طبائع الاستبداد

تحية إجلال وإكبار لذكرى الكواكبي المثقف الماجد

 

جاد الكريم الجباعي

مرت الذكرى المئوية الأولى لوفاة الرائد النهضوي عبد الرحمن الكواكبي، والذكرى المئوية الأولى لولادة كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، بصمت يوحي بأن الاستبداد الذي وقف الكواكبي حياته على مقاومته ومقارعته لا يزال مقيماً في بلاد العرب. وكان حرياً بالمثقفين العرب (الماجدين)، مفكرين وباحثين وأدباء وفنانين وصحفيين أن يجعلوا من هذه الذكرى مناسبة لاستكمال ما بدأه الكواكبي، والبناء على ما أسسه، في سبيل نظرية في الاستبداد، تكون نظرية في الحرية. وستظل هذه المهمة المعرفية والثقافية بامتياز على جدول الأعمال حتى تنجز، ما دام الاستبداد واقعاً قائماً؛ فوظيفة الفكر هي إنشاء صورة الواقع كما هو والوقوف على تعارضاته الجدلية واتجاهات تطورها. فالاستبداد، كما وصفه الكواكبي، هو الاستبداد، سواء كان مملوكياً أم عثمانيا، أم "وطنياً" و "تقدمياً"، أم "ثورياً"، أم "قومياً" و "اشتراكيا"، ومن البديهي أن يكون قبلياً وعشائرياً ومذهبياً. الاستبداد هو الاستبداد لا دين له ولا ملة ولا مذهب ولا جنسية ولا قومية، وهو هو في كل زمان ومكان، على تفاوت في الدرجة، لا في النوع، بحسب الظروف والملابسات والمعطيات التاريخية: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية؛ ومن ثم فإن طريقة الكواكبي في تحليل الاستبداد العثماني الذي عانى من ويلاته الأمرين تصلح قاعدة لتحليل الاستبداد عامة؛  لذلك لا يملك قارئ هذا الكتاب من عرب اليوم، إذا كان ثمة من قارئ، إلا أن يسقط مضمونه على حكومة بلاده وعلى نظامه السياسي، فإذا وجد أن ما وصفه الكواكبي من استبداد الدولة العثمانية لا يزال قائماً، بعضه أو جله أو كله، في دولته ونظام بلده وعلاقات مجتمعه ونفوس مواطنيه، فمعنى ذلك، إما أن العلاقات الاجتماعية والسياسية ونمط تقسيم العمل وتوزيع الثروة وشكل الملكية وما يؤطرها من بنى وتشكيلات و "مؤسسات" لم تتغير على نحو جذري يحول دون قيام الاستبداد وإعادة إنتاجه، وإما أن هذه جميعاً قد انتكست إلى ما كانت عليه في عصور الظلم والظلام، بعد تقدم في هذا المجال أو ذاك وتحسن على هذا الصعيد أو ذاك.

