العولمة .. وقائع وأساطير

 

أثار مفهوم العولمة، ولا يزال يثير، كثيراً من الجدل، لما يحمله من التباسات ترجع، في ظني إلى سببين: أولهما عدم تمييز الوقائع من الأساطير، والثاني هو الركون إلى أسطورة قيادة الاقتصاد للسياسة، والنظر إلى قوانين الاقتصاد على أنها قوانين حتمية وبريئة، كقوانين الطبيعة، مع أن قوانين الطبيعة ليست حتمية، إلا في نظر أتباع المذهب الوضعي، والركون، من ثم، إلى أسطورة أن معايير الاقتصاد هي معايير اقتصادية فحسب، وإلى أسطورة "اليد الخفية" التي تجعل السوق تنتظم من تلقاء ذاتها، فتحقق التوازن التلقائي والمواءمة الذاتية. ويبدو أن الفوضى العالمية وانتشار إرهاب الدول الإرهابية كالولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل، وإرهاب المنظمات والأفراد الذي تغذيه هذه الدول، وكذلك الحرب على العراق والحرب على أفغانستان، وعشرات الحروب الإقليمية والنزاعات المحلية، وغيرها من الوقائع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، لم تقنع بعضنا بعد بأنها أهم مظاهر العولمة وتجلياتها، وأهم سمات "النظام العالمي الجديد" الذي أعلن جورج بوش الأب عن ولادته بعد العدوان على العراق عام 1991 ، العام الذي انهارت فيه "إمبراطورية الشر" وزالت من الوجود، وغدا العالم كله في قبضة القوة العمياء.

العولمة، لغوياً، مصدر يدل على فعل قصدي وقسري يفترض استجابة موضوعه ومطاوعته، وهو كغيره من المصادر مجرد من الزمان والمكان اللصيقين بالفعل؛ مما يعني أنه تجريد لفعل جرى ويجري في الواقع الذي هو وحدة الزمان والمكان. فقبل مساءلة  المفهوم والانسياق مع دلالاته  الواقعية أو الرمزية لا بد من السؤال عن ذلك الفعل الذي  جرى و يجري في الواقع، إذا كان للكلام من معنى. و العولمة كما يتبادر للذهن  مباشرة تقع في الحقل الدلالي لمفهوم العالم، وتمت بصلة قربى لغوية ودلالية للعالمية، مع الفرق.

والعالمية، بمعنى وحدة العالم الجدلية، وارتقاؤه إلى جماعة إنسانية متضامنة، كانت، ولا تزال من أهم رهانات التاريخ البشري، إن لم نقل رهانه الرئيس.  وأن سير التاريخ كان، بالجملة، تحقيقاً أو توقيعاً تدريجياً لهذا القصد أو الرهان، عند من يقول بغائية التاريخ. فغائية التاريخ ليست شيئاً آخر  سوى  انبساط الروح الإنساني في التاريخ وفي العالم، ليست سوى تموضع ماهية الإنسان بتوسط العمل الذي يجعل العالم إنسانياً شيئاً فشيئاً والإنسان عالمياً شيئاً فشيئاً. وأول تجليات العالمية كانت محاولة الاسكندر المقدوني إقامة إمبراطورية عالمية بالوسيلة التي كانت متاحة في عصره والتي تعبر عن روح ذلك العصر، أعني الفتوحات العسكرية. وتلاه  في ذلك الرومان والعرب المسلمون والعثمانيون وغيرهم،  بحسب الصورة التي أنشأها كل من هؤلاء عن العالم. فتوحيد العالم بالقوة العسكرية كان الشكل الأول من أشكال العالمية. بيد أن ذلك التوحيد كان تناقضياً، فقد قسم اليونان  العالم  إلى عالمين: عالم اليونان وعالم البرابرة، عالم السادة وعالم العبيد، وكذلك فعل الرومان، من دون أن يدركوا الصلة العميقة، صلة التبعية المتبادلة بين ذينك العالمين، أي من دون أن يدركوا جدلية السيد والعبد، فمن يستعبد الآخرين إنما يستعبد ماهيته الإنسانية أو جوهره الإنساني. فلم يكن السادة أقل تبعية للعبيد وأقل احتياجاً إلى قوة عملهم، والتاريخ لم يترك لنا سوى نتاج عمل العبيد وإنتاج المنتجين وإبداع المبدعين، وتماثيل بلهاء "للقادة العظام" لا تشهد سوى على براعة صانعيها. وما لبث  التاريخ أن أضاف إلى ذلك التوحيد التناقضي عنصراً جديداً عبر عنه دين الإله الواحد، ولا سيما المسيحية والإسلام، فأضيف التوحيد الثقافي، والأيديولوجي، تحت مقولة الإله الواحد مبدأً لوحدة العالم ووحدة الكون ووحدة النوع البشري، ومبدأً للمعرفة والعمل والجهاد، جهاد النفس الأمارة بالسوء.

