الإرهاب .. عاهة الرأسمالية المتوحشة ومرضها الخبيث

جاد الكريم الجباعي

 

الكارثة الإنسانية التي وقعت في واشنطن ونيويورك يوم الثلاثاء، 11 أيلول 2001 ، عمل إرهابي قذر ومدان بجميع المعايير، ذلكم هو حكمنا القيمي، الأخلاقي، الذي لا يميز ضحايا عملية واشنطن ونيويورك من ضحايا الإرهاب الإسرائيلي في فلسطين، أو ضحايا القصف الأمريكي في العراق، أو غيرهم وغيرهم من الضحايا الأبرياء في جميع أنحاء العالم؛ فأولئك الذين قتلوا في واشنطن ونيويورك أو في فلسطين والعراق والجزائر والسودان، والذين يقتلون في أي مكان من العالم، هم نحن، في الحيثية الإنسانية، وهي حيثية حاكمة على الأمم والشعوب والدول والأديان والمذاهب، وعلى جميع الخصوصيات. هذا الإرهاب وما يتصل به من أنواع الإرهاب الأخرى ليس قتل نفس هنا أو نفس هناك، أو نفوس هنا ونفوس هناك، بل هو قتل الـ نفـس التي حرم الله، إلا بالحق، أي قتل الروح البشري الذي هو قبس من نور الله. ومن قتل نفساً بغير حق كأنه قتل الناس جميعاً. وإذا كان موت الفرد الطبيعي هو حياة النوع، فإن الاعتداء على الفرد مطلقاً هو اعتداء على النوع كله؛ لأن الماهية الإنسانية الكلية إنما تتجلى واقعياً في الأفراد. فمتى تعي البشرية أن القاتل هو المقتول، وأن الظالم هو المظلوم؟ ومتى نعترف، نحن بني آدم، أن الإنسان الذي كرمه الله، واستخلفه في الأرض، هو مركز العالم ومعيار جميع القيم؟ ومتى نعترف، نحن بني آدم، أن الإنسان غاية في ذاته، فلا يجوز أن يكون وسيلة لأي غاية أو لأي هدف، مهما سمت تلك الغاية أو ذلك الهدف؟

بل إن هذا العمل الإرهابي القذر هو تطور نوعي في الإرهاب، لا من حيث دقة التخطيط والتنفيذ وحجم الكارثة فحسب، بل من حيث قوة التصميم على الموت والقتل، والاستهانة بالحياة لدى المخططين، والمنفذين الذين يفترض أنهم تدربوا على ذلك مدة طويلة، من دون أن ينال من عزمهم تراخي الزمن، ذلك لأن الهدية الوحيدة التي تقدمها الرأسمالية المتوحشة للعالم هي اليأس. واليأس أبو الإرهاب. وهو عمل ينم، في جميع دلالاته، ولا سيما في دلالاته الأخلاقية، على روح أمريكية عنصرية وأخلاق صهيونية، والصهيونية هي العنصرية بالتعريف، بغض النظر عن هوية الفاعلين، وعن مدى تورط الموساد الإسرائيلي وجماعات المصالح الأمريكية فيه. وسوف يمر وقت طويل قبل أن تكشف الإدارة الأمريكية عن هوية الفاعلين، إذا كان لها أن تفعل ذلك. وكلما طال هذا الوقت يرجح في الظن تورط المخابرات المركزية الأمريكية والموساد الإسرائيلي فيه. وسيظل ابن لادن المعروف، وأي ابن لادن آخر، هو العدو الضروري، والغطاء الذي يخفي حقيقة انهيار نظرية "الأمن القومي الأمريكي"، وهشاشة الدولة العظمى، ومرض النظام الرأسمالي الذي يخيل لبعضهم أنه نهاية التاريخ.

