حوار مع جاد الكريم الجباعي

جريدة الزمان

 

·       لنبدأ من قمة بيروت القادمة، فما هو المطلوب منها في المرحلة الراهنة.. وهل سوف تضيف جديداً ذا جدوى إلى  الوضع الذي يجب أن تعالجه القمة؟

 

من المعروف أن القمة العربية هي أهم مؤسسات جامعة الدول العربية، لذلك يرتبط الحديث عن انعقادها في بيروت، بالحديث عن وضع الجامعة العربية، اليوم، والدور الذي تقوم به، أو يمكن أن تقوم به؛ لأكثر من سبب.. فمن المعروف للجميع أن دور الجامعة العربية تراجع على نحو ملحوظ، حتى على الصعيد الرمزي، منذ انشق الصف العربي عمودياً، بين الدول التي وقفت إلى جانب العراق في حربه مع إيران والدول التي عارضته أو التي تحالفت مع إيران، ثم بين الدول التي شاركت في ما سمي "التحالف الدولي"  الذي قادته الولايات المتحدة في حربها على العراق، والدول التي عارضته أو وقفت على الحياد، إذا كان هناك من وقف على الحياد. فضلاً عن الانشقاق الأكثر عمقاً والأشد خطراً بين الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية أو تجارية أو أمنية أو غيرها مع إسرائيل والدول التي تعارض هذا النهج أو ترفضه. يمكن القول: إن ثمة استقطاباً إقليمياً ودولياً يتعمق باطراد يحول دون قيام الجامعة العربية بأي دور إيجابي على صعيد قضايا الأمة الأساسية: قضية الصراع العربي الإسرائيلي وقضية الديمقراطية وقضية التنمية. وما يدعو إلى الأسف والأسى أن هذه القضايا الأساسية هي ذاتها القضايا الخلافية بين الحكام العرب، لأن لدى العرب حكاماً، لا حكومات.

 أزعم أنه منذ ذلك الحين انشق الصف العربي انشقاقاً عمودياً، وبات من الصعب إعادة التوازن إلى العلاقات العربية ـ العربية، فَضَعُفَ دورُ الجامعة العربية، ومن ثم ضَعُفَت مؤسسة القمة العربية التي كانت تنعقد بين الحين والحين، ثم أخذت تنعقد دورياً كل سنة من دون أن ترى مقرراتها طريقها إلى التنفيذ، سواء ما يتعلق من هذه القرارات بالاتفاقات الاقتصادية أو ما يتعلق بالجانب السياسي وهو موطن الخلاف الرئيسي بين الأقطار العربية.

لقد تمت الدعوة لانعقاد القمة العربية في بيروت، ويقول اللبنانيون إن التحضيرات الأولية قد أُنجزت... وفي انتظار التئامها برزت أصوات لبنانية تدعو إلى تأجيلها، منها مثلاً صوت رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري الذي تمنى لو يتأجل انعقاد القمة العربية إلى وقت آخر لكي تستطيع القيام بالدور المطلوب منها. وأشار آخرون إلى ملفات من شأنها أن تزيد الخلافات العربية العربية لا أن ترأب الصدوع، كالوجود السوري في لبنان والخلافات العراقية الكويتية وقضية اختطاف الإمام موسى الصدر وغيرها.

·       وهنا يبرز السؤال: ما سر هذه الدعوة إلى التأجيل مع أن اللبنانيين جميعاً يهمهم أن تنعقد القمة في لبنان تعبيراً عن تعافي بلدهم وبلوغه درجة  من الاستقرار في الداخل؟..