بيد أن الشكل الفعلي لتوحيد العالم توحيداً لا رجعة عنه، سوى إلى الهمجية، أنجزته الرأسمالية  بوصفها نمط إنتاج جديداً وثورة جذرية توافرت لها جميع مقومات الثورة الجذرية، وراحت عالميتها التي أمها المعرفة وأبوها العمل تنمو باطراد، حتى غدا العالم فعلاً قرية كونية. ومن البديهي أن تنطوي سيرورة التوحيد الرأسمالية على الشكلين السابقين كليهما، أعني الشكل العسكري والشكل الثقافي، وتتخطاهما إلى وحدة المعرفة والعمل. إن العنصر الثوري في الرأسمالية ليس تطور القوى المنتجة تطوراً مذهلاً فحسب، بل، قبل ذلك وبعده، تغير طبيعة العمل البشري بتغير مناهج المعرفة ونمو الفكر وتقدم العلم، أي الانتقال الثوري من العمل الزراعي وما كان يقتضيه من حرفة وتجارة  إلى العمل الصناعي الذي جعل من الزراعة ذاتها صناعة حديثة. هذا التغير الثوري في طبيعة العمل علامة بارزة من علامات ارتقاء البشرية ونمو الروح الإنساني في الأفراد والجماعات والأمم والشعوب، ودليل ساطع على كونية الروح الإنساني وكونية العقل وعلى وحدة التاريخ البشري. بغض النظر عن مثالب الرأسمالية وتناقضاتها الداخلية وما تنطوي عليه من قهر وظلم واستغلال. والشعوب المتأخرة اليوم هي التي لم تتغير فيها طبيعة العمل بعد تغيراً جذرياً؛ لأن مناهج المعرفة لم تتغير فيها بعد تغيراً جذرياً، ولأنها لم تنجز بعد ثورة كوبرنيكية على صعيد المعرفة والعمل والإنتاج، بكل ما تنطوي عليه هذه المقولات من معان، ولا بد لها أن تفعل ذلك. إن الثورتين اللتين ينطبق عليهما مفهوم الثورة، بعد ظهور النوع البشري وقيام الاجتماع البشري، هما: الثورة النيوليتية والثورة الصناعية، وكلتاهما ثورتان عالميتان. فالثورة الفعلية هي التي تحقق انتقالاً من نمط حياة ونمط إنتاج إلى نمط آخر يتجاوز الأول ويتخطاه جدلياً. إن جميع القوى المنتجة التي أسفر عنها التطور  التاريخي، ولا سيما تلك التي أسفر عنها تطور النظام الرأسمالي، كانت مكنونة في العمل البشري أو مضمرة فيه، أو موجودة فيه بالقوة. ومن يدري ما الذي يضمره العمل البشري وسوف يفصح عنه في المستقبل، في زمن تتضاعف فيه معارف البشرية كل خمس سنوات أو أقل من ذلك؟ فإن تراكم خبرات البشرية العاقلة والعاملة وتضاعف معارفها وتطور مناهجها هو العامل الحاسم في نمو العمل وارتقائه وتغير طبيعته، وصيرورته أقرب إلى العمل الذهني الخالص، وصيرورة العلم والمعرفة قوة إنتاج رئيسة.