ولكن، حتى إذا كان ابن لادن "المسلم" هو من خطط ونفذ، فابن لادن "المسلم" و "العربي" صناعة أمريكية بامتياز، مثل قنبلتي هيروشيما وناغازاكي، ومثل الطائرات والقنابل التي قصفت مدرسة بحر البقر ومقر قوات "حفظ السلام" في قانا، على سبيل المثال فقط، لا على سبيل الحصر؛ لأن الإرهاب صناعة أمريكية بامتياز. وليس في العالم اليوم من يستطيع أن يصدق أن عملاً من هذا النوع، وبهذا الحجم، يمكن أن يقع في أي مكان من العالم من دون أن تكون للمؤسسات الأمنية الأمريكية والإسرائيلية يد فيه. وليس في التاريخ الحديث مثال واحد عمن يمكن أن يقود طائرة ركاب ليقتل بها مواطنين أبرياء، ويقوض بها معلماً من معالم المدنية، غير المثال الصهيوني الذي قاد فقراء اليهود من شتى أرجاء العالم ليقتلهم ويقتل بهم شعب فلسطين، وغير المثال الأمريكي الذي وضع الأمريكيين في حرب مفتوحة مع بقية سكان العالم. المبدأ واحد والهدف واحد.

هذه "العملية الإرهابية" لا تخرج عن إطار الحرب التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية على العالم، منذ غدا مكتب الأمن القومي الأمريكي بديلاً من مجلس الأمن الدولي، أو منذ غدا مجلس الأمن الدولي هو هو مكتب الأمن القومي الأمريكي. وهي حرب قذرة ومدانة بجميع المعايير أيضاً، حرب شاملة ساحتها العالم بأسره، لا خنادق فيها ولا حدود ولا مناطق عازلة، وضحاياها هم الأبرياء الذين ليس لهم فيها ناقة ولا جمل. وهي أول حرب في التاريخ يكون فيها العدو غير محدد تحديداً تاماً، والحليف غير محدد تحديداً تاماً، بل إن العدو فيها هو الحليف، حليف الأمس أو حليف اليوم على السواء وبلا فرق.

يراود المرء ويساوره، في غمرة هذه الحرب، شعور ممض أنه لا قيمة لكل ما يكتب ويقال، سوى أن نقرأ الفاتحة على روح الإنسان المتمدن إزاء هذا الارتداد المريع إلى الهمجية، إزاء نكوص الإنسان العاقل إلى حالة الافتراس، من دون أن يكف عن كونه صانعاً، وإزاء نكوص الرأسمالية إلى الوحشية التي وسمت بداياتها الأولى؛ وهو ما يكشف عن الدلالات الأخلاقية للتقدم التقني الحاصل، أو عن الوجه القبيح للتقدم، خاصة منذ اكتشاف المعالج الصغري (المايكرو بروسيسور)، وانطلاق العولمة الاقتصادية الجديدة، ودكتاتورية السوق. وفي ظني أن الترسيمة الخلدونية في نشوء الدول والممالك وازدهار العمران البشري وانحطاطه ما تزال تحتفظ بقيمتها التفسيرية والأخلاقية، مع تعديل طفيف، أن الهمجية أو البربرية التي تدمر الممالك والامبراطوريات، وتديل الدول، وتقوض أركان الحضارة، تولد هذه المرة من رحم "الحضارة الرأسمالية" ذاتها، وتنشأ في كنفها بوصفها عاهتها أو مرضها الخبيث. فلم يعد أحد يماري في حقيقة أن الرأسمالية قد غدت نظاماً عالمياً أدمج في بنيته جميع الأمم والشعوب، بما في ذلك البدو الرحل على هوامش الدول وفي أقاصي المعمورة. فليس في عالم اليوم سوى حضارة واحدة هي الحضارة الرأسمالية بتناقضاتها الملازمة، أو بما هي تناقض في ذاتها بين العمل ورأس المال، وبين التنافس والاحتكار، وبين الديمقراطية والاستبداد ... بخلاف ما ذهب إليه هنتنغتون في كتابه "صراع الحضارات"، الذي ينم على روح الرأسمالية المعاصرة، في إهابها الأمريكي، ويشي بانحطاطها الروحي والأخلاقي.

