الثقافة والسياسة

في خـطاب المـجتمع المـدني

 

جاد الكريم الجباعي

قال أحدهم: المثقف مسؤول، لا عن الأخطاء التي وقعت فحسب، بل عن تلك التي يمكن أن تقع أيضاً. وافتراض المسؤولية لا يقوم على أساس، إن لم يستند إلى افتراض آخر هو الحرية؛ إذ لا مسؤولية بلا حرية. وبين هذين الحدين تقع العلاقة بين الثقافة والسياسة، لتغدو الثقافة مرادفة للحرية، والسياسة مرادفة للمسؤولية. ظاهرة الندوات والمنتديات وملتقيات الحوار، وما رافقها من بيانات وكتابات ومحاضرات وحوارات، وما تمخض، وما يمكن أن يتمخض عنها من لجان وجمعيات تندرج كلها تحت مقولة "المجتمع المدني"، هي أهم ظاهرة شهدتها سورية منذ أربعة عقود؛ وظني أنها ستكون في أساس نهوضها القادم عما قريب. هذه الظاهرة هي تعبير، تأخر كثيراً، عن شعور المثقفين السوريين بمسؤوليتهم عن الأخطاء والخطايا التي ارتكبت بحق وطنهم وشعبهم، وعن تلك التي يمكن أن ترتكب. أتحدث عن المثقفين بالمعنى العام الذي تتقاطع عنده جميع تعريفات الثقافة والمثقف، على كثرتها واختلافها، والذي تقترن معه الثقافة بالمشاركة الإيجابية في الحياة العامة، عن هذه الفئة الواسعة التي كان ولا يزال لها أثر بارز في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، وتتحمل، على اختلاف مشاربها ومواقعها وانتماءاتها، المسؤولية عما آلت إليه أوضاع البلاد. فقد عرف إدوارد تايلور الثقافة بأنها "كلُّ مركب يشتمل على المعرفة والمعتقدات والفنون والأخلاق والقانون والعرف وغير ذلك من الإمكانيات أو العادات التي يكتسبها الإنسان، باعتباره عضواً في المجتمع". وعرفها بيرستد بأنها "ذلك الكل المركَّب الذي يتألف من كل ما نفكر فيه أو  نقوم بعمله أو نتملكه كأعضاء في مجتمع". (نظرية الثقافة، ص 9). ومن ثم يمكن تعريف المثقف، في هذا السياق، بأنه ذلك الذي امتلك وعياً مناسباً بذاتيته، أي بحريته واستقلاله، وبعضويته في المجتمع والدولة، وتحول لديه القانون أو النظام العام إلى وازع داخلي. وأتحدث عن الحرية بصفتها حرية الفكر والضمير أولاً وأساساً، وعما تفترضه من "استقلال الوجدان وجهاد المعرفة" ونقد الذات أو مجاهدة النفس الأمارة بالسوء، والجهر بالحق في وجه سلطان جائر.

ولا يمكن فهم هذه الظاهرة، ووضعها في موضعها الصحيح، ما لم ينظر إليها في سياقها الواقعي؛ وإلا يغدو من السهل اختزالها إلى فقاعة صابون، أو إلى ظاهرة سطحية وعابرة، أو إلى معارضة سياسية لا تختلف في جوهرها عن المعارضة التي تحمل خصائص السلطة التي أنتجتها. ولعل حملة الاتهام والتخوين والتشهير والتكفير التي تبعها اعتقال الزعيم الوطني رياض الترك، وعدد من المثقفين والناشطين في مجال المجتمع المدني وحقوق الإنسان، مما يدل على أهمية الظاهرة، وعلى ما تحمله من وعود.