والاستبداد هو "اقتصار المرء على رأي نفسه في ما ينبغي الاستشارة فيه"، وهو اقتصار ينم إما على غطرسة و وغدنة واستعلاء وطغيان، وإما على وهم ذاتي بالتمامية والكمال وامتلاك الحقيقة الكلية الناجزة التي لا يأتيها الباطل، لا من بين يديها ولا من خلفها. وثمة علاقة بين الرأي والمصلحة تجعل من الرأي تعبيراً وهمياً أو إيهامياً عن مصلحة فعلية. وهو في اللغة، كما يقول الكواكبي: "غرور المرء برأيه والأنَفَة عن قبول النصيحة، أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة. و يراد بالاستبداد، عند إطلاقه، استبداد الحكومات خاصة، لأنها أعظم مظاهر أضراره التي جعلت الإنسان أشقى ذوي الحياة. .. والاستبداد، في اصطلاح السياسيين هو تصرف فرد أو جمع بحقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تَبِعةٍ. .. وأشد مراتب الاستبداد التي يُتعوذ بها من الشيطان هي حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية، ولنا أن نقول: كلما قل وصف من هذه الأوصاف خف الاستبداد إلى أن ينتهي بالحاكم المنتخب الموقت المسؤول فعلاً" . ويلفت الدارس والباحث أن الكواكبي الذي رأى في الاستبداد بنية أو منظومة متكاملة ومتآخذة، أي تأخذ عناصرها بعضها برقاب بعض، لم يجعل من هذه البنية أو المنظومة نسقاً مجرداً، بل جملة متعينة أو كلية عينية، كما يقول الفلاسفة، صفاتها هي تعييناتها وحدودها، فكل وصف هو حد وفرق، لذلك أكثر الكواكبي من وصف الاستبداد، ووصف آثاره، لكي يعيِّن جميع حدوده وتعييناته وتعيُّناته أو مظاهره التي كلما زال أحدها أو ضمر خف الاستبداد؛ ومن ثم فإن هذه الجملة الكلية، أو الكلية العينية، جملة أو كلية تاريخية، صيرورة اجتماعية سياسية تاريخية، جدلية إذا شئتم، تعيِّن نظاماً اجتماعيا / اقتصاديا وسياسياً، أو نمط إنتاج وعلاقات وبنى وتنظيمات تتكثف جميعها في بنية الدولة  ونظام الحكم ونمط العلاقة بين الحاكم والمحكوم وبين الدولة والمجتمع والسلطة والشعب. كما يلفت النظر أنه لم يجعل من الاستبداد بنية مغلقة، جوهرية، عصية على قوانين الكون والفساد، بل جعل منه بالأحرى بنية مفتوحة تتغير أشكالها ومظاهرها، وتختلف من مكان إلى آخر ومن زمان إلى آخر، ويمكن تغييرها تدريجاً؛ لذلك رأيناه في "أم القرى"، وهو نص لا ينفصل عن "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، ينشئ خطبة لكل وفد من الوفود العربية والإسلامية التي استدعاها إلى مؤتمره المتخيَّل في مكة المكرمة، أم القرى، وإلى جمعيته، "جمعية الموحدين" الذين لا يعبدون إلهاً سوى الله وحده جلت عظمته وتعالى مجده على كل ماجد أو متمجِّد؛ وفي كل خطبة جواب عن سؤال: لماذا تأخر العرب والمسلمون وتقدم غيرهم؟ أو مقاربة للإشكالية النهضوية التي لا تزال قائمة، وإن تغيرت الظروف والمعطيات؛ ولم تخل خطبة من مقاربة معنى من معاني الاستبداد وخطة لمقاومته والخروج من أسواره. فبدا على نحو لا لبس فيه أن الاستبداد قرين التأخر يتغذى منه ويغذيه، بل يعيد إنتاجه كلما بدرت بادرة للخروج منه. فهو لا يتعلق بمزايا الحاكم وصفاته الشخصية، بل بالشروط التي أنتجت الحكم. وتلفت النظر أيضاً رؤية الكواكبي أن مقارعة الاستبداد تحتاج إلى أدوات، كالمؤتمر والجمعية، وإلى سياسة عملية، أو عمل سياسي يعارض الاستبداد ويناهضه، بقدر ما يقوم على وعي صحيح بأسباب التأخر ومظاهره.

وإذ كشف الكواكبي النقاب عن العلاقات الضرورية، السلبية منها والإيجابية، بين الاستبداد والدين والعلم والمجد والمال والأخلاق والتربية والترقي، وأكد وجوب مناهضته والتخلص منه، فليس من اليسير، ولا من المستحب، أن تجمل هذه العلاقات في مقالة واحدة؛ لذلك اخترت علاقة الاستبداد بالمجد، لما ينطوي عليه عمل الكواكبي، في هذا المجال، من وصف دقيق وأصيل للمتمجدين ساسةً ومثقفين، أو أهلَ سيف وأهلَ قلم، ورغبة في تتويج سلسلة المقالات السابقة عن اغتراب المثقف العربي واعترابه، أي انكفائه على "خصوصية" وهمية وهوية حصرية، نافية للآخر ومعادية له، وذلكم أحد وجوه الاستبداد.