ليس من باب الغلو أن نقول: إن الولايات المتحدة الأمريكية نجحت في إعادة إنتاج النظام الرأسمالي، بعد الحرب العالمية الثانية، على صورتها ومثالها. وراحت، منذ ذلك الحين، تتعامل مع بقية دول العالم وفق مبدأ نشوئها ذاته، أي وفق مبدأ "الأرض المفتوحة والعمل العبدي". وخيل لها، في عنفوان تقدمها العلمي والتقاني، أن "العالم لا يتسع سوى لدولة واحدة، هي الولايات المتحدة الأمريكية". وثابرت على فرض ذلك الوهم على العالم. ومن طبيعة الأمور أن فرض الوهم على العالم يحتاج إلى العسف والإكراه والإرهاب. وفي ظني أن الفكر النظري، ولا سيما في مجال النظرية السياسية وفي مجال الاقتصاد السياسي، لم يول هذه الواقعة الأهمية التي تستحق؛ فلم يميز الرأسمالية المعاصرة ذات الطابع الأمريكي التي يحسن وصفها بالرأسمالية المتوحشة، أو الرأسمالية الخالصة، من الرأسمالية الكلاسيكية التي تحققت في غربي أوربة وشماليها والتي كانت تحمل في أحشائها النظام الديمقراطي ودولة الرفاهية، وجنين النظام الاشتراكي والمجتمع المؤنسن. فلم يتساءل عن عوامل نمو عناصر التوحش والهمجية في هذا النظام الرأسمالي، أو عن عوامل ما يسميه جورج سوروس، أحد سدنة الهيكل الرأسمالي، بعدم التوازن الفعال في النظام الرأسمالي العالمي المعاصر. ولذلك لم يزل الفكر النظري متردداً في مسائل "العولمة الاقتصادية الجديدة" وأيديولوجيتها الليبرالية الجديدة، ونظريات "ما بعد الحداثة".

تحية لسمير أمين الذي وصف "النظام العالمي الجديد" الذي تقوده أمريكة وتضفي عليه أخص خصائصها، أعني الأرض المفتوحة والعمل العبدي، بأنه "امبراطورية الفوضى". وتحية أخرى لسمير أمين الذي استشعر ببصيرته النفاذة وحسه المرهف وروحه الإنساني "روح العصر" الأمريكي الذي قوامه الاحتكار والإرهاب. وقد أشرت في مقال سابق إلى أن الاحتكار والاستبداد صنوان، وعلى القياس ذاته يمكن القول: إن الاحتكار والإرهاب صنوان، أو وجهان لعملة رديئة واحدة، يتقدمان معاً ويتراجعان معاً. ثمة علاقة طردية لا تخفى بين تركُّز الثروة والقوة والسلطة وتفشي الفقر والبؤس والحرمان، وانسداد آفاق الحياة الحرة الكريمة أمام أربعة أخماس البشرية، ومن ثم، تفشي العنف والإكراه والإرهاب. وليس من قبيل المصادفة أن تقوم قوة الامبراطورية الجديدة، "امبراطورية الفوضى" على ثلاثة الأركان ذاتها التي قامت عليها الدولة الاستبدادية الشمولية، النازية والفاشية والستالينية، أعني الأيديولوجية، (وهي هنا الليبرالية الجديدة)، والإعلام، والإرهاب (قوة الجيش والبوليس السري والميليشيات المسلحة).

