المجتمع المدني والدولة الوطنية

 

جاد الكريم الجباعي

يتحدد مفهوم المجتمع المدني في كل مرة يستعاد فيها إلى مجال التداول النظري، تعبيراً عن الحاجة إلى تجاوز أوضاع قائمة هنا أو هناك، بعاملين أساسيين: أولهما، التحولات الاجتماعية السياسية والتطور الحاصل أو المتحقق على الصعيدين المحلي والعالمي، في وقت لم يعد ممكناً فيه الفصل بين هذين الصعيدين إلا بصورة إجرائية لأغراض الدراسة والبحث. والثاني هو تطور الفكر النظري، الفلسفي، بوجه عام، وفي مجال علم الاجتماع والنظرية السياسية، بوجه خاص. ومن ثم، فإن كل استعادة لهذا المفهوم هي إعادة بناء وتجديد، أو بسط وإنماء تمليهما الحاجة إلى التقدم. فالمجتمع المدني، مفهوماً وواقعاً، بات محرزاً إنسانياً عاماً تمس إليه حاجة الأمم والشعوب التي ما تزال مهمة تحقيقه، أو استعادته، على جدول أعمالها، بما هو الصيغة الأكثر تحديداً للمجتمع الحديث.

وإذا كان هذا المفهوم قد استعيد إلى التداول أداة تحليل وقيمة معيارية، في الوقت ذاته، حين بلغ التعارض بين المجتمع والدولة المستبدة، الشمولية أو التسلطية، حداً لم يعد  ممكناً معه سوى حذف أحدهما، فإن هذه الاستعادة تطرح من جديد علاقة المجتمع بالدولة التي يفترض أن تكون شكل وجوده السياسي. أي إنها تطرح على الفكر النظري أولاً قضية العلاقة الجدلية بين الوجود الاجتماعي وشكله السياسي المغترب؛ للكشف عن عوامل الاغتراب والتخارج وإعادة بناء هذه العلاقة بالتضاد مع الانحراف أو الانزياح الليبرالي الجديد الذي استبدل السوق بالمجتمع المدني.

على صعيد الفكر بصفته فكر الواقع، تتحدد مقولتا المجتمع المدني والدولة الوطنية، فضلاً عن المحددات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والأخلاقية والسياسية، بمتغيرين أساسيين: هما الحرية بوصفها وعي الضرورة وموضوعية الإرادة وإمكانية الاختيار، والضرورة التي هي في الواقع ضرورات طبيعية واجتماعية واقتصادية وسياسية تجد تعبيرها الواقعي في القانون بصفته تسوية تاريخية بين قوى ومصالح متعارضة، تسوية يرى فيها المواطنون، في كل مجتمع على حدة, انتصاراً على الجهل والهوى. ومن ثم فإن المجتمع المدني هو مملكة الحرية، بقدر ما يعي الضرورات التي أشرنا إليها. والدولة هي مملكة القانون بالمعنى الذي ذكرناه. ومن البديهي أن تكون الحرية مشروطة بالقانون، مثلما المجتمع المدني مشروط بالدولة الوطنية، فلا حرية من دون قانون، ولا مجتمع مدنياً من دون دولة وطنية. والعكس صحيح في الحالين. ونعني بالدولة الوطنية، لكي لا يلتبس الأمر على أحد، ولا سيما ممن لا يهمهم من الوطنية سوى بعدها القيمي، الدولة السياسية التي تعبر عن الكلية الاجتماعية، دولة الحق والقانون التي يرى فيها المواطنون جميعاً وطنهم السياسي وموطن اعتزاهم الأدبي، والتي تنبثق سلطتها السياسية عن الشعب بالانتخاب المباشر السري والنزيه، على أساس حزبي ونسبي. وبمقتضى العلاقة الجدلية بين الحرية والقانون يغدو القانون ضامناً رئيساً للحرية، وتغدو الحرية مضمون القانون، وتغدو الدولة من ثم مملكة الحرية، بقدر ما يتعزز فيها حضور المجتمع المدني، ولا سيما في السلطة التشريعية. وبالانتخابات النزيهة مرة بعد مرة تتجه الدولة السياسية نحو النظام الديمقراطي. فالمجتمع المدني، في ضوء ذلك، مجتمع مواطنين أحرار ينتظمون في بتى وتشكيلات وتنظيمات ضرورية كالفئة أو الطبقة الاجتمعية أو الجماعة المهنية وأخرى إرادية وطوعية كالجمعيات والأحزاب، وتؤلف جميعها نسيجاً من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية تقوم على مبدأ المواطنة وعلى حرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن. ومؤسسات المجتمع المدني كافة مرنة ومفتوحة تتيح أمكانية الانتقال منها وإليها، بحسب إرادة الأفراد وإيقاع التطور الاجتماعي، بخلاف مؤسسات المجتمع الجماهيري. وهذه المؤسسات هي الأطر المجتمعية التي تتخذ فيها التعارضات الاجتماعية صيغة سياسية تستبعد جميع أشكال العنف والإقصاء والاستبعاد. ولها دوماً وظائف مساعدة ومكملة لوظائف الدولة. على افتراض أن جميع وظائف الدولة هي وظائف اجتماعية. وفي هذه المؤسسات تتعين وتتعزز قيم المجتمع الحديث: الإنسية والعقلانية والعلمانية والدبمقراطية واحترام العمل واحترام الوقت والمنفعة مفهومة فهماً صحيحاً، لأن آليات عملها تقوم على المنافسة الشريفة التي تقتضي الجدارة والكفاءة والنزاهة والشعور بالمسؤولية وإيثار المصلحة العامة.