وإذا كان العمل هو أهم خصائص الإنسان النوعية، فإن المقولة المركزية التي تتأسس عليها سائر المقولات والحقل الدلالي الذي تتفرع منه سائر الحقول، هي وهو: الإنتاج الاجتماعي الإنساني، إنتاج المعارف والثروات المادية والروحية وإنتاج العلاقات والبنى والتنظيمات الاجتماعية والثقافية والسياسية. فالطابع الاجتماعي من أهم مضمرات العمل البشري وكذلك الطابع الإنساني العام، العالمي أو الكوني. الصفة الاجتماعية للعمل ليست صفة عارضة أو خارجية أو مقحمة على العمل من خارجه، بل هي بالأحرى صفة جوهرية أو ماهوية نابعة من جوهر الإنسان وماهيته، ومثلها صفته الإنسانية. وقد أفصح العمل الصناعي وما فوق الصناعي تباعاً عن طابعه الاجتماعي وعن طابعه الإنساني، وتجلى ذلك بوضوح في الفكر الحديث والمجتمع الحديث ( المجتمع المدني العلماني الديمقراطي) وفي الدولة الوطنية ـ القومية، ولا سيما دولة الرفاهية، وفي السعي الحثيث إلى أممية ديمقراطية وإنسانية. ومن ثم فإنه لا يمكن فهم سيرورة نمو العالمية إلا في ضوء عملية / عمليات الإنتاج الاجتماعي وبدلالتها. ولا يمكن فهم عملية أو سيرورة "العولمة" الجارية اليوم إلا في ضوء العلاقة الجدلية بين النظام الرأسمالي العالمي، بما هو نظام إنتاج بالمعنى الشامل للكلمة، ونسق العلاقات الدولية المنبثق عنه والمحدد به، وهذه العلاقة هي المعادل السياسي للعلاقة الجدلية بين التنافس والاحتكار؛ إذ يرتبط الأول أي التنافس، بالديمقراطية، في حين يرتبط الاحتكار بالاستبداد والتسلط والشمولية. ولعل خلط مقولتي النظام العالمي والنظام الدولي واستعمال إحداهما بمعنى الأخرى هو أساس الارتباك في معظم الكتابات العربية حول العولمة. إضافة إلى عدم تمييز النموذج النظري المجرد للنظام الرأسمالي العالمي من الرأسمالية المتحققة بالفعل والتي اصطبغت بعد الحرب العالمية الثانية بصبغة أمريكية لا تخفى. فقد كف ذلك النموذج النظري المفهومي عن كونه أداة معرفية ومعيارية لنقد الرأسمالية المتحققة بالفعل والتي تمادى بعضهم في وصفها بأنها "نهاية التاريخ". فما أفصح عنه فوكوياما هو ما يضمره معظم الذين تناولوا موضوع العولمة في المجال العربي. ولا سيما أولئك الذين يقدمون لها صورة وردية أو يرون فيها قدراً لا فكاك منه أو "حتمية" علمية لا محيد عنها، أو وعداً بالديمقراطية والرفاهية وحقوق الإنسان. وفي هذا المجال تلتقي القدرية الغيبية والحتمية العلموية، وتتبادلان المواقع و تقومان بالوظيفة ذاتها.

الانطلاق من مقولة العمل البشري والإنتاج الاجتماعي، لتعرف حقيقة العولمة الجارية، يعين زاوية نظر ومنطقاً متناقضين مع زاوية نظر ومنطق الليبرالية الجديدة، ويضع الإنسان بوصفه فرداً طبيعياً أولاً وكائناً اجتماعياً، أي عضواً في المجتمع والدولة على اختلاف أشكالهما القائمة والممكنة ثانياً، وبصفته جملة كلية وماهية عامة ثالثاً، يضع الإنسان في صلب منظومة الأفكار، وفي محور الصيرورة التاريخية وغايتها. فتغدو القضية قضية التعارض القائم بالفعل بين الليبرالية الجديدة ومنطقها الوضعي الخالص والمكتفي بذاته، وبين الديمقراطية ومنطقها الجدلي الذي تقع الوضعية الإيجابية في صلبه بصفتها لحظة من لحظاته الضرورية.

وإذ لا نشارك أنصار العولمة ودعاتها حماستهم وتفاؤلهم بالخير الذي ستأتي به وحدة الاقتصاد العالمي و"دكتاتورية السوق، فإننا لا نرى، في الوقت ذاته أن العولمة شر مطلق. فلا وجود للخير المطلق والشر المطلق سوى في ذهن الإنسان. أما في الواقع، فالخير والشر متشابكان ومتداخلان، وكذلك الحق والباطل والخطأ والصواب. فنمو المعارف وتقدم العلوم والتقانات، وسهولة التواصل بين الناس وسهولة تداول المعلومات، وغيرها من منجزات ثورة العلم والتقانة، لا تقتضي هذه الكلف الاجتماعية والإنسانية الباهظة، إلا إذا كانت البشرية في طريقها إلى التخلي عن المثل العليا والقيم الإنسانية.