 

أمام القمة العربية مسائل شائكة ومعقدة : الأولى هي الخلافات العربية ـ العربية التي من دون حلها لا يمكن لهذه القمة أن تتخذ قرارات جدية. ويبدو لي أن كل واحد من هذه الخلافات يحتاج إلى قمة خاصة. والقضية الثانية التي تواجهه قمة بيروت هي قضية الفصل الراهن من فصول الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وماذا يمكن أن تقدم الأمة العربية لشعب فلسطين.. فهل تستطيع القمة أن تؤسس موقفاً عربياً يضغط على الإدارة الأمريكية باتجاه تغيير موقفها أو تعديله من الصراع الجاري عموماً ومن التسوية خصوصاً ومن السلطة الفلسطينية على الأخص، بعد أن ظهر أن الإدارة الأمريكية أعطت الضوء الأخضر لرئيس الحكومة الإسرائيلية آرييل شارون لإضعاف هذه السلطة قدر الإمكان، إن لم يكن للإجهاز عليها ونسف جميع الأسس التي قامت عليها "عملية التسوية" منذ مؤتمر مدريد؟. ولا سيما أن الإسرائيليين عادوا إلى الحديث عن الخيار الأردني وسياسة الاقتلاع والتهجير.

والقضية الثالثة هي قضية العدوان الأمريكي المحتمل على العراق، وما ينطوي عليه من مخاطر على جميع الدول العربية الموالية للولايات المتحدة وغير الموالية على السواء.

والقضية الرابعة هي قضية تعريف العرب للإرهاب ومدى توافقه أو تعارضه مع "عدم التعريف" الأمريكي الذي يكاد يحصر الإرهاب في المسلمين عامة والعرب خاصة.

ويلاحظ الجميع اليوم نشوء محور رئيسي يترك انطباعاً بأن توافق دوله على المسائل الرئيسية يمكن أن يُنَجّح القمةَ العربية، وعدم توافقها يمكن أن يؤدي إلى العكس، هذه الدول هي مصر وسوريا والسعودية، فهل هناك شيء من توافق بين هذه الدول الثلاث، في ظل الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على "الإرهاب"، وتفاوت أو تباين مواقف هذه الدول من سياسة الإرهاب الأمريكية؟.

هذا الموضوع مشكوك فيه إلى حد كبير، لعدة أسباب، أهمها، أن الولايات المتحدة الأمريكية تضغط على جميع دول العالم أن تنحاز إما إلى جانبها في حملة "مكافحة الإرهاب" وإما إلى الجانب الآخر، ولم تجرؤ أي دولة حتى اليوم أن تعلن أنها ليست مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي أنتجت إجماعاً عالمياً على ما سمته الحرب على الإرهاب، وفي ظل هذا الإجماع العالمي لم يعد لأي قطر عربي على حدة ولا للمجموعة العربية كلها من صوت وازن يمكن أن يضغط على السياسة الأمريكية لتعديل موقفها من الصراع العربي ـ الإسرائيلي، أو يثنيها عن ضرب العراق.

 

·       وماذا يمكن أن تقدم القمة العربية على صعيد رفع الحصار عن العراق، فهل من جديد على هذا الصعيد؟

 

قبل الحديث عن رفع الحصار عن العراق، يبدو أن المطلوب من القمة هو العمل على تلافي ضرب العراق؛ فهل تستطيع  القمة العربية أن تبلغ الأمريكيين أن العرب لا يقبلون هذه المرة بضرب العراق؟.. إذا استطاعت القمة العربية أن تتجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية بقول واحد مفاده أن الدول العربية مجتمعة لا تقبل بالعدوان على العراق، الذي من الثابت أنه ليس له يد لا في أحداث أيلول ولا في الإرهاب الدولي أو الإقليمي، تغدو مسألة رفع الحصار مسألة وقت, ولا سيما أن قرار رفع الحصار عن العراق كان ولا يزال قراراً عربياً.

الشيء الرئيسي المطروح، ليس رفع الحصار فقط ... وإنما هل تستطيع القمة أن تقنع الأمريكيين أن لا حاجة إلى عودة لجان التفتيش عن الأسلحة إلى العراق؟ ومن الواضح أن قضية لجان التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل إلى بلد مدمر لم يعد يتوفر على المقومات الضرورية للحياة، هي المدخل أو الذريعة لاستئناف الولايات المتحدة عدوانها عليه.