قد لا يماري كثيرون اليوم في تشظي المجال السياسي المجتمعي، وتحول القوى السياسية "الحديثة" إلى بنى موازية للبنى الاجتماعية التقليدية، بل إلى كسور سياسية موازية للكسور المجتمعية، تحمل أبرز خصائصها، ولا سيما الانغلاق على الذات والثقة الوهمية بتمامها وكمالها، وإقصاء الآخر واستبعاده؛ حتى بتنا إزاء قبائل وعشائر سياسية، أو طوائف سياسية، كل واحدة منها هي "الملة الناجية". ومن البديهي أن يؤدي ذلك إلى تشظي المجال الثقافي المجتمعي، وضعف مناعته إزاء "ثقافة العولمة"، ثقافة التنميط والاستهلاك السريع، وما تحملة من تيارات متناقضة. وإزاء "الثقافة الجماهيرية"، ثقافة الدولة التسلطية ومجتمعها الجماهيري، الثقافة التي تصح تسميتها "ثقافة الخوف". وقد لا يماري كثيرون أيضاً في النتائج التي أسفرت عنها عملية "تنسيق بنى المجتمع"، وتحويله إلى نوع من "مجتمع بلا طبقات" وتأطير قواه المنتجة في بنى الدولة التسلطية وتنظيماتها بغية السيطرة على واقع الاختلاف والتنوع، وتحويل الأفراد إلى نسخ كربونية متشابهة أو إلى "كائنات توتاليتارية" قتلت الدولة التسلطية في كل منهم شخصة القانوني، ومن ثم شخصه الأخلاقي، وجعلت منه شيئاً أقرب ما يكون إلى "كلب بافلوف" يستجيب استجابات شرطية للأوامر والتوجيهات. وما كان للدولة التسلطية أن تفلح في ذلك لولا ما سماه خلدون حسن النقيب "الاحتكار الفعال لمصادر الثروة والسلطة والقوة"، وما يقتضيه من احتكار الحقيقة والوطنية. وقد لا يماري كثيرون أيضاً في شلل الحياة الثقافية والسياسية، وفي تهميش المجتمع وإفقاره وتقفيره جراء تضامن الأيديولوجية والإعلام والإرهاب. وقد لا يماري أحد في ظاهرة الفساد الذي لم يعد مجرد انحطاط أخلاقي، بل تعبير عن انفصال الحكم عن الشعب.

في ظل هذه الوقائع، وفي معارضتها، نهضت دعوة المجتمع المدني والثقافة الديمقراطية، ونشأت من ثم هذه الظاهرة التي يمكن تحديد سماتها الأساسية بما يلي:

1. هي ظاهرة ثقافية ذات بعد سياسي، أو لنقل إنها ظاهرة سياسية، بالمعنى الواسع والعميق للكلمة، تسعى إلى إعادة إنتاج العلاقة بين الثقافة والسياسة، في نطاق العلاقة الضرورية بين الحرية والقانون، أو بين الحرية والمسؤولية. ولذلك نراها تنطوي على ميل أصيل لجعل الثقافة مدخلاً إلى السياسة؛ بحيث تتحول السياسة من كونها "فن إدارة البشر والأشياء" على نحو لا يختلف معه البشر عن الأشياء، إلى فاعلية اجتماعية ومجتمعية ملازمة لمواقع الأفراد والفئات الاجتماعية في عملية الإنتاج الاجتماعي، بكل ما تنطوي عليه هذه العملية من أبعاد ومعان. مبدؤها الأساسي هو الحقوق المتساوية لجميع المواطنين، وجميع الفئات الاجتماعية في المشاركة الإيجابية في الحياة العامة، ولا سيما في الحياة السياسية. فلا يمكن، من ثم، وصفها بالمعارضة السياسية بالمعنى الحصري الشائع للكلمة.

2. وهي ظاهرة ثقافية ذات طابع نقدي وتنويري، لا تبتغي في نقدها محاسبة أحد، أو النيابة عن أحد، أو الحلول محل أحد، في السلطة أو في المعارضة. ولا تتبنى أياً من الأيديولوجيات الرائجة، بل تسعى إلى وضع حد للوعي الأيديولوجي، وتعارضه بوعي الواقع وتعرف ممكناته واحتمالاته واتجاهات تطوره. وإن طابعها النقدي ينطلق من حقيقة أن المعرفة تنمو وتتقدم بنمو العمل والإنتاج الاجتماعي بالمعنى الشامل للكلمة، أي إنتاج الخيرات المادية والثروة الروحية بالتلازم. وإذ تؤكد أهمية مراجعة تجربة العقود الأربعة الماضية، فإنها تنطلق من واقع أن هذه التجربة، بنجاحاتها وإخفاقاتها، هي تجربة المجتمع كله، لا تجربة جزء من أجزائه أو حزب من أحزابه فحسب، ومن ثم فإن نقدها واستخلاص دروسها شرطان ضروريان لتجاوزها جدلياً، وهما، أي النقد واستخلاص الدروس، تعبير عن تقدم الوعي الاجتماعي، وعن قدرة المجتمع على مساءلة ذاته، ومساءلة السلطات التي أوكل إليها وظائفها الاجتماعية.

3. وبخلاف تجارب بعض الأقطار العربية، لا تضع هذه الظاهرة المجتمع المدني في معارضة الدولة الوطنية، بل تذهب إلى تأكيد حقيقة أن المجتمع المدني هو مضمون الدولة الوطنية، والدولة الوطنية هي شكل وجوده السياسي، ومن ثم فإن قوة الدولة تنبع من قوة المجتمع ووحدته وتماسكه. ولا تختزل المجتمع المدني إلى “الجمعيات غير الحكومية” التي غدت شكلاً من أشكال العولمة الاجتماعية؛ بل يمكن القول: إن هذه الظاهرة جزء من ظاهرة عالمية تنهض في مواجهة سلبيات العولمة، ولا سيما في الجوانب التي تؤدي إلى تفكيك الهويات القومية وتآكل سيادة الدولة المركزية.