في الوطن العربي بوجه عام، وفي بلدان المشروعية الثورية بوجه خاص، تنبع ضرورة المجتمع المدني من ضرورة الاندماج القومي واستعادة مفهوم المواطنة التي خفضت في هذه البلدان إلى مستوى الولاء الحزبي أو الشخصي، وإلى مستوى الرعوية، واستعادة مفهوم الشعب الذي خفض إلى مستوى "الجماهير" أي إلى كتل سديمية وجموع غير منسوجة. بقدر ما تنبع من ضرورة إطلاق فاعلية المجتمع الإنتاجية والإبداعية ومساواة المواطنين أمام القانون. ومن ضرورة استعادة قيم الجدارة والاستحقاق والكفاءة وغيرها من القيم الاجتماعية والإنسانية التي هدرت ولا تزال. بل إنها تنبع من موضوعية الواقع، واقع التعدد والاختلاف والتعارض، ومعقوليته. في نطاق التعدد والاختلاف والتعارض تقوم وحدة المجتمع والدولة على مبدأ النقص والاحتياج، وعلى واقع أن كل فرد في المجتمع المدني إنما يقوم بوظيفة ضرورية للآخرين، وواقع أن كل واحدة من فئات المجتمع هي جزء من الكل الاجتماعي تتحدد به ولا تحدده. بل لا بد من الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى حقيقة أن أنظمة التسلط والاسبداد كانت على مر التاريخ تمعن في تفكيك البنى والروابط المجتمعية، وتدمر جميع الفئات الاجتماعية، ولا سيما المنتجة منها، لمصلحة أوليغارشية عسكرية تستأثر بقوة عمل الجميع. المجتمع المدني منقسم إلى فئات وطبقات لها مصالح مختلفة ومتعارضة، أجل، ولكن هذه المصالح لا تتحقق إلا في نطاق الوحدة الوطنية، وفي نطاق وحدة المجتمع والدولة. التعارضات الاجتماعية هي الشر الذي يولد الخير، والانقسام الذي يولد الوحدة. ولا وحدة بلا انقسام.