روح العصر

الرأسمالية التي وحدت العالم توحيداً تناقضياً وسمت العصر الحديث بسماتها الخاصة بكل مرحلة من مراحل تطورها، من المرحلة التجارية إلى مرحلة الثورة العلمية التكنولوجية المعاصرة وثورة المعلومات والاتصالات والمواصلات، ثورة العمل الذهني وتخليق المواد الأولية، مروراً بمرحلتي الثورة الصناعية، الأولى والثانية. وفي كل واحدة من هذه المراحل كانت الرأسمالية تعيد إنتاج شكلي التوحيد السابقين: العسكري والثقافي. فالنظام الرأسمالي العالمي كان ينتج في كل مرحلة من هذه المراحل نسقاً معيناً من العلاقات بين الدول والأمم والشعوب نطلق عليه اسم "النظام الدولي" الذي  تعبر تناقضاته ونمط علاقاته ومبادلاته عن روح العصر، بقدر ما تعبر عنها أساليب القوى الكبرى وأدواتها في السيطرة والاستتباع، واستجابات القوى الأخرى وردود فعلها؛ مما جعل التاريخ محكوماً بمبدأ "التحدي ورد الفعل" إلى حد بعيد. ومن ثم، فإن روح عصرنا هي مزيج من تناقضات النظام الرأسمالي العالمي والروح العدوانية الأمريكية التي تجلت في بلادنا بالعدوان المستمر على العراق تحت مظلة "الشرعية الدولية" التي لا نشك في كونها التعبير المؤسسي الأكثر دلالة على روح العصر، وتتجلى اليوم في الحرب على أفغانستان تحت عنوان الحرب على الإرهاب. وفي الدعم غير المحدود للكيان الصهيوني العنصري الاستيطاني التوسعي المسمى دولة إسرائيل. فضلاً عن مظاهر التمييز العنصري والتعصب الديني والقومي في الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها. وربما كانت أهم مضمرات السياسة الأمريكية هي تقسيم العالم عمودياً إلى أمريكيين وبرابرة.

والعولمة التي نحن بصددها، والتي نحرص على تمييزها من مفهوم العالمية وسيرورة توحيد العالم التي اضطلعت بها الرأسمالية، في العصر الحديث، لا تخرج عن هذا السياق، ولا تتعدى حدود نسق العلاقات الدولية القائم على سيطرة القطب الواحد. بل إنها تستمد أهم خصائصها من أساليب السيطرة التي تتبعها الولايات المتحدة ومن الأدوات التي تستعملها والوسائل التي تتوسل بها، ولذلك نميل إلى وصفها بالعولمة الأمريكية المتوحشة، ونرى فيها تعبيراً عيانياً عن روح العصر. فالرأسمالية التي أعادت الولايات المتحدة الأمريكية إنتاجها بعد الحرب العالمية الثانية أخذت تسفر، طوراً بعد طور، عن طابعها المتوحش؛ بانتكاسها عن الثقافة التي مهدت لنشوئها، ثقافة عصر النهضة وعصر التنوير. وبنكوصها إلى زمن طفولتها الأولى وما شابه من عسف وقهر وظلم واستغلال، لا لقوى العمل فحسب بل للأمم والشعوب المستعمرة وشبه المستعمرة والتابعة أيضاً. وبمعاداتها السافرة للديمقراطية وحقوق الإنسان. وجنوحها المطرد إلى تركيز الثروة والقوة والسلطة في أيدي طغمة مالية انفكت علاقاتها بالمصالح الوطنية العليا لدولها ومجتمعاتها؛ فأضفت على السياسة طابعاً محافظاً وتحولت إلى نسق لتوليد العنف والإرهاب. فلا نعجب إذا علمنا أن الصناعات العسكرية غدت القطاع القائد للاقتصاد في الدول الكبرى ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية. وأن رأس  المال المالي غدا  مخارجاً للدولة الوطنية ومعادياً لها وكابحاً لوظائفها الاجتماعية، يتحكم بالاقتصادات الوطنية وبمصائر الدول والشعوب، ولا سيما الفقيرة منها. وأنه رأس مال مضارب ومراب بصورة أساسية، ومن ثم فهو منفصل عن عملية الإنتاج الاجتماعي، ومولد لاحتكار القلة للثروات والمداخيل العالمية؛ حتى غدا شخص واحد من هذه القلة يملك مقدار ما يملكه 600 مليون شخص من أبناء الشعوب الفقيرة. و 382 شخصاً يملكون مقدار ما يملكه 2,5 مليار نسمة. و20% من سكان العالم يملكون 80 % من الثروة العالمية. لذلك يمكن وصف العولمة الجارية بأنها اختلال التوازن الفعال في تقسيم العمل وتوزيع  الثروة وعوامل الإنتاج،  على الصعيدين المحلي والعالمي، ينجم عنه ويرافقه اختلال توازن فعال في نسق العلاقات الدولية. وما أكثر المفكرين والباحثين الذين وصفوا هذه المرحلة بالفوضى العالمية أو بـ "امبراطورية الفوضى" التي تكاد تنحصر وظيفة الولايات المتحدة فيها بإنتاج الأزمات وإدارتها. والسؤال المطروح اليوم هو: إلى متى ستظل الولايات المتحدة قادرة  على إدارة الأزمات وضبط مساراتها؟ أو إلى متى ستظل الولايات المتحدة قطباً وحيداً مسيطراً على الاقتصادات والسياسات العالمية؟ فمصير العولمة الجارية مرتبط بمصير الهيمنة الأمريكية ارتباطاً لا فكاك له؛ إذ تتطابق العولمة الجارية والليبرالية الجديدة تطابقاً يضعهما في معارضة العالمية والديمقراطية.

