربي الاشتراكي، لو أتيح له ما أتيح لهذا الأخير.

السلطة السياسية، لا المجتمع، كانت حقل الصراع وموضوعه، أو "ميدان التاريخ". ولأن الصراع السياسي كان يدور في داخل الفئات الوسطى أو الطبقة الوسطى، ولا سيما بعد صدور قوانين الإصلاح الزراعي والتأميم، كان لا بد أن ينتهي إلى تدمير القوى المتصارعة. تؤكد ذلك عمليات الانشقاق المتتالية التي شهدتها هذه الأحزاب والصراعات التي دارت داخل كل منها على المشروعية الأيديولوجية، أو على المشروعية الثورية. آية ذلك أن جميع كسور الحزب الواحد كانت ولا تزال تحرص على أن تتسمى باسم الحزب الأم، أو الحزب الأب، وفقاً لأسطورة "قتل الأب". ومنذ عام 1958 كف الصراع بين هذه القوى عن كونه صراعاً سياسياً يجري في المجتمع وتحت قبة البرلمان، وتحول إلى نوع من صراع تعادمي، صار الجيش قوته الأساسية، فتعسكرت السياسة بقدر ما كان الجيش يتسيس ويتحزب. (إن فكرة "الجيش العقائدي" وفكرة "المنظمات الشعبية" اللتين أقرهما المؤتمر القومي السادس لحزب البعث العربي الاشتراكي (1963) تلخصان الموضوع). وما دام الأمر كذلك انكفأت الحركة الشعبية، وراح المجتمع ينظر إلى ما يجري في الحقل السياسي بكثير من السلبية وعدم المبالاة، وطفا على سطح الحياة السياسية تقليد قديم قوامه التأييد السلبي والمعارضة السلبية. وراح الجسم السياسي يضمر شيئاً فشيئاً حتى تطابق أو كاد يتطابق مع السلطة السياسية، وغدا المجتمع خارج عالم السياسة وخارج الدولة التي ضمرت هي الأخرى حتى تطابقت حدودها مع حدود السلطة. ومن البديهي في هذه الحال أن تغدو الحرية مرة أخرى خارج الدولة، فانتعشت البنى والعلاقات الاجتماعية التقليدية، ما قبل القومية، وغدت ملاذاً وهمياً للأفراد المنعزلين والخائفين الذين لم يعد لهم من خيار سوى العزوف أو الفرار. بغير ذلك لا نستطيع تفسير الحركة الارتدادية التي أنتجت الأصولية والتطرف.

الجبهة الوطنية التقدمية كانت في الأفق، بعد حركة 23 شباط 1966 بوصفها النقلة الضرورية لقتل الملك، السيد، في لعبة الشطرنج. جبهة وطنية وتقدمية كل من ليس في إطارها محكوم عليه بعدم الوطنية وعدم التقدمية. كل إثبات هو نفي، تلكم هي لعبة الصفات. الوطنيون التقدميون هنا، الآخرون هناك. (الآخر هو الجحيم).هؤلاء الآخرون مغرضون حاقدون وموتورون وعملاء أيضا،ً بصفتهم أعداء الثورة الاشتراكية. الوطنية والتقدمية تتماهيان وتتحدان في هوية واحدة. من ليس تقدمياً ليس وطنياً. (المواطن بالتعريف هو الحزبي، في أحد أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، على تفاوت في درجة المواطنة) الجبهة الوطنية التقدمية كانت، بقصد أو بغير قصد، محاولة للسيطرة على التنوع والاختلاف. في الليل تغدو جميع البقرات سوداء. الحالة الجماهيرية تتقدم، المجتمع الجماهيري والثقافة الجماهيرية، عنصرا الدولة الشمولية الأساسيان يغدوان واقعاً محققاً. الحزب الشيوعي السوري في الجبهة الوطنية يناضل بلا جدوى من أجل "وجه الحزب المستقل". ويعزز الشمولية، في الوقت ذاته، بما في أيديولوجيته من عناصر ستالينية. ليس تقدمياً من لم يؤمن بأفكار لينين عن تحالف العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين، مع أن لينين لم يحالف أحداً، بل طرد رفاقه من الحزب ومن الدولة، وستالين أرسلهم إلى سيبيريا وإلى المصحات العقلية وإلى حيث لاقوا وجه ربهم فأراحوه واستراحوا. وليس تقدمياً من لم يؤمن بإنجيل ديمتروف "في الجبهة الوطنية" والوطنية عنده هي التقدمية حصراً. السؤال مطروح اليوم على الحزب الشيوعي السوري الأطول باعاً في تنظير التحالفات: هل فكرة الجبهة الوطنية ما تزال تلبي حاجات الواقع؟ وفاتنا أن نسأل: هل قضية الجبهة تقع في دائرة المسموح التفكير فيه، حتى لا نتجاوز الخطوط الحمر؟