ثمة من يقول: إن المجتمع المدني يجمع إيجابيات أيديولوجيات ونظريات مختلفة في الحكم تنتمي إلى مراحل تاريخية مختلفة.[1] مما يضفي على المفهوم طابعاً أيديولوجياً صرفاً، ومعيارياً خالصاً، ويتجاهل الفرق بين المفاهيم والأفكار في ذاتها وبين وظيفتها في هذا النسق أو ذاك، بل إنه يتجاهل أن المفاهيم في ذاتها هي تجريدات بَعدية للواقع. وليس أدل على ذلك من كون مفهوم المجتمع المدني يستعمل في بعض الأقطار العربية، اليوم، من قبل اتجاهات فكرية وسياسية مختلفة ومتخالفة. فالتوتاليتاريون، محازبو الدولة الشمولية ومجتمعها الجماهيري، لا يرون فيه سوى نقيض للدولة، ولا يرون في دعوته سوى محاولة لتقويضها. والليبراليون الجدد، من دعاة العولمة وما بعد الحداثة، لا يرون فيه سوى شبكة من الجمعيات غير الحكومية متمفصلة مع السوق التي يراد لها أن تحل محل الدولة الوطنية. والوطنيون الديمقراطيون العلمانيون يرون فيه تخطياً جدلياً للمجتمع التقليدي المتأخر المنقسم على نفسه عمودياً، أو للمجتمع الجماهيري، مجتمع الدولة التسلطية، ومدخلاً ضرورياً إلى الحداثة، وإلى الدولة الوطنية / القومية الديمقراطية. في حين يرى فيه الماركسيون التقليديون مجتمعاً بورجوازياً رأسمالياً بالمعنى التحقيري لهاتين الصفتين في مصفوفتهم الستالينية. مما يقتضي إعادة تحديد المفهوم في سياقه النظري الذي أنضجته واستدعته ظروف تاريخية محددة، ورصد مختلف العمليات أو السيرورات الواقعية التي أسهمت في تعيّنه واقعاً محققاً في أماكن مختلفة من العالم، ولا سيما في غربي أوربة وشماليها، والسيرورات أوالعمليات التي انطلقت منه إلى الديمقراطية والدولة الوطنية. إذ لا دولة وطنية بلا مجتمع مدني، ولا مجتمع مدني بلا دولة وطنية، يسميها بعضهم بحق "الدولة السياسية" التي تبدو لمواطنيها، من الداخل، دولة حق وقانون، وتبدو لغيرهم، من الخارج، دولة وطنية أو قومية، ولا فرق. ودولة الحق والقانون هذه هي المقدمة الضرورية، منطقياً وتاريخياً، للدولة الديمقراطية. وقد بينت التجربة التاريخية أن قوة الدولة الوطنية تتأتى من قوة المجتمع المدني فحسب. ولعل كثرة من المثقفين العرب يجمعون اليوم على وجود علاقة ضرورية بين الديمقراطية والمجتمع المدني، وإن يكن بعضهم قد صاغها صياغة إشكالية، كما فعل الجابري، حين رأى أنه لا يمكن تحقيق الديمقراطية بدون المجتمع المدني، ولا يمكن نشوء مجتمع مدني بدون الديمقراطية.

وفي جميع الأحوال، فإن مقاربتنا لمفهوم المجتمع المدني تنطلق من / وتتأسس على فرضية التعارض والتضاد بين المجتمع المدني وتعبيره السياسي، الدولة الوطنية الديمقراطية من جهة، والمجتمع الجماهيري وتعبيره السياسي، الدولة التسلطية ذات الطابع الشمولي من جهة أخرى. وذلك لاعتقادنا بأن هذا التعارض هو التعارض الرئيس الذي يحكم سائر التعارضات الاجتماعية والسياسية الأخرى، في المجتمعات التي تعاني من مثل هذه الدولة، لا سيما أن الدولة التسلطية تقوم على تدمير مختلف الفئات الاجتماعية، وإلغاء جميع أشكال التضامن الجمعي والاجتماعي داخل كل منها وفيما بينها، وتحول المجتمع إلى سديم بشري غير منسوج، أو إلى "جماهير" أو كتل من أفراد سلبيين ومنعزلين وخائفين، أو لا مبالين تقوم بين كل منهم، بصفته الشخصية، وبين السلطة علاقات خطية مباشرة، قوامها الإرهاب والخوف،أو الاستتباع والولاء، لا تنتج سوى الفرار من السلطة أو الفرار إليها، وتطغى على حياتهم قيم الوشاة والمخبرين، بقدر ما يطغى الطابع "الأمني"، البوليسي على مؤسسات الدولة وآليات عمل السلطة، وبقدر ما تتحول السلطة إلى نسق مولد للعنف الذي ينتج الجلادين والضحايا والمخبرين. وتقدم لنا رواية جورج أورويل "1984" ورواية جمال الغيطاني " الزيني بركات" ورواية عبد الرحمن منيف "شرق المتوسط" وأعمال صنع الله إبراهيم وسعد الله ونوس وغيرها شهادات واقعية حية عن عالم الدولة القمعية، أو الدولة الأمنية، بتعبير الطيب تيزيني. وما كان للدولة التسلطية أن تحقق ذلك لولا "الاحتكار الفعّـال لمصادر الثروة والقوة والسلطة في المجتمع".[2] ومن ثم فإن لإحياء المجتمع المدني ثلاثة مداخل ضرورية هي: كسر احتكار الدولة، وتعزيز طابعها الجمهوري ووظائفها الاجتماعية أولاً. وإلغاء طابعها الجزئي، أي إلغاء كونها دولة الحزب، أو دولة النخبة أو دولة الطغمة أو دولة أي عصبية من العصبيات، ثانياً. وإلغاء طابعها الأمني أخيراً.