الاستبداد، في نظر الكواكبي، أصل لكل فساد، إذ يضغط على العقل فيفسده، ويلعب بالدين فيفسده، ويحارب العلم فيفسده، ويغالب المجد ويقيم مقامه التمجُّد. فالمجد والتمجد ضدان. "المجد هو إحراز المرء مقام حب واحترام في القلوب، وهو مطلب طبيعي شريف لكل إنسان، لا يترفع عنه نبي أو زاهد، ولا ينحط عنه دني أو خامل. للمجد لذة تقارب لذة العبادة عند الفانين في الله، وتعادل لذة العلم عند الحكماء، وتربو على لذة امتلاك الأرض مع ثمرها عند الأمراء، وتزيد على لذة مفاجأة الإثراء عند الفقراء، ولذا يزاحم المجد في النفوس منزلة الحياة". ولا يُنال المجد إلا بنوع من البذل في سبيل الجماعة؛ ولهذا البذل أسماء مختلفة عند الأمم والشعوب المختلفة؛ فهو "إما بذل مال للنفع العام، ويسمى مجد الكرم، وهو أضعف المجد، أو بذل العلم النافع المفيد للجماعة، ويسمى مجد الفضيلة، أو بذل النفس بالتعرض للمشاق والأخطار في سبيل نصرة الحق وحفظ النظام، ويسمى مجد النبالة، (وبودي أن اسميه مجد الحق والعدالة) وهذا أعلى المجد، وهو المراد عند الإطلاق، وهو المجد الذي تتوق إليه النفوس الكبيرة وتحن إليه أعناق النبلاء". ولا يخفى على بصير ارتباط فكرة المجد بفكرة الجماعة، أي بفكرة الأمة أو فكرة الشعب، وبفكرة الخدمة العامة أو العمومية التي تحيل على عمومية المخدوم، أعني المجتمع والدولة. ولا تخفى كذلك الإشارة العبقرية إلى عدم حصره في قلة من الأشخاص؛ فهو "محبب للنفوس، لا تفتأ تسعى وراءه، وترقى مراقيه، وهو ميسَّر في عهد العدل لكل إنسان على حسب استعداده وهمته، وينحصر تحصيله في زمن الاستبداد بمقاومة الظلم على حسب الإمكان". ويقابله التمجد مقابلة الضد للضد والنقيض للنقيض، والتمجد "خاص بالإدارات المستبدة، وهو القربى من المستبد بالفعل كالأعوان والعمال، أو بالقوة (كالملقبين بألقاب الشرف والجاه)، أو الموسومين بالنياشين أو المطوقين بالحمائل، وبتعريف آخر، هو أن ينال المرء جذوة نار من جهنم كبرياء المستبد ليحرق بها شرف المساواة في الإنسانية". ولا يخفى هنا أيضاً اقتران التمجد بالاستبداد والفساد، ولا تلك الفكرة العبقرية الأصيلة، فكرة تساوي جميع الأفراد وتماثلهم في الإنسانية، وهي جذر لمفهوم المواطنة وتساوي جميع المواطنين أمام القانون الذي وضعه الكواكبي في مرتبة لا تدانيها مرتبة مهما علت. وبوصف أخصر، يضيف الكواكبي، "هو أن يتقلد الرجل سيفاً يبرهن به على أنه جلاد في دولة الاستبداد، أو يعلق على صدره وساماً مشعراً بما وراءه من الوجدان المستبيح للعدوان .. ، وبعبارة أوضح وأخصر هو أن يصير الإنسان مستبداً صغيراً في كنف المستبد الأعظم". والمستبد الصغير أدهى من المستبد الأعظم، إذ لا يخلو هذا الأخير أن يكون "عادلاً" أو "مصلحاً". فالمستبد الذي يصفه الكواكبي هو المستبد وبطانته وأعوانه على الاستبداد ومتمجدوه معاً، المستبد الذي لا يصير كذلك إلا بهذه البطانة وهؤلاء الأعوان، وإلا فللنظام المعني اسم آخر. فلا يكون المستبد مستبداً إلا بالمستبدين الصغار المتمجدين، ولا سيما "أهل القلم" بالمعنى المملوكي العثماني الإقطاعي للكلمة؛ وجريرة هؤلاء لا تقل عن جريرة المستبد الأعظم، بل ربما تزيد عليها لما يتوفرون عليه من أساليب التمويه والتضليل والإيهام وتزييف الوعي.

