مستقبل الدولة في الوطن العربي

 

جاد الكريم الجباعي

شاع الحديث في الآونة الأخيرة عن "نهاية الدولة الوطنية"، أو "الدولة القومية"، وهما بمعنى واحد في البلدان التي لا تعاني من التجزئة القومية، على نحو ما تعاني أمتنا العربية؛ وما استدعى مثل هذا الحديث هو سيرورة "العولمة" التي انطلقت، كما تؤكد معظم الدراسات، منذ تسلمت مرغريت تاتشر منصب رئاسة الوزارة في بريطانية، ورونالد ريغان منصب رئاسة الجمهورية في الولايات المتحدة الأمريكية، أي في العامين 1979 و 1980 ، وما نجم عن هذه السيرورة من تغير في وظائف الدولة، في البلدان المتقدمة وفي البلدان المتأخرة على السواء. بل إن الآثار السلبية لتغير وظائف الدولة تبدو في البلدان المتأخرة أكثر وضوحاً، شأنها في ذلك شأن جميع الظواهر الأخرى، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية؛ إذ تتجلى حسنات النظام الرأسمالي العالمي ومنافعه وميزاته في المراكز الرأسمالية بقدر ما تتجلى مساوئه وبلاياه في الأطراف والهوامش. ولذلك كنت ولا أزال أعتقد أن تأخر هذه الأمم والشعوب والدول الهامشية هو عاهة النظام الرأسمالي ونقطة ضعفه وأهم مظهر من مظاهر اختلال توازنه؛ وأظن، من ثم، أن الحديث عن نهاية الدولة الوطنية لاينفصل عن أزمة النظام الرأسمالي التي تعبر عنها أوضح تعبير حالة الطوارئ التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية اليوم على العالم بأسره، إضافة إلى حزمة من الظواهر الأخرى. ذلك لأن الدولة الوطنية / القومية هي أهم نتاجات هذا النظام, وأهم عوامل توسعه وتعمقه واستمراره. أي إنها أهم نتاجات الثورة الديمقراطية البورجوازية التي نقلت البشرية إلى العصر الحديث. بل إن بعض الباحثين يتحرزون من إطلاق صفة الدولة على أنماط الحكم التي سبقت قيام الدولة الحديثة التي رأى فيها الفيلسوف الألماني هيغل تجسيداً للعقل، ورأى فيها  كارل ماركس، من بعده شكلاً سياسياً للوجود الاجتماعي، وتحديداً ذاتياً للشعب. فالسياق التاريخي للتوسع الرأسمالي وصيرورة الرأسمالية نظاماً عالمياً اقتضى قومنة الرأسمالية وترسمل الدولة القومية، و ما يطلق عليه بعض علماء الاجتماع السياسي اسم الدولة البيروقراطية الحديثة، دولة الحق والقانون، ليس سوى اسم آخر للدولة القومية المرسملة. ولعل الإنجاز العقلاني الأكثر أهمية في التاريخ الحديث، أعني إعادة بناء الحياة الاجتماعية على مبدأ المواطنة، وما تقرره من حقوق مدنية وحريات أساسية، وما تقتضيه من مساواة المواطنين أمام القانون، كان استجابة موضوعية لحاجات تطور الرأسمالية ذاتها، وهي حاجات لا تقتصر على الضرورة الحاسمة للسوق القومية، بل تتعداها إل حاجة الطبقة المالكة للثروة ووسائل الإنتاج إلى سائر الطبقات الاجتماعية الأخرى. ولا سيما الطبقة العاملة، المنتج الأساسي لفضل القيمة، أو لرأس المال بمعناه الاقتصادي. وإلى الاحتياج المتبادل بين أفراد المجتمع الواحد الذين يقوم كل واحد منهم بوظيفة ضرورية للآخرين. وهذا وتلك مما جعل من فكرة العقد الاجتماعي حقيقة واقعة. بيد أن مضمون الحاجة قد تغير بفضل النمو المتراكم والثوري لوسائل الإنتاج ووسائل المواصلات والاتصالات وتداول المعلومات، ولا سيما بعد اكتشاف المعالج الصغري (المايكرو بوسيسور) وانتشار الكمبيوتر والإنترنت والبريد الإلكتروني والسواتل والأقمار الصناعية التي جعلت من العالم فعلاً قرية كونية. فأخذت التقانة الذكية تحل تدريجياً محل العمل البشري في مجالي الإنتاج والخدمات، وغدت حاجة الطبقة المالكة للثروة ورأس المال إلى الطاقة الاستهلاكية لفئات المجتمع الأخرى أكثر من حاجتها إلى طاقتها الإنتاجية. وراحت الاستثمارات تتركز في البلدان الغنية، وكذلك حركة التجارة العالمية، باستثناء بعض المواد الخام، ولا سيما النفط. هذا التغير النوعي في مضمون الحاجة أنتج تغبراً موازياً في علاقة الطبقة السائدة في كل بلد على حدة ببقية الفئات الاجتماعية، وهو ما يتجلى في تغير وظائف الدولة وطابع علاقتها بالمجتمع الذي يفترض أن تكون شكل وجوده السياسي. فحيثما اتجهت تصادف منطقاً واحداً قوامه: تخفيض الإنفاق الحكومي والضغط على الأجور وتقليص المعونات الاجتماعية، وتنحيف الشركات والمؤسسات، مما يعني التخلي تدريجياً عن العقد الاجتماعي الذي كانت الدولة الوطنية أهم تجلياته. فغدت صورة المستقبل تتحدد بالرجوع أو النكوص إلى الماضي، أي إلى بدايات نشوء الرأسمالية، بل إلى ما قبل تلك البدايات. فحين تنتهي الدولة الوطنية تماماً يكون النظام الرأسمالي قد بلغ إحدى نهايتين: إما الانحلال والاضطراب والفوضى وحرب الجميع على الجميع، ونكوص الأمم والشعوب إلى أسوأ ما في تاريخها، وإما تحقق ترسيمة كارل ماركس النظرية في اضمحلال الدولة والمجتمع المدني بالتلازم الضروري، وقيام الجماعة الإنسانية أو المجتمع المؤنسن الذي يستعيد من الدولة جميع وظائفها بما هي وظائف اجتماعية ومجتمعية أساساً. فمستقبل الدولة الوطنية مرتبط أوثق ارتباط بمستقبل النظام الرأسمالي، ومن ثم فإن تطور الدولة الوطنية في هذا الاتجاه أو ذاك كان ولا يزال مرتبطاً بتطور النظام الرأسمالي ذاته، هذا التطور الذي كان يتأرجح دوماً بين التنافس والاحتكار، وبين الديمقراطية والاستبداد. وكلما نما العنصر التسلطي الاستبدادي في الدولة يتقلص مضمونها الوطني. فنهاية الدولة الوطنية، من هذه الزاوية، هو تحولها إلى دولة تسلطية. أي إن حدود الدولة تتطابق مع حدود السلطة السياسية التي تغدو حكراً على الطبقة المالكة للثروة ووسائل الإنتاج، فيضمر الطابع الجمهوري للدولة وتكف عن كونها تعبيراً عن الكلية الاجتماعية، وتكف من ثم عن كونها تجريد العمومية.