والمجتمع المدني، بصفته فضاء من الحرية، أو فضاء الحرية. لا يحدد، في اعتقادنا، علاقة واحدة ثابتة بالدولة ونظام الحكم، بل هو بالأحرى نسق مفتوح، ومن ثم، مولِّد لعلاقات مختلفة يحددها مستوى تطور المجتمع المعني، أي تطور عملية الإنتاج الاجتماعي بجميع منطوياتها، ومواقع الفئات الاجتماعية على سلم الإنتاج الاجتماعي، ونصيب كل منها من الناتج المحلي والدخل القومي والثروة الوطنية، ودرجة تمتع الأفراد والفئات الاجتماعية بالحقوق المدنية والحريات الأساسية. أي إن علاقة المجتمع المدني بالدولة ونظام الحكم تتحدد بمستوى تطور البنى الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ودرجة حيويتها وديناميات نموها؛ لا سيما أن منطقه الداخلي هو منطق المجموعات الحرة التشكّليّة التي لا يمكن أن تكون أي منها حرة ومولِّدة ما لم تكن جميع عناصرها حرة. ومن ثم فإن فلسفة المجتمع تقوم على الاعتراف الأولي والمبدئي والنهائي بأن البشر هم الذين يصنعون تاريخهم، وينتجون أشكال وجودهم. وفي اعتقادي الشخصي أنه ليس في المجتمع والدولة شيء ليس موجوداً في الفرد بالقوة أو بالفعل؛ لأن الفرد هو الأساس الطبيعي للمجتمع، ومن ثم، للمجتمع المدني والدولة. فالمجتمع المدني يمكن أن ينتج نظاماً ملكياً دستورياً أو نظاماً جمهورياً .. وفي جميع الأحوال يظل هو حقيقة نظام الحكم، ولكن أي نظام حكم غير النظام الديمقراطي ليس حقيقة المجتمع المدني المؤسس على حرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن، وعلى مبدأ المجموعات الحرة التشكّـليّة.

ليس بوسع الفكر النظري أن يقيم ترسيمة ناجزة ونهائية للمجتمع المدني تصلح معياراً وحيداً للحكم على تحققه أو عدم تحققه هنا أو هناك. وحين يحاول الفكر النظري أن يفعل ذلك يتحول إلى أيديولوجية، أو إلى تعبير عما هو واجب ومرغوب فيه. أما حين ينطلق من كينونة اجتماعية متعينة  في زمان ومكان محددين، فإن مفهوم المجتمع المدني وحظوظ تحققه تتعلق بالممكنات التي تنطوي عليها هذه الكينونة، بما هي كينونة في التاريخ وفي العالم، محكومة ومحددة ببعديها الزماني والمكاني، التاريخي والعالمي، وبمنطقها الداخلي، وهو العنصر الحاسم في جميع الأحوال، ومن ثم، فإن المنطق العقلي الحق هو هذا المنطق الداخلي، منطق الضرورة الداخلية / الخارجية الذي هو نفسه منطق الحرية، منطق الراهنية والنفي ونفي النفي، وجدل الذات والموضوع، الذات التي تنتج نفسها في التاريخ وفي العالم، ثم تستعيد موضوعية العالم والتاريخ في ذاتها. فإن كون العقل هو عقل الكون. وفي هذه الحال يغدو سؤال الفكر الأساسي: ما الذي يلبي حاجات الواقـع، وفي أي اتجاه يمكن أن تذهب العلاقات الاجتماعية الاقتصادية والسياسية، وما دور البشر في تحديد هذا الاتجاه ؟ إن للواقع منطقاً لا بد من اكتشافه والعمل بمقتضاه حتى يكون العمل، عمل الرأس واليدين، متسقاً مع حركة الواقع ومطلب الحرية والتقدم ومنطق التاريخ. فليس صحيحاً أن أهداف البشر هي التي تحـدُّد اتجاهات تطور الواقع، فما أكثر ما ذهبت أعمال كبيرة في غير الاتجاه الذي أراده منها الفاعلون. (الثورة البلشفية وتحولاتها الستالينية وركودها البريجينيفي وإصلاحها الغورباتشوفي مثال ساطع. وكذلك تجربة حركات التحرر الوطني، ولا سيما الحركة القومية العربية). في هذه الحيثية، نحـن إزاء "حساب الحقل وحساب البيـدر"، في المأثور الشعبي، أي إزاء مكـر العقل ومكر التاريخ بتعبير هيغل. فإلى متى نظل كالقبائل البدائية نضحي بأغلى ما لدينا على مذبح الأوهام التي نسجناها عن أنفسنا وعن العالم؟ وإلى متى نظل نعبد الأوثان التي صنعناها بأيدينا؟ فقد نغامر بالقول: إن المجتمع المدني يمثل حالة الخروج من الوثنية، من دون أن ننفي ميل البشر إلى إنتاج  أوثان جديدة وأساطير جديدة. فللمجتمع المدني أوثانه وأساطيره أيضاً، فضلاً عن تناقضاته الداخلية.