واشنطن استغلت أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر استغلالاً كافياً، ولكن ألم يجدر بالعرب أيضاً استثمار هذه الأحداث على صعيد تكثيف الضوء على الإرهاب الإسرائيلي؟

لو أن هناك بعض اتفاق بين الدول العربية على القضايا الأساسية التي أشرنا إليها: قضية الصراع العربي الإسرائيلي وقضية الديمقراطية وحقوق الإنسان وقضية التنمية القومية، لكان بوسع العرب أن يستثمروا أحداث أيلول أفضل استثمار. فإن من يقف ضد الديمقراطية وحقوق الإنسان في بلاده لا يستطيع أن يستثمر حدثاً كالذي وقع في الحادي عشر من أيلول.

وضعت الولايات المتحدة جميع الحكومات العربية أمام أحد خيارين: إما أن تستقوي هذه الحكومات بشعوبها أولاً وبدائرتها القومية ثانياً، وبدائرتها الإسلامية ثالثاً، وإما أن تذعن فرادى لإرادة الدولة العظمى، وتسير في ركابها. ويبدو لي أن الحكومات العربية قد اختارت الثاني قبل الحادي عشر من أيلول وبعده. وما دامت قد اختارت ذلك فليس بوسعها استثمار "الحرب على الإرهاب" في "نزاعها مع إسرائيل؛ بل إن أكبر دولة عربية تجهد في إقناع رئيس السلطة الفلسطينية أن يقبل الشروط والإملاءات الإسرائيلية. وفي اعتقادي أن هذه الدولة وغيرها لن تستطيع أن تفعل شيئاً في سبيل تمكين الرئيس عرفات من حضور القمة. ويبدو أن بعض الحكومات لا تعارض عملية الإجهاز على السلطة الفلسطينية، وعلى الرئيس عرفات بوجه خاص. وما كان للموقف الأمريكي من عرفات أن يكون على هذه الدرجة من الفظاظة والاستهتار لولا مواقف هذه الدول.

 

·       ألا يوجد مخرج للأزمات الواقعة في العلاقات العربية ـ العربية المتراكمة بغية ترتيب البيت العربي؟.

 

من الواضح الآن أنه ليس هناك دلائل أو سياسات تشير إلى اقتراب الوقت الذي سيجمع فيه العرب على ترتيب أوضاعهم الداخلية وإعادة الاعتبار لمفهوم التضامن العربي على المصلحة القومية المشتركة، أو للجامعة العربية ولمؤسسة القمة العربية لكي تعبر عن موقف عربي موحد، من الحل العادل للصراع العربي ـ الإسرائيلي، وتحسين موقع الأمة العربية في علاقاتها مع المجتمع الدولي، لذلك فالدول العربية تمضي كل دولة واحدة منها على حده نحو تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبعضها يفعل ذلك عن طريق إسرائيل، دون أن تعبأ ببقية الدول، وما دام الأمر كذلك فلا الولايات المتحدة الأمريكية ولا إسرائيل راغبتين في انقاد القمة العربية، فضلاً عن نجاحها.

 هناك كلام في الصحافة أن الأمريكيين ينفون قيامهم بأي ضغط لمنع أو لإعاقة انعقاد القمة في لبنان، في حين يعلم الجميع أن مقررات القمة العربية التي انعقدت قبيل العدوان على العراق أتت من الولايات المتحدة الأمريكية، وكان الأمريكيون، إن جاز التعبير، في القمة، و على دراية بكل التفاصيل.

وما أشبه اليوم بالبارحة، وكما حدثت في قمة عام 1991 قبل العدوان الأمريكي على العراق، كانت الولايات المتحدة الأمريكية جادة في منع العرب من اتخاذ موقف موحد للدفاع عن العراق أو الحيلولة دون ضربه ، واليوم أعتقد أن الولايات المتحدة جادة في الحيلولة دون اتفاق أهل القمة على أي موقف موحد إزاء إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل، أو إزاء الإرهاب الدولي الذي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، فلا تقبل واشنطن أن يقول لها أحد اليوم أن ما تقوم به لا يصب في مكافحة الإرهاب، بل يعزز وجود الإرهاب في أماكن كثيرة.