4. وإزاء الاحتكار الفعال للسلطة والثروة والقوة، واحتكار الحقيقة والوطنية، قامت دعوة المجتمع المدني على رفض الاحتكار من حيث المبدأ والمنطلق، من أي جهة أتى؛ لاقتناع المثقفين والعاملين في الحقل العام بارتباط الاحتكار بالتطرف والعنف اللذين ينتجان تطرفاً وعنفاً مضادين. وذلك في سبيل إعادة بناء العلاقات السياسية على مبادئ التعاقد والتوافق والتواثق.

5. وإذ تنطلق دعوة الجتمع المدني من حرية الفرد وحقوق الإنسان، فإنها تشرط هذه وتلك بالقانون الذي تعبر سيادته الفعلية على الحاكم والمحكوم عن سيادة الشعب الفعلية. والقانون بصفته شرطاً لازماً لحرية الفرد في المجتمع والدولة هو تسوية تاريخية بين مصالح مختلفة ومتعارضة. وهنا تكمن أهمية المؤسسة التشريعية التي تضع القوانين والتشريعات في ضوء هذه التسوية التاريخية التي تحتمها التعارضات الاجتماعية الملازمة للاجتماع البشري، ولا سيما للمجتمع المدني. فإن مجرد وجود المؤسسة التشريعية، ومجرد انتخاب أعضائها المرة تلو المرة، يدلان دلالة قاطعة على وجوب تطوير القوانين والتشريعات، وحذف كل ما بات منها غير مناسب لتطور المجتمع، أو معيقاً لتقدمه. فالدساتير والمدونات القانونية ليست نصوصاً مقدسة ولا حقائق نهائية، بل إن تطويرها وتعديلها وتغييرها مما يدل على حيوية المجتمع ونموه وتقدمه.

6. ومما ينبغي أن يسجل لهذه الظاهرة واقعية رؤيتها للنظام الديمقراطي الذي لا يستنفد في مبدأ التمثيل والانتخاب؛ وتركيز خطابها على المقدمات الضرورية للديمقراطية، وأهمها أن تكون الدولة دولة حق وقانون تعبر تعبيراً فعلياً عن الكلية الاجتماعية. ومن البديهي أن تكون دولة الحق والقانون دولة المجتمع لا دولة هذا الحزب أو ذاك، أو هذه الطبقة الاجتماعة أو تلك؛ وأن تكون السلطة السياسية منبثقة عن الشعب بالانتخاب الحر المباشر والسري والنزيه، على أساس حزبي ونسبي، وبإشراف قضاء نزيه ومستقل.

7. وفي ظل تهتك المجال السياسي المجتمعي واغترابه، بما هو محصلة نهائية لجميع بنى المجتمع، تذهب دعوة المجتمع المدني نحو إعادة إنتاج مجال سياسي مشترك بين جميع المواطنين وجميع الفئات الاجتماعية والأحزاب السياسية والتيارات الفكرية والأيديولوجية. لكن هذه العملية غير ممكنة إلا بعد مساءلة الوعي الذي أدى إلى هذه النتيجة، ونقد الأوضاع التي أنتجت هذا الوعي الأيديولوحي المنقطع عن حركة الواقع وعن ممارسة المجتمع. وفي اعتقادي، إن المجال السياسي، أو الحقل السياسي المشترك الذي تتجابه فيه وتتقاطع وتتجادل سائر الاتجاهات الفكرية والسياسية والأيديولوجية هو التعبير الفعلي، وأكاد اقول الوحيد، عن الوحدة الوطنية الفعلية، لا الوهمية. وحين يتشظى المجال السياسي لا يمكن توحيده إلا بفعل ثقافي مرجعه الوحيد هو الفكر النقدي في علاقته الجدلية بالواقع؛ ولذلك أدعي ان هذه الظاهرة تحمل كثيراً من الوعود.

8. لا تعترض حركة المجتمع المدني على اعتقال نشطائها فحسب، بل تعترض على مبدا الاعتقال السياسي والتوقيف التعسفي، وعلى عدم احترام دستور البلاد، على ما لها عليه من تحفظات جعلتها تجهر بضرورة تعديله وتطويره؛ والدعوة إلى تعديل الدستور شيء، وعدم احترامه شيء آخر. حركة المجتمع المدني تطالب، أو هي طالبت بتعديل الدستور، ولكن السلطة السياسية، وأجهزتها الأمنية خاصة، لا تحترمه، ولا تعمل بمقتضاه. ومن البديهي أن الذي يطالب بتعديل الدستور يعترف به ويحترمه، وأن الذي لا يحترم الدستور ولا يعمل بمقتضاه لا يعترف به.