انطلقت العولمة الأمريكة الجارية التي ميزناها من العالمية والكونية من التطور النوعي في  النظام الرأسمالي العالمي، وهو تطور كان قد وصفه وحلله كثيرون من علماء الاقتصاد السياسي، أبرزهم عندنا المفكر الراحل فؤاد مرسي الذي رأى أن الرأسمالية المعاصرة تختلف عما كانت علية الرأسمالية في مطلع القرن العشرين اختلافاً بيناً، وأساس هذا الاختلاف يكمن في الثورة العلمية التكنولوجية التي بات معها العلم قوة إنتاجية خلاقة فتحت مجالات جديدة للإنتاج وإعادة الإنتاج لم تكن معروفة من قبل، وأنجزت توحيد السوق  العالمية توحيداً تناقضياً بالطبع، وغيرت طبيعة العمل بوجه عام وبنية الطبقة العاملة بوجه خاص؛ فاحتل العمل الذهني والعمالة الماهرة مركز العملية الإنتاجية، وأنتجت من ثم علاقة جديدة بين رأس المال والعمل. و"في ظل هذه الثورة العلمية لم يعد الوعاء القطري كافياً لتوسيع الإنتاج، ولم تعد السوق القطرية، مهما يكن اتساعها، كافية لاحتواء حركة السلع والخدمات ورأس المال والعمل. وهكذا يجري الآن بصورة تلقائية، وأحياناً واعية، تدويل مطرد للحياة الاقتصادية في كل بلد على حدة". ومع ذلك "يصحو التعصب القومي حتى ليصل إلى حد الحروب التجارية والنقدية والمالية"، وتظل الدولة هي الملاذ الأخير  للرأسمالية المعاصرة. بيد أن الظاهرة الأبرز هي صعود رأس المال المالي وتحوله إلى قوة مهيمنة على جميع الصعد.

وقد أفصح هذا التطور بجلاء عن تفاوت النمو بين البلدان المتقدمة والبلدان المتأخرة من جهة، وبين الفئات الاجتماعية في البلدان المتقدمة ذاتها، ناهيكم عن البلدان المتأخرة، من  جهة ثانية. فقد بات ممكناً الحديث عن مجتمعين متفارقين على الصعيد العالمي وفي كل بلد على حدة، جراء التقسيم  الجديد للعمل والتوزيع الجائر للثروة وعوامل الإنتاج. ولا تني  الشقة بين هذين المجتمعين تتسع وتتعمق؛ فعشرون بالمئة من سكان العالم يستأثرون بثمانين بالمئة من ثروته. ويزداد التفاوت في صفوف الطبقة العاملة ذاتها في البلدان المتقدمة؛ إذ يحظى 1% من العاملين في القمة بنسبة 64% من مجموع المكاسب والأجور. وقد أسهم تفاوت النمو والعلاقات غير المتكافئة في نقل أعباء الأزمات الدورية والهيكلية إلى البلدان الفقيرة والمتأخرة بفعل ما يسمى قانون السوق العالمية، وآليات تدويل الاقتصاد.