في الوطن العربي، لا يزيد عمر الدولة "الحديثة" على ثلاثة أرباع القرن، في الدول الأكثر رسوخاً، أو الأقل اصطناعاً. ومنذ نشوئها كانت مزيجاً هجيناً من ثلاثة عناصر هي: بقايا الدولة الكولونيالية وقشرة الحداثة التي خلفتها، والتقليد السياسي المملوكي العثماني المستقر في اللاوعي الجمعي، ونموذج الدولة البيروقراطية الحديثة في "الغرب". وقد حال التطور الرأسمالي المشوه في الأطراف بوجه عام، وفي الوطن العربي بوجه خاص، دون نشوء دولة وطنية / قومية تحمل إمكانات النمو والتحول إلى دولة ديمقراطية. لذلك فإن تطور الدول العربية التي استقلت تباعاً بعد الحرب العالمية الثانية استقلالاً سياسيا هشاً ومثلوماً، لم يكن معزولاً لا عن تطور النظام الرأسمالي ولا عن تطور الدولة البيروقراطية في الغرب، بحكم موقع هذه الدول في النظام الرأسمالي، وفي نسق العلاقات الدولية، وهو أقرب ما يكون إلى موقع الزائدة الدودية في الجسم، لا فائدة لها، ولا ضرر منها إلا إذا  التهبت أو انفجرت.

الدولة القطرية المرسملة والتابعة، التي تتغذى من أوهامها الذاتية، تحولت في معظم أقطار الوطن العربي إلى دولة استبدادية تسلطية قائمة على اقتصاد مافياوي، ولا تتوفر على أي مشروعية سوى مشروعية الأمر الواقع، جراء الاحتكار الفعال للثروة والسلطة والقوة. وغدت استلاباً ناجزاً للمجتمع أو المجتمعات التي يفترض أنها تمثلها أو تعبر عنها. وصيرورتها كذلك لا تنفصل عن التحولات التي تشهدها الدولة الوطنية في المراكز الرأسمالية المتقدمة، في ظل العولمة الاقتصادية الجديدة القائمة على مبدأ المبادرة الفردية، وحرية السوق واليد الخفية التي تمنحها القدرة على التوازن التلقائي أوالمواءمة الذاتية. أريد أن أقول: إن الدولة التسلطية في الوطن العربي، وفي معظم البلدان المتأخرة، تمثل اليوم الحد الأقصى الذي يمكن أن تبلغه الدولة البيروقراطية في البلدان المتقدمة، في ظل تسارع وتائر نمو العولمة وتعمقها. وحين تبلغ الدول المتقدمة هذا الحد من التسلط والاستبداد والانفصال عن المجتمع، إذا كان لهذه السيرورة أن تستمر، تكون الدولة عندنا قد زالت، وتقاسمت سلطتها العصبيات من كل صنف ونوع. على أن تغير وظيفة الدولة هنا وهناك بسير جنباً إلى جنب مع تآكل سيادتها الوطنية على إقليمها وشعبها، بغض النظر عن ثورة المواصلات والاتصالات والمعلومات التي تسهم في تيسير عملية التآكل وتسريعها. وتآكل السيادة يصحبه دوماً انهيار مفهوم الأمن القومي. فالدولة في الوطن العربي اليوم مخترقة أكثر من أي وقت مضى، ومنقوصة السيادة، وتعيش حالة عري ناجزة، لا مجرد انكشاف اقتصادي وسياسي وأمني. فما من دولة عربية تستطيع اليوم أن تقف على الحياد، على الأقل، في الحرب التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية على العالم، باسم مكافحة الإرهاب. وإذا كان الأمر كذلك فمن تحصيل الحاصل أنها لا تستطيع الاحتجاج على السياسة الأمريكية أو معارضتها جدياً.