وترانا مضطرين أن نذكّـر الذين يتوجسون من "المجتمع المدني" من مثقفي السلطة والأحزاب الشمولية، بحجة التباسات المفهوم، وإيحاءاته الناجمة، في رأينا، عن اختلاف تجلياته في التاريخ، وعن اندراجه في أنساق فكرية وأيديولوجية متباينة ومتعارضة، أن لفظة المدني في هذا السياق صفة للمجتمع. والصفة حد وفرق، وهي في اللغة العربية تابعة، تتبع الموصوف في جميع أحواله. والموصوف عند العرب، كما عند غيرهم، لا يستنفد في صفة من صفاته، ولا في جميع صفاته المعروفة، ولذلك تتعدد الصفات تعدد الأحوال، وتتغير بتغيرها. اللغة منطق الناطقين بها. هل تريدون أن نقول: إن حججهم على المجتمع المدني لا تستند على منطق اللـغة التي رفعوها إلى مصاف المقدس، ولا إلى أي منطق، اللهم سوى منطق التسلط والشمولية واستمراء الركوب على الشعب وتهميش المجتمع ؟

 قبل المجتمع المدني هناك المجتمع، قبل الصفة هناك الموصوف، فهل يعترف هؤلاء السادة  المنافحون عن التسلط والاستبداد بوجود المجتمع ؟ وإذا اعترفوا بوجوده، فهل يعترفون أنه أساس الدولة وحقيقة نظام الحكم ؟ بداية لا نريد منهم أكثر من ذلك، لكي نصف ونستوصف مجتمعنا القائم هنا والآن، ولكي نصف ونستوصف الدولة القائمة هنا والآن. فالوصف هو بداية المعرفة ومقدمة التحليل. ولكننا، للأسف، إزاء تقليد "ثوري"، بل ثوراني، يحـل الصفة محل الموصوف، فتختفي صورة الواقع الفعلي من الرأس، ويختفي معها العقل والضمير. فلا يبقى من الواقـع (المجتمع والدولة) سوى أشباحه وشبِّـيحته. ألسنا نعيش منذ عقود في عالم الصفات والأوهام الذاتية، أوهام الوحدة والحرية والاشتراكية والحداثة والتقدم والعدالة والمساواة، عالم هو مزيج من الوهم والتوهم والإيهام والضلال والتضليل، عالم كل مقوماته هي الكذب والتلفيق والتزلف والنفاق وتسمية الأشياء بغير أسمائها، عالم يطفئ الروح ويقتل الضمير ويسكت صوت العقل ويغتال المعنى؟ ألسنا نشرب كل يوم ماء البحر ونجبر على أن نقول إنه عصير الليمون؟ إن عالماً هذه مقوماته هو عالم بلا معنى، بلا روح ولا قلب ولا ضمير. بدلالة هذا العالم الأيديولوجي الوهمي، أو بدلالة الصورة الوهمية للواقع التي صنعها الإرهاب والخوف يواجه مثقفو السلطة والأحزاب الشمولية دعوة المجتمع المدني ودعاة إعادة إنتاج الثقافة والسياسة في المجتمع بوصفهما بعدين متلازمين من أبعاد الوجود الاجتماعي، منذ كف الإنسان عن كونه نوعاً صائداً ومفترساً بين أنواع أخرى، واستوى على دوره النوعي بستانياً للعالم، ثم صانعاً ومنتجاً لكل ما فيه.



[1] - راجع، عزمي بشارة، المجتمع المدني،دراسة نقدية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998 ، ص 32

[2] - للتوسع في هذا الموضوع، راجع، خلدون حسن النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1996