 

·       كيف نستطيع النظر إلى مسألة مكافحة الإرهاب من زاوية نظر إقليمية ومحلية في إطار إعادة رسم التحالفات ورسم صيغة العلاقة مع الولايات المتحدة...  وكيف يمكن لنا أن نستغل هذه الدعوات من أجل إنشاء صيغ جديدة من المحاور والتحالفات؟.

 

في موضوع الإرهاب، العرب غير قادرين على اللعب بهذه الورقة، فالعرب بوجه عام، هم ضحايا الإرهاب، ومتهمون به، وما داموا كذلك فهم لا يملكون بالضرورة ورقة الإرهاب، لأن هذه الورقة ليست في يدهم، بمعنى الآخر، هذه الورقة ليست عنصراً مع العرب بل عنصر على العرب.

العرب يرغبون فرادى ومجتمعين في تبرئة الذات من الإرهاب، وكل دولة على حده تحاول إقناع العالم عموماً والأمريكان خصوصاً بأنها تكافح الإرهاب في بلادها، أو بأنها كافحته ونجحت في ذلك، أو أنها ستكافحه بالطريقة التي ترضي الولايات المتحدة الأمريكية، في سياق التعاون الأمني وغير الأمني معها، ومن ثم ليس بيد العرب اليوم أن يستخدموا هذه الورقة لتحسين أوضاعهم أو إقامة تحالفات جديدة مع أي دولة في العالم ولا سيما أمريكا.

 

·       كيف يمكن قراءة العلاقات السورية ـ الأمريكية في هذا السياق، خاصة وأن سوريا حاولت أن تستفيد من الدعوات الأمريكية في مكافحة الإرهاب؟... كيف ترى وضع سوريا التي تزامن دخولها في مجلس الأمن الدولي مع الدعوات الآنفة الذكر؟.

 

لا أظن أن عضوية سورية في مجلس الأمن كانت نتيجة استنكارها أحداث أيلول واستجابتها للدعوة الأمريكية لمكافحة الإرهاب وتعاونها الأمني في هذا المجال، أو شجبها للإرهاب بوجه عام. و لا أظن أن العلاقات السورية الأمريكية قائمة على هذا الأساس فقط. فلا يجوز أن ننسى أن سورية لا تزال مدرجة على القائمة الأمريكية بين الدول التي ترعى الإرهاب، وأن الولايات المتحدة تمارس عليها ضغوطاً مختلفة بصدد علاقاتها بحزب الله والمنظمات الفلسطينية التي لها بعض الوجود الرمزي في سورية ولا سيما منظمتي حماس والجهاد الإسلامي، أو بصدد علاقاتها الحسنة بإيران، وأن الولايات المتحدة تعرِّض بين الحين والحين بموقف الحكومة السورية من حقوق الإنسان. ومن ثم فإن العلاقات السورية الأمريكية لا تخلو من خلافات وتوترات. وفي اعتقادي أن الولايات المتحدة تنتهج في حربها الراهنة على "الإرهاب" السياسة التي اتبعتها قبيل عدوانها على العراق، أعني تعبئة الدول التي تستطيع تعبئتها وتحييد الأخرى على الأقل، في هذه المرحلة من مراحل الحرب الطويلة والمتعددة الوسائل والجبهات، كما يصفها الأمريكيون. ولا يستبعد أن يكون صديق الولايات المتحدة اليوم عدوها غداً، وسورية مرشحة لذلك.

 

·       وفي السياق ذاته، هل تعتقد بإمكانية ولادة تحالف إقليمي جديد منافس للتحالف الدولي القائم حالياً؟.