التمجد خاص بالإدارات المستبدة، "وذلك لأن الحكومة الحرة التي تمثل عواطف الأمة تأبى كل الإباء إخلال التساوي بين الأفراد، إلا لفضل حقيقي، فلا ترفع قدر أحد منها إلا رفعاً صورياً أثناء قيامه في خدمتها، أي الخدمة العمومية، وذلك تشويقاً له على التفاني في الخدمة. كما أنها لا تميز أحداً منها بوسام أو تشرفه بلقب إلا ما كان علمياً أو ذكرى لخدمة مهمة وفقه الله إليها. وبمثل هذا يرفع الله الناس بعضهم فوق بعض درجات في القلوب لا في الحقوق". فالتفاوت والتفاضل بين الأفراد لا يكونان في الإنسانية ولا في المواطنة ولا في الحقوق، بل في الهمة والكفاية والمقدرة على البذل في سبيل النفع العام والخدمة العمومية؛ وليس كما هي الحال في التمجد والرياء والنفاق، أو في درجة الولاء للمستبد، على أي وجه من وجوه الولاء. وهكذا يكون المتمجدون، كما وصفهم الكواكبي، "أعداء للعدل، أنصاراً للجور، لا دين ولا وجدان ولا شرف ولا رحمة؛ ولهذا يقال: دولة الاستبداد دولة بله وأوغاد، فلا يستقر عند المستبد إلا الجاهل العاجز الذي يعبده من دون الله، أو الخبيث الخائن الذي يرضيه ويغضب الله".

ويضيف الكواكبي أن " الحكومة المستبدة تكون طبعاً مستبدة في كل فروعها، من المستبد الأعظم إلى الشرطي، إلى الفراش، إلى كناس الشوارع، ولا يكون كل صنف إلا من أسفل أهل طبقته أخلاقاً، لأن السفلة لا يهمهم طبعاً الكرامة وحسن السمعة، إنما غاية مسعاهم أن يبرهنوا لمخدومهم بأنهم على شاكلته، وأنصار لدولته، وشرهون لأكل السقطات من أيٍ كانت ولو بشراً أم خنازير، آبائهم أم أعدائهم، وبهذا يأمنهم المستبد ويأمنونه، فيشاركهم ويشاركونه. وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ويقل حسب شدة الاستبداد وخفته؛ فكلما كان المستبد حريصاً على العسف احتاج إلى مزيد الدقة في اتخاذهم من أسفل المجرمين الذين لا أثر عندهم لدين أو ذمة، واحتاج لحفظ النسبة بينهم في المراتب بالطريقة المعكوسة، وهي أن يكون أسفلهم طباعاً وخصالاً أعلاهم وظيفة وقرباً. ومن ثم فالمستبد، وهو من لا يجهل أن الناس أعداؤه لظلمه، لا يأمن على بابه إلا من يثق به أنه أظلم منه للناس، وأبعد منه عن أعدائه". ويبدو لي أن فكرة العداوة هنا تستحق التأمل والبحث، إذ لا ينظر المستبد والمتمجدون إلى سائر المواطنين إلا على أنهم أعداء موضوعيون، وذلك بقدر ما يكون المستبد والمتمجدون قد انتهكوا من حقوق وأعراض وحرمات. فكلما أمعن هؤلاء وأوغلوا في العسف والظلم والنهب والفساد يتعمق شعورهم بأن سائر المواطنين "أعداء موضوعيون"، فيمعنون في القمع والإرهاب، وينشبون أنيابهم ومخالبهم في لحم الشعب. "والنتيجة أن وزير المستبد هو وزير المستبد، لا وزير الأمة، كما في الحكومات الدستورية. كذلك القائد يحمل سيف المستبد ليغمده في الرقاب بأمر المستبد لا بأمر الأمة، بل هو يستعيذ من أن تكون الأمة صاحبة أمر، لما يعلم من نفسه أن الأمة لا تقلد القيادة لمثله". والنتيجة المقابلة أن الإصلاح الذي يفضي إلى الخروج من عالم الاستبداد يبدأ بنفي التمجد والحجر على المتمجدين.

 ألا ما أكثر المستبدين الصغار في وقتنا وزماننا، ألا ما أكثر المتمجدين من "أهل السيف وأهل القلم" في وقتنا وزماننا، ألا ما أكثر هؤلاء الذين لا يزيدون على أن يكونوا "كعب حذاء المستبد" الذي يسد به المستبد أفوه المواطنين. ألا ما أحوج بلداننا إلى نفي التمجد والحجر على المتمجدين. ألا ما أحوجنا إلى روح الكواكبي، المثقف الماجد، وإلى نبله وأصالته وشجاعته، وما أحوج الفكر العربي إلى إعادة صلته التي انقطعت بفكر النهضة والتنوير في العصر الليبرالي. ولعل تشابه الظروف يقتضي ذلك بإلحاح.