إن ما تغير في نمط الإنتاج الرأسمالي الذي حلله ماركس في كتابه الشهير "رأس المال" هو نمو العمل البشري الذي غدا أقرب ما يكون إلى عمل ذهني خالص أو إلى عمل يغلب عليه الطابع  الذهني، ونمو القاعدة التقنية للإنتاج، وتوالي الفتوحات والكشوف العلمية وتضاعف معارف البشرية وتحول العلم إلى قوة إنتاج أساسية، فضلاً عن الثورة الهائلة في ميدان المعلومات والاتصالات والمواصلات. فالثورة الصناعية الحالية لا تنبثق من اختراع الآلات وانتشارها، بل من العلم؛ فالكشوف العلمية في الرياضة والفيزياء وفرت الأساس للانشطار والاندماج النوويين وقيام الصناعة الذرية، ومكنت كذلك من اختراع الحاسبات الإلكترونية. كما أن تطور علم الكيمياء وضع أساساً لتغير  جوهري في تكنولوجيا العمليات الإنتاجية، وأفضى إلى قيام صناعات جديدة، كما أفضى تطور علم الأحياء إلى تغيرات عميقة في مجالي الزراعة والطب.  وقد أدى هذا كله إلى تجديد هياكل الصناعة وزيادة الاعتماد على العمل الذهني. ولعل اختراع المعالج المصغر (ميكرو بروسيسور) كان نقطة انطلاق هذه الثورة التي تقوم على مبدأ الأوتوماتية بأشكالها الثلاثة: السيبرنية والكيمياوية والنووية،  والتي بات البحث العلمي فيها هو العنصر الأكثر ثورية والوسيلة الأكثر فاعلية لزيادة الإنتاج. ومن شأن هذه التغيرات أن تنعكس في نظم الإنتاج والتوزيع والتبادل ومن ثم في نسق العلاقات الدولية أو في النظام الدولي على نحو يتناسب مع ماهيتها؛ إذ لم يعد ممكناً تغيير نسق العلاقات الدولية وتقاسم الثروات والأسواق بحرب عالمية بين الدول المتقدمة، كما جرت العادة من قبل. فلم يعد للحرب من وظيفة سوى تصدير أزمات الدول المتقدمة إلى الخارج، وإحكام السيطرة على الضعفاء. فغدت الحروب الإقليمية والنزاعات المحلية والأزمات المفتوحة جزءاً من آليات التوازن في النظام العالمي. بل إن الحرب اليوم لم تعد، في الأعم والأغلب، حرباً بين الدول، وإنما حرب في الدول ذاتها، تتناسب وتائرها طرداً مع تآكل العقد الاجتماعي وتمزق اللحمة الوطنية القومية وتراجع الديمقراطية لمصلحة الليبرالية الجديدة. وتغليب مصلحة الأقلية المالكة للثروة والقوة على مصلحة المجتمع وعلى المصلحة الوطنية.

أجل إن الرأسمالية تجدد نفسها باطراد، وتتجاوز أزماتها الدورية، ولكنها في كل مرة تعيد إنتاج تعارضاتها الملازمة، وهي تعارضات تكشف عن جانبي الأزمة التي تمر بها في هذا الطور من تاريخها. أعني أزمة النمو وأزمة الانحطاط. فضلاً عن نمو طابعها الوحشي الذي تجلى في الحرب على العراق، ويتجلى اليوم في الحرب على أفغانستان. ويبدو أن الأزمة الدورية التي تصيب النظام الرأسمالي مرة كل عشر سنوات بدأت تتظاهر في الحرب التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية على العالم كل عشر سنوات. وذلك بفعل موقع الصناعات العسكرية في بنية الإنتاج العالمي، ولا سيما في الدول المتقدمة صناعياً. فضلاً عن تمفصل الصناعات العسكرية والصناعات المدنية.