 

إذا تمكنت القمة العربية المقبلة من بناء توافق عربي على تعريف الإرهاب، وصاغت تعريفاً عربياً للإرهاب، يميز المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية أو مقاومة أهل الجولان السوري المحتل لإسرائيل، أو مقاومة أي عدوان على أي قطر عربي، وإذا فَعَّلَتْ القمةُ  اتفاقيةَ الدفاع المشترك، وأكدت أن العرب لا يقبلون العدوان على أي قطر عربي، يمكن  بعدئذ أن ينفتح  المجال لإقامة تحالفات إقليمية جديدة، تعيد إنتاج المشهد العالمي القائم، الذي هو مشهد إذعان عالمي للإرادة الأمريكية.

المدخلُ عربياً هو إنتاج تعريف عربي للإرهاب، يقر بحق العرب في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي ويقر بمقاومة العرب أي عدوان على أي قطر عربي تحت أي ذريعة كانت.

أما إمكانية قيام محاور إقليمية جديدة، وهنا أشير إلى ملامح تحالف إيراني عراقي سوري لبناني محتمل، يمكن أن يقف في وجه أمريكا وينتج تعريفاً إسلامياً للإرهاب، ويضع  ما تقوم به الولايات المتحدة بحجة مكافحة الإرهاب في مصاف الإرهاب والعدوان على الشعوب والتدخل في شؤونها الداخلية، ويعمل على أن يوضع حد لهذا كله، لا سيما أن إيران اليوم مهددة كالعراق، وقد صدر موقف عراقي غير مسبوق يؤكد أن العدوان على إيران هو عدوان على العراق، وما تتعرض له إيران،  بحجة مكافحة الإرهاب، سيتعرض له العراق، ومن ثم فإن العراق يرفض أي عدوان.. وهذه أول ملامح للتحالف الإقليمي.

والسؤال المطروح هو: إلى أي مدى يمكن لهذا التحالف أن يتبلور، إذا أخذنا العلاقات العراقية ـ الإيرانية التي تحسنت نسبياً بعد الإفراج المتبادل عن الأسرى بعين الاعتبار، إضافة إلى الموقف العراقي الآنف الذكر، وهو علامة بارزة في هذا التحسن؟ ولكن هل يمكن أن يصل هذا التحسن إلى حد التفكير في إقامة حلف إقليمي مناوئ للولايات المتحدة الأمريكية؟

أعتقد أن الظروف لم تنضج بعد لنشوء مثل هذا التحالف الضروري الذي يمكن أن تكون له آثار إيجابية في جميع الدول العربية والإسلامية. والأرجح أن أمريكا لن تسمح بقيام مثل هذا التحالف، ولا بقيام أي تحالف إقليمي في هذه المرحلة خاصة.

 

·       عملية التسوية وصلت إلى طريق مسدود، برأيك هل هناك آفاق لإخراج هذه العملية من عنق الزجاجة؟.

 

الواضح حتى الآن، أن 11 أيلول/ سبتمبر في الولايات المتحدة كان يوازيها دوماً 11 ايلول في فلسطين المحتلة، ومثلما أعطت أمريكا لنفسها الحق المطلق لتتصرف في العالم كما تشاء، تحت شعار "مكافحة الإرهاب"، أعطى شارون نفسه وأعطته الولايات المتحدة حقاً مطلقاً في التصرف إزاء الشعب الفلسطيني والسلطة الوطنية الفلسطينية، وما يجري في الأراضي المحتلة حرب مفتوحة تستعمل فيها إسرائيل أحدث الأسلحة الأمريكية في مواجهة شعب أعزل إلا من روح المقاومة والتضحية والإيمان بحقه في حياة حرة كريمة على أرضه وفي وطنه. ولا تكتفي إسرائيل بقتل الفلسطينيين، بل تهدم البيوت وتقتلع الأشجار وتدمر البنى التحتية وتصادر الأراضي، ضاربة عرض الحائط بجميع الاتفاقات المواثيق والشرائع الدولية والقيم الإنسانية، ولا تزال الولايات المتحدة تسمي هذا كله دفاعاً عن النفس. بل إن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي يتجاهلان سياسة الاغتيالات المعلنة التي تنفذها إسرائيل على مرأى ومسمع العالم. لم نسمع من قبل عن دولة تعلن على الملأ أنها ستغتال خصومها، ثم تقوم بذلك بأكثر الأساليب وحشية وهمجية، ولا يسمى ذلك إرهاباً.