هناك، في اعتقادي، ثلاثة متغيرات تحدد مستقبل الدولة في الوطن العربي، أولها موقع كل دولة عربية على حدة في النظام العالمي، بوجه عام، وموقفها من الولايات المتحدة وحليفتها الوحيدة في المنطقة، إسرائيل، بوجه خاص. والثاني هو موقف كل منها من الدول العربية الأخرى، والثالث هو موقف كل منها من شعبها ومجتمعها المحلي. وكل واحد من هذه المتغيرات يؤثر في الآخرين سلباً وإيجاباً. فكلما اندرجت هذه الدولة العربية أو تلك في استراتيجية الولايات المتحدة الكونية تراخت أو اضطربت أو انقطعت علاقاتها بمجتمعها المحلي وبغيرها من الدول العربية، والعكس صحيح. المسألة إذاً هي مسألة الاستقلال التي كانت في أساس محاولة النهضة العربية الثانية التي قادها عبد الناصر، وفي أساس مضمونها الوحدوي، وفي أساس شعارها "ارفع رأسك يا أخي فقد ولى عهد الاستبداد". وفي قراءة راجعة لتلك المحاولة العظيمة والشهيدة يمكن القول: إنها سقطت في طريق الارتقاء الصعب من التبعية إلى الاستقلال، ومن مجرد ثورة سياسية إلى ثورة اجتماعية تضع الأمة كلها على خط تجاوز الحاضر. ويمكن القول أيضاً: إن الاستقلال هو الشرط اللازم للوحدة العربية، وهذه الأخيرة شرط لازم، وغير كاف لتقدم العرب وتحرير إرادتهم وأرضهم المحتلة، وتحولهم إلى ذات فاعلة في التاريخ وفي العالم. والاستقلال، في هذا السياق، شقيق الحرية، كل لا يتجزأ ولا ينفصل فيه استقلال الفرد عن استقلال المجتمع واستقلال الوطن واستقلال الدولة. والاستقلال هو أساس مشاركة الفرد أو الجماعة أو الفئة الاجتماعية أو الحزب في الحياة العامة، وأساس مشاركة الدولة في النظام العالمي، أو في الحياة العامة لعالم الدول. من دون استقلال ليس هناك مشاركة، بل تبعية فحسب. من دون استقلال ليس هناك حرية، بل عبودية وإذعان ذليل لطغيان القوة. من دون استقلال ليس هناك ذاتية، والذاتية هنا هي احترام الذات والثقة بالنفس.

وبعد، ما الذي كان بوسع الولايات المتحدة الأمريكية أن تفعله لو أن اثنتين وعشرين دولة عربية سارعت إلى عقد اجتماع طارئ للقمة العربية، وقالت للولايات المتحدة بصوت واحد: مكانك، لا يمكن مكافحة إرهاب الأفراد والجماعات قبل مكافحة إرهاب الدول، وفي مقدمتها إسرائيل. ولا يمكن مكافحة الإرهاب قبل مكافحة أسبابه، وأسبابه معروفة للجميع. فهل يمكن أن نفسر إذعان جميع الدول العربية، ولو على كره منها، أو من بعضها, للإرادة الأمريكية إلا باختلال علاقات كل منها أو أضطرابها أو انقطاعها بغيرها من الدول العربية من جهة وبشعبها من جهة أخرى؟

ويمكن أن يفترض المرء أن الرأسمالية المتوحشة القائمة اليوم لا بد أن تصدر أزمتها ومشكلاتها إلى أطراف النظام الرأسمالي وهوامشة، وتحملها الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية التي تنجم عن "دكتاتورية السوق"، فتدفع بها إلى مزيد من التوحش ومزيد من الانفصال عن شعوبها، وتحرض من ثم احتمالات انفجارها. الرأسمالية المتوحشة تضع الدولة في الوطن العربي أمام مفترق: إما أن تتحول إلى دولة وطنية ديمقراطية مستقلة وذات سيادة، وإما أن أن تدمر مجتمعها ثم تدمر نفسها. وهذا وذاك ممكنان بنسب متساوية. إن دماء الماضي تسري في عروق الحاضر، ومن الماضي والحاضر معاً يولد المستقبل.