ثمة ثلاث سيرورات متداخلة ومتشابكة لا بد من تمييزها وتحديد علاقاتها المتبادلة، وهي سيرورة العالمية أو توحيد العالم التي أطلقتها الرأسمالية وغدت بها نظاماً عالمياً، وسيرورة تطور النظام الرأسمالي العالمي انطلاقاً من نمو العمل البشري، وسيرورة العولمة  الاقتصادية أمريكية الطابع التي تلتبس بالسيرورتين السابقتين أو تتماهى بهما عند منظريها وأنصارها. فالعولمة الاقتصادية، بحسب المفهوم السائد، هي تحويل العالم إلى سوق واحدة تفرض منطقها وقانونها على سائر مجالات الحياة، ولا سيما على مجالات النشاط لاقتصادي. وتقوم هذه العملية على ما يسمى بالليبرالية الجديدة، أي  على عدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، وعلى تحرير التجارة من سائر القيود، وعلى حرية تنقل السلع و رؤوس الأموال، وعلى خصخصة المشروعات والشركات الحكومية، وإعادة هيكلة الاقتصادات الوطنية بما يتفق وهذه المطالب، أو القواعد التي يضعها الأقوياء. فالعولمة، وفق هذا التحديد، "ترسم صورة المستقبل بالعودة إلى الماضي السحيق للرأسمالية. فبعد قرن طغت  فيه الأفكار الاشتراكية والديمقراطية ومبادئ العدالة الاجتماعية، تلوح الآن في الأفق حركة مضادة تقتلع كل ما حققته الطبقة العاملة والطبقة الوسطى من مكتسبات. وليست زيادة  البطالة وانخفاض الأجور وتدهور مستويات المعيشة وتقلص الخدمات الاجتماعية التي  تقدمها الدولة، وإطلاق آليات السوق وابتعاد الحكومات عن التدخل في النشاط الاقتصادي وحصر دورها في "حراسة النظام" وتفاقم التفاوت في توزيع الدخل والثروة بين المواطنين، وهي  التي ترسم الآن ملامح الحياة الاقتصادية والاجتماعية في غالبية دول العالم، ليست  كل هذه الأمور في الحقيقة إلا عودة إلى الأوضاع التي ميزت البدايات الأولى للنظام الرأسمالي، إبان مرحلة الثورة الصناعية (1750-1850)، وهي أمور سوف تزداد سوءاً مع السرعة التي تتحرك بها عجلات العولمة المستندة إلى الليبرالية الجديدة".  ففي القرن  الحادي والعشرين سيكون هناك 20% من السكان فقط يمكنهم العمل والحصول على  الدخل، أما الباقون (80%) فهم فائضون عن الحاجة. وفي ضوء ذلك يمكن أن نفهم جذر موقف الولايات المتحدة الأمريكية من زيادة السكان، ولا سيما في العالم الذي كان عالماً  ثالثاً، إذ ترى في زيادة السكان  خطراً على الأمن القومي الأمريكي.

تطرح العولمة جملة من المسائل والمشكلات أهمها: علاقة المجال الاقتصادي بمجالات الحياة الاجتماعية، ولا سيما بالمجال السياسي، وعلاقة القوى الاقتصادية الجديدة بالدولة، وعلاقة رأس المال بالعمل، ومصير العقد الاجتماعي والدولة الوطنية/ القومية، ولا سيما دولة الرفاهية، وتناقض منطق السوق مع الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطن. وتطرح بوجه خاص قضية إعادة إنتاج الشمولية والاستبداد بحكم انفصال مصالح الفئات المالكة للثروة والقوة والسلطة عن مصالح مجتمعاتها  وشعوبها، وإحلال تلك المصالح الخاصة محل المصالح العامة، إحلال الجزء محل الكل، وهذا هو جذر الاستبداد. فدعاة العولمة ومنظروها ضاقوا ذرعاَ بالعدالة الاجتماعية وبذلك النوع من توزيع الثروة بين الفئات الاجتماعية. فمراعاة البعد الاجتماعي واحتياجات الفقراء صارت عبئاً لا يطاق، ودولة الرفاهية، في نظرهم، تهدد المستقبل، فقد كانت مجرد تنازل من رأس المال فرضته الحرب  الباردة، ولم يعد له ما يبرره بعد انتهاء تلك الحرب. كما تطرح جملة من الإشكاليات  المتعلقة ببنية السوق العالمية ذاتها ولا سيما السوق المالية، أهمها ما يسمى "عدم التوازن الفعال" في حركة رأس المال المالي الذي يتجلى في عدم استقرار أسعار الصرف وأسعار الأسهم والسندات، ولاسيما السندات على خزينة الدولة، وفي تنامي المديونية وعجز الدول الفقيرة عن تحمل أعبائها. إن هذه الجملة من المشكلات متشابكة ومتداخلة على نحو يمكن معه الدخول من أي واحدة منها إلى سائر المشكلات الأخرى، فهي الظل القاتم لانتصار الرأسمالية المتوحشة، ولما يسمى إنجازاتها الكبرى على صعيد توحيد السوق العالمية وتحرير التجارة ورأس المال، إنها الوجه القبيح للتقدم. فما هي دلالة أن يسفر التقدم المذهل للقوى المنتجة عن هذا الوجه القبيح، وما هي دلالة أن تسفر الرأسمالية عن هذا القدر غير المسبوق من التوحش؟ تتضح دلالة هذا التوحش حين نعلم أن هذه السيرورة انطلقت عندما تبنى المحافظون الذين فازوا في الانتخابات عام 1979 في بريطانيا وعام 1980 في الولايات المتحدة الأمريكية عقيدة اقتصادية مختلفة عن العقيدة الكينزية التي كانت سائدة قبل ذلك التاريخ. وهذه العقيدة الجديدة هي "الليبرالية الجديدة" التي بشر بها ميلتون فريدمان الأمريكي، مسشار ريغان الاقتصادي، وفريدريش فون هايك، مسشار تاتشر، وقوامها: التحرير والليبرالية والخصخصة التي غدت الوسائل الاستراتيجية في السياسة الاقتصادية الأوربية والأمريكية، والأيديولوجية التي تتعهد الدولة بفرضها. فالدولة ما تزال وستظل الملاذ الأخير للرأسمالية والسلاح الأمضى في يدها. فنحن إذاً إزاء فلسفة قديمة جديدة قوامها حرية الفرد من دون أي صفة أخرى، وسياسات جديدة ترمي إلى إعادة إنتاج رأسمالية خالصة أو نقية تنفي من داخلها إمكانات تجاوزها، وتقدم نفسها على أنها نهاية التاريخ. وبعبارة أخرى: نحن إزاء إعادة إنتاج رأسمالية فردية أو أفرادية (نموذجها الرأسمالية الأمريكية) وتعميمها عالمياً، في معارضة رأسمالية اجتماعية ( نماذجها معروفة في أوربة واليابان). وما يؤكد  هذا  المنحى الأفرادي هو الاتجاه نحو التخلي عن العقد الاجتماعي وما يفرضه من تضامن وتكافل، ومن توزيع أعباء الخدمات العامة تبعاً لتوزيع عوامل الإنتاج بين الفئات الاجتماعية.