الحركة مبدأ الحياة، وهي عند الفلاسفة العرب حركتان: حركة نقلة تفضي إلى التغير والنمو، وحركة اعتماد أقرب ما تكون إلى الدوران حول الذات أو المراوحة في المكان. وفي اعتقادي أن الحركة السياسية عندنا حركة اعتماد، حركة دوران حول الذات؛ وأن الأحزاب "السياسية" يتعاورها عدم التوازن الفعال بين القوى الجاذبة إلى المركز والقوى النابذة أو الطاردة منه؛ فهي إما أحزاب غلبت فيها القوى الطاردة فتشظت وتناثرت، كالحزب الشيوعي السوري والأحزاب الناصرية، وإما أحزاب غلبت فيها القوى الجاذبة إلى المركز فتحولت إلى نوع من ثقوب سوداء، كحزب البعث العربي الاشتراكي، منذ عام 1970. ففقدت في الحالين قوتها ونفوذها، وتحولت إلى أحزاب هامشية، على هامش المجتمع وعلى هامش السلطة، مثلها في ذلك مثل بقية الأحزاب سواء تلك التي خرجت من الجبهة أو التي لم تشارك فيها. أتحدث هنا عن شلل سياسي أو عن موات سياسي سببه الرئيس نزع السياسة من المجتمع، أو طرد المجتمع من عالم السياسة، بإفقاره وتقفيره وإرهابه وتهميشه. ونزع السياسة من المجتمع يعني قتل الشخص القانوني ثم قتل الشخص الأخلاقي في الإنسان، أي قتل روح المواطنة، وقطع الروابط الضرورية بين السياسة وعملية الإنتاج الاجتماعي. فلم تعد السياسة مجموعة من المسؤوليات والواجبات ملقاة على عاتق مواطن حر، هو عضو في المجتمع والدولة. ولم تعد من ثم فاعلية اجتماعية ومجتمعية، وتجريداً للعمومية وشكلاً أعلى للوجود الاجتماعي وتحديداً ذاتياً للشعب السيد، مصدر المشروعية ومصدر جميع السلطات. ولم تعد فوق هذا كله "فن الممكن"، بل فن المتاح. بل غدت علماً على الفساد والركود اللذين يطلق عليهما بعضهم اسم الاستقرار والاستمرار. مع أن الوضع ليس وضع استقرار واستمرار بل تراجع مطرد، ففي كل سنة تنخفض جعالة الغذاء والكساء والصحة والتعليم والسكن للثمانين بالمئة من الشعب بنسبة مركبة لتزايد السكان، وتزايد العاطلين عن العمل، على افتراض ثبات نسبة النمو الاقتصادي ونسبة الهدر والنهب. وأكثر من ذلك إذا نقصت الأولى وزادت الثانية لا سمح الله. ولا سياسة مع الفقر.

تضاف إلى ذلك العوامل الذاتية المتعلقة ببنى "الأحزاب الأيديولوجية القائمة"، أعني الوعي والإرادة والتنظيم، وهذه تحتاج إلى وقفة متأنية لا يتسع لها المجال في هذه العجالة، ولكن لا بد من إثارة السؤال: هل لهذه الأحزاب مستقبل، بما هي عليه، أم إنها باتت شيئاً من الماضي؟ أزعم أن جميع الأحزاب القائمة نفت نفسها جدلياً، أو ألغت نفسها في الوقائع والأوضاع السياسية القائمة؛ ولنقل إنها ألغت نفسها موضوعياً في السلطة والسلطة المضادة، ولم يعد بوسعها سوى الدفاع عن هذه الوقائع والأوضاع العنيدة. وإذا استخدمنا المفردات القديمة يمكن القول: إن جميع الأحزاب القائمة غدت أحزاباً محافظة، تستهلك ما تبقى لها من رصيد، إذا كان لا يزال لها شيء منه في المجتمع. هنا في اعتقادي تكمن مشكلة العمل السياسي. القديم شائخ ومريض والجديد لم يولد بعد، وأظن أن ولادته عسيرة. الأوضاع القائمة هي المرآة التي تظهر فيها الصورة الحقيقية لهذه الأحزاب، وإنه لعزاء مريح للنفس أن يقال إن أوضاعنا على خير ما يرام، ما دام لدى الرفاق المحظوظين سيارات فارهة وفلل فخمة ومزارع وأرصدة في البنوك ونشاط مرموق في عالم الأعمال، وما دام الحزب الذي غدا سلطة هو البقرة الحلوب.

قد تبدو هذه الصورة قاتمة ومتشائمة لا يسوغ معها الحديث عن المستقبل، وقد يعترض بعضهم محتجاً بأن ما يقال في الملتقيات والندوات والمنتديات لدليل على حرية الرأي، وسبيل إلى إخراج العمل السياسي من المأزق الذي هو فيه، أقول أجل، ولكن ذلك كله ليس قانونياً بعد، بل يدل على سعة صدور لا ندري متى تضيق، وقد ضاقت من قبل بما هو أقل من هذا. وأن الأمر ما يزال في إطار إرادات فردية طيبة وأخرى خبيثة. وليس للعمل السياسي من ضمانة سوى الإرادة العامة التي يعبر عنها القانون بصفته تجريد العمومية وتعبيراً عن كلية المجتمع ووحدة الجسم السياسي. وحتى ذلك الحين سنظل محكومين بالحديث عن آفاق المستقبل بصيغة السلب، وأظنني قد فعلت ذلك. فالمستقبل لا تصنعه الافتراضات الذاتية والآراء الفردية والوصفات الجاهزة، بل يصنعه العمل الجماعي، الاجتماعي والمجتمعي، تصنعه السياسة بوصفها مشاركة جميع المواطنين الإيجابية واشتراكهم في الحياة العامة بضمانة القانون وحمايته. إن بومة منيرفا لا تطير إلا في الظلام، وتحتاج إلى حكمة منيرفا لكي تبلغ هدفها. فلنبحث معاً عن الحكمة الضائعة.