9. ويذهب خطاب المجتمع المدني إلى أن الفساد الذي تفاقم حتى شمل جميع مؤسسات الدولة، وجميع مجالات الحياة، لم يعد تعبيراً عن انحطاط أخلاقي فحسب، بل غدا عنصراً بنائياً من عناصر النظام يتغذى، من احتكار السلطة والثروة والقوة، ومن غياب القانون، ومن انقطاع العلاقة بين الحاكم والمحكوم، أو من تخارج الدولة والمجتمع والسلطة والشعب، حتى باتت عملية مكافحة الفساد تقتضي تغييراً جذرياً في بنية النظام، ومدخلاً لازماً وكافياً، في اعتقادي، للإصلاح والتحديث والتطوير. ومن حق المواطنين أن يتساءلوا عن مصير مشروع مكافحة الفساد الذي كان أحد العنوانات الرئيسة لمشروع السيد رئيس الجمهورية، قبل تسنمه منصب الرئاسة وبعده. ولعله يكفي اليوم أن تبدأ عملية مكافحة الفساد بتضافرجهود المعنيين، في السلطة وخارجها، حتى تتبين للجميع أهمية المشاركة السياسية وسيادة القانون وإعادة إنتاج العلاقة الجدلية بين الدولة والمجتمع والسلطة والشعب. والفساد الذي يشتكي منه الجميع هو لغز محلول لبنية الحياة السياسية في سورية، وأحدى النتائج التي تمخض عنها حكم الحزب الواحد، أو الحزب القائد في أكثر من مكان، الحياة السياسية القائمة على مبدأ الولاء الشخصي وعلى العصبية، بالتعبير الخلدوني، وعلى حلول الامتيازات محل القانون، وعلى تماهي الشخص والمنصب الذي يشغله، حتى غدت مؤسسات الدولة ومرافقها العامة أشبه ما تكون بإقطاعات العصور الوسطى، المملوكية / العثمانية. وإلا كيف نفسر بقاء المسؤولين، والـ "النقابيين" و "المناضلين" في مناصبهم هذه المدد الطويلة، مع افتقار معظمهم إلى الكفاية والنزاهة والاستقامة؟ الفاسدون والمفسدون، الذين لا يتورعون عن أي من الصغائر والكبائر، ليسوا أشباحاً؛ فهم معروفون بالأسماء والصفات، ويكفي تفعيل قانون "الكسب غير المشروع" الذي يلخصه السؤال الشهير: من أين لك هذا؟، وقانون استغلال مزايا المنصب لأغراض شخصية، حتى يظهروا إلى العلن، ويعرفهم القاصي والداني.

لا يخامرنا أي وهم حول استقلال المجال الثقافي عن المجال السياسي استقلالاً نسبياً، ولا يساورنا أي شك في حقيقة أن المثقف لا ينوب عن السياسي، ولا يستطيع أن يقوم بمهامه، ومن ثم فإن دعاة المجتمع المدني لا يتطلعون إلى ممارسة السياسة بصيغتها الحزبية المباشرة، مع أن لبعضهم صلات سابقة أو راهنة بالأحزاب السياسية، لأنهم يعتقدون أن السياسة ليست ممارسة حزبية فحسب، على أهمية هذه الممارسة وضرورتها، ولا سيما في المجتمعات التي لم تتخلص بعد من رواسب السياسة السلطانية. ولكننا نعتقد أن الثقافة رافعة ضرورية للسياسة، ومقدمة لازمة، وغير كافية للتغيير الاجتماعي، وللتطوير والتحديث؛ فالرافعة الثقافية هي التي توفر الشروط الذاتية الضرورية لكي يكون التغيير الاجتماعي داخلياً أولاً وكلياً، لا جزئياً وقطاعياً، ثانياً، وغير وحيد الاتجاه، بحكم كونه فعلاً جماعياً ومجتمعياً للخروج من أسوار التأخر، ثالثاً. فإن إعادة الاعتبار للثقافة، بعد أن تحولت إلى إعلام ناقص وكاذب، وإلى أداة سلطوية للتنميط والسيطرة على التنوع والاختلاف، فضلاً عما أصابها من سطحية وخفة واستخفاف بالعقل، وإطلاق حركة نقدية تطال جميع بنى المجتمع وعلاقاته شرطان أساسيان لعقلنة السياسة وعلمنتها ودمقرطتها. ولا يمكن إعادة الاعتبار للثقافة وإطلاق حركة نقدية إلا في مناخ التناصت والحوار. وهذان التناصت والحوار من شأنهما أن يعيدا بناء العلاقة التي انقطعت بين الثقافة والحياة، ويسهمان في تعزيز القيم الوطنية والاجتماعية والإنسانية وتعميمها.