الإعلان عن الاغتيالات وتنفيذها موقف يجب أن يدينه المجتمع الدولي، وعلى الأمم المتحدة أن تعاقب إسرائيل على مثل هذا الإعلان الذي يتعارض لا مع المواثيق والأعراف الدولية فحسب، بل يتعارض أيضاً مع القيم الإنسانية، لأن الاغتيال عمل غير مقبول على صعيد الأفراد، فكيف على صعيد الدول ؟

اليمين الإسرائيلي أعطى لنفسه الحق في التصرف على غرار الولايات المتحدة التي تدعم هذا الاتجاه وتشجعه وتسوغه. ولكن إلى أين تمضي هذه السياسة؟ إنها تمضي نحو أحد اتجاهين: أما إلى إضعاف السلطة الفلسطينية إلى أقصى حد لجعلها تقبل بالشروط الإسرائيلية ـ الأمريكية، وهي شروط لا يمكن أن يقبل بها الشعب العربي بوجه عام والشعب الفلسطيني بوجه خاص. مما يدفع بالأمور إلى مأزق جديد تبدو معه السلطة التي تقبل بهذه الشروط متناقضة مع شعبها ومع محيطها القومي، وهو ما يعزز التناقضات الداخلية، إن لم يبذر بذور الاقتتال الداخلي أو الحرب الأهلية.

الاتجاه الثاني هو الذي بات اليمين الإسرائيلي يلوح به، وهو انتهاج سياسة ترانسفير جديدة إلى الأردن تحديداً، وقد بدأ مسؤولون إسرائيليون يتحدثون من جديد عن الخيار الأردني، أي جعل الأردن وطناً للفلسطينيين، ولا نعرف إلى أي مدى يمكن للإدارة الأمريكية أن تقبل بهذا الاتجاه، وإلى أي مدى تقبل الأمم المتحدة بذلك. وهذا الاتجاه يتسق مع رؤية اليمين الاسرائلي للدولة العبرية: دولة يهودية فيها نسبة ضئيلة جداً من السكان العرب لا تشكل تحدياً ديمغرافياً على المدى المنظور.

·       هل هذا يعني أن عملية التسوية انتهت؟

 

عملية التسوية لم تنته، فالخيار الأول مفتوح على عملية طويلة المدى، وليس في الأفق المنظور مقومات جدية لاستئنافها قريباً، وأظن أنه ما لم يوضع حد للحرب الجارية على الإرهاب لن يكون هناك شيء اسمه عملية تسوية.

 

*********************************************

جاد الكريم الجباعي، مجاز في اللغة العربية وآدابها، من جامعة دمشق (1968) كاتب وباحث من سورية، مهتم بالفكر السياسي. صدر له كتابان : حرية الآخر، "نحو رؤية ديمقراطية للمسألة القومية"، وحوار العمر، "أحاديث مع الياس مرقص". نشر عدداً من الدراسات والبحوث والمقالات في صحف ومجلات عربية عدة، وشارك مع آخرين في عدة كتب. وشارك في عدد من الندوات والمؤتمرات العلمية في سورية ولبنان والأردن. وحاضر في عدد من الندوات والمراكز الثقافية.

عضو المؤتمر القومي العربي.

عضو في جمعية حقوق الإنسان في سورية. وفي المنظمة العربية لحقوق الإنسان.

عضو الهيئة التأسيسية للجان المجتمع المدني في سورية.

عضو الهيئة الإدارية في منتدى جمال الأتاسي بدمشق.

عضو في اتحاد الكتاب العرب.