تنطوي الكارثة الإنسانية التي وقعت في نيويورك وواشنطن على ثلاث دلالات أساسية: أولى هذه الدلالات، انهيار نظرية "الأمن القومي الأمريكي"؛ لا لشيء سوى لأن التناقض بين الأمن القومي الأمريكي وأمن العالم قد بلغ ذروة لم يعد ممكناً معها سوى حذف أحدهما. وها هي الإدارة الأمريكية تستعجل إنشاء "تحالف دولي" ضد المجهول الذي تسميه الإرهاب بغية إشاعة الفوضى والإرهاب في العالم كله، وبغية توجيه ضربات استباقية لكل ما تعتقد ولكل من تعتقد أنه يهدد مصالحها و"أمنها"، ولإرهاب الحكومات التي بدرت منها بعض بوادر الاحتجاج على السياسة الأمريكية. وللحيلولة دون قيام حلف عالمي مضاد للعولمة الأمريكية، أي مضاد للإرهاب الأمريكي بجميع أشكاله العسكرية والاقتصادية والسياسية والثقافية. ولا مناص من الاعتراف بأن العولمة، بآلياتها الفعالة، قد اقترنت، حتى اليوم، بالفوضى في جميع المجالات. وأزعم أن ظاهرة "الإرهاب" التي كان الإعلام الأمريكي سباقاً إلى وضع مصطلحها "الفني" هي ظاهرة ملازمة للعولمة الأمريكية ونتيجة من نتائجها. وثانية هذه الدلالات هي هشاشة الدولة العظمى. وهي هشاشة ناجمة عن هيمنة الاحتكارات الكبرى ورأس المال المالي على الدولة التي أخذت وظائفها الاجتماعية تتقلص بالتدريج، فلم تعد رفاهية المواطن وأمنه من شواغلها الأولى. وقد أشار بعض الباحثين إلى أن الولايات المتحدة تنفق على الحراسات الخاصة ضعف ما تنفقه الدولة على الشرطة، أو ما يسمى عندنا قوى الأمن الداخلي. وأمارة ذلك اتساع دائرة المهمشين الذين يعيشون دون خط الفقر (تقدرهم بعض الدراسات بنحو 18-20% من السكان). وزيادة نسبة الجريمة بين الشباب واليافعين خاصة. فضلاً عن تقليص إنفاق الدولة على الخدمات العامة، ولا سيما الصحة والتعليم. وثالثة هذه الدلالات وأهمها هي ما  وصفته بعاهة الرأسمالية ومرضها الخبيث، وهما عاهة قديمة، ومرض خبيث مزمن ينتشر في أوصال النظام، وقد يصل إلى قلبه إذا ما استمرت الولايات المتحدة في فرض مصالحها الخاصة على العالم على أنها مصالح النظام الرأسمالي بأسره، وإذا ما استمر عدم التوازن الفعال في بنية النظام، وإذا ما استمر رأس المال المالي في اندفاعه الأعمى عاصفاً بالأسواق المالية وباقتصادات الدول وبقوة عمل الشعوب. ويتجلى مرض الرأسمالية الخبيث اليوم في نشوء طغمة عالمية كوسموبوليتية تتركز لديها معظم ثروة العالم وقوته، وقد أخذت مصالحها في كل مكان من العالم تنفك تدريجياً عن مصالح شعوبها، بما في ذلك الطغمة الأمريكية بالطبع، فانحلت عرى العقد الاجتماعي أو كادت تنحل في كل دولة على حدة، واهتزت أركان الدولة القومية، دولة الرعاية والرفاهية. وبدا ذلك واضحاً في هوامش النظام الرأسمالي وأطرافه حيث مرض النظام وفساده أشد فتكاً. فليس بوسع البحث المتأني أن يفصل ظاهرة الاستبداد والتسلط وفساد الدولة وتهميش الشعوب في أطراف النظام الرأسمالي وهوامشه عن تحولات الدولة البيروقراطية الحديثة في المراكز الرأسمالية، إذا ما اتخذ من مقولة "النظام العالمي" أداة للتحليل. وإذا كان هناك "يد خفية" تنظم حركة السوق العشوائية التي لم يعد يحكمها سوى مبدأ الربح، فإن السؤال اليوم هو: ما هي ومن هي اليد الخفية التي ستنظم العلاقات الدولية، في ظل حالة الطوارئ التي فرضتها الولايات المتحدة على العالم من جانب واحد؟.