يطلق بعضهم على العولمة الجارية اسم "أممية رأس المال" فمالكو رأس المال باتوا يهددون بهروب رؤوس الأموال إذا لم تستجب الحكومات لمطالبهم، وإذا لم تمنحهم تنازلات ضريبية سخية، وإذا لم تقدم لهم مشروعات البنية التحتية مجاناً، وإذا لم تعدل التشريعات التي كانت تحقق بعض المكاسب للطبقة العاملة والفئات الوسطى والفئات الاجتماعية الفقيرة الأخرى، مثل قوانين الحد الأدنى للأجور وقوانين الضمان الاجتماعي والصحي وإعانات البطالة، مما يقلل من إسهاماتهم المالية في هذه  الأمور، بل إنهم يفرضون على الحكومات أن تقوم بخصخصة المشروعات العامة، والتخلي عن كثير من الخدمات التي  كانت تقوم بها للقطاع الخاص، وإضفاء الطابع التجاري عليها. ويرى منظرو العولمة ودعاتها المتحمسون أن "العولمة ذات الاتجاه الليبرالي المغرق في التطرف هي من قبيل الحتميات الاقتصادية  والتقنية الشبيهة بالأحداث الطبيعية التي لا يمكن الوقوف في وجهها". في حين هي نتيجة لسياسات معينة وإرادات واعية للحكومات والبرلمانات التي تسن قوانين مناسبة للسياسات الليبرالية الجديدة، وتلغي الحواجز والحدود التي تعوق تنقل السلع ورأس المال، في حين تفرض قيوداً صارمة على حركة تنقل الأشخاص خلافاً لشرعة حقوق الإنسان وللمواثيق الدولية ذات الصلة. وهي نتيجة مباشرة لسياسات الضغط على الأجور وإطلاق الأسعار وتعويم العملات أو خفض قيمتها وغيرها من السياسات وصولاً إلى توقيع اتفاقية التجارة الدولية. هذه السياسات والتشريعات والممارسات تدحض كل ما يقال عن تقليص دور الدولة ونهاية عصر الدولة الوطنية القومية. فالدولة تقوم بوظائف ليس بوسع الأفراد والشركات القيام بها، وستظل تقوم بمثل هذه الوظائف. ولولا دور الدولة هذا لما أمكن أن تتقدم سيرورة العولمة. فالقضية الواقعية إذاً ليست قضية نهاية الدولة بل هي قضية تغير دورها ووظيفتها ومن ثم تغير بنيتها، وصيرورتها أكثر فأكثر دولة استبدادية تسلطية وشمولية. في ظل هذه الشمولية الرأسمالية المتوحشة تتوحد السوق العالمية بفعل تواطؤ الحكومات الأوليغارشية الجديدة  وبفعل تقدم المواصلات والاتصالات والمعلوماتية، وبفعل الدور المهم الذي يضطلع به الإعلام. لكن العالم يتحول أكثر فأكثر إلى جزر معزولة تنمو في كل منها نزعة الانكفاء على الذات والتوجس من الآخرين. العولمة هي، في الوقت نفسه آلية دمج وتوحيد وآلية تفتيت وتذرير. وحرب الإرهاب المفتوحة الجارية اليوم دليل ساطع على ذلك. إنها حرب على الفقراء والضعفاء.