مقدمات لتجديد الوعي القومي

 

جاد الكريم الجباعي

1- راهنية المشروع القومي الديمقراطي

يبدو الحديث عن مشروع نهضوي عربي اليوم أشبه ما يكون بالسباحة عكس التيار، أوبصيحة في وادي العولمة السحيق تضيع أصداؤها في نسيج "النظام العالمي الجديد". ويبدو لبعضهم نوعاً مـن التأمل الذاتي والتفكير المجرد، إن لم يكن نوعاً من حلم مستحيل. والوعي العربي الممزق بين ردود الفعل السلبية على الانتهاكات الخارجية المذلة، وردود الفعل السلبيـة على الاستبداد والتسلط والطغيان، لم يكتشف بعد أن النهوض الديمقراطي حاجة تفرضها الأوضاع العربية الراهنـة، والتحديات التي تواجه الأمة من كل صوب. فحين تستفحل الهزيمة، وتتعمق الأزمة وتتمادى، وتغدو الأوضاع والعلاقات جملة وتفصيلاً دون مستوى النقد، ويغدو "الإصلاح" أقل مما يحـتاج إليـه الواقـع بكثير، ولا يندرج في استراتيجية تقدم الأمة ووحدتها، وحين تتشظى بنى برمتها ولا يعود بالوسع إنقاذها وإعادتها إلى ما كانت عليه ..... لا يبقى من عمـل ممكن وواجب، على مستوى الأمة، سوى العمل التاريخي، العمل الذي لا  يرفع الأمة إلى مستوى البشرية المتقدمة المعاصـرة فقط، بل يفتح الطريق إلى المستقبل، مستقبلنا ومستقبل غيرنا من الأمم والشعوب أيضاً. والـدرس الذي يمكن استخلاصه من تاريخنا الحديث عامة، ومن محاولة النهضة العربية الثانية، في مدها وجزرها، وفي نجاحاتها وإخفاقاتها، وفي انتصاراتها وهزائمها، خاصة، هو أن النهضة ممكنة وواجبة. وأن الواقع العربي، وواقع العالم، يحملانها ممكناً بين ممكنات أخرى، قد يكـون بعضـها أسوأ مما نحن فيه. فالتاريخ توقيع لممكنات على حساب ممكنات أخرى. والحاسـم، في هذا الأمـر، هو عقل الواقع، ببعديه التاريخي والعالمي، وتعرُّفه كما هو من دون مشاعر ورغبـات، والوقوف على ممكناته واحتمالاته وتعارضاته الأساسية التي هي عامل حركته ونموه. والواقـع ليس ما تـراه العين القاصرة من سطوح الأشياء والظاهرات فقط، بل تلك الحركة التي يتحول بها الممـكن إلى واقع، أو يتحول بها ما هو موجود بالقوة إلى موجود بالفعل بتوسط العمل البشري، والإنتاج  الاجتماعي، المادي والروحي، على السواء، وذلكم هو معنى الراهنية.

كما أن العولمة الاقتصادية الجارية والمتسارعة تنطوي على آليتين متعاكستين: آلية دمج الاقتصادات الوطنية وتوحيدها، لتركيز الثروة والقوة والسلطة في أيدي طغمة عالمية تتحكم بمصائر الدول والشعوب، وآلية تهميش وتفتيت أصابت، حتى اليوم، وسوف تصيب كثيراً من الدول والشعوب، منها دولنا وشعوبنا. وكلما أزداد تمحور دولة من هذه الدول على الخارج يتعمق التفتيـت ويتحول إلى تذرير يجعل من انفجار المجتمعات من الداخل احتمالاً قوياً، إن لم نقل راجحاً. وليس من قبيل المصادفة تفتيت الاتحاد السوفييتي السابق، والاتحاد اليوغسلافي السابق، وتزايد الحديث عن تفتيت العراق مقدمة لتفتيت غيره من الأقطار العربية. ومن ثم فإن تحديات العولمة تقتضي فكراً وعملاً بمستواها. والمشهد العالمي الراهن بيدي انقساماً حاداً بين خمس من الأثرياء وأربعة أخماس من  الفقراء والمهمشين والعاطلين عن العمل، مما سيعيد المسألة الاجتماعية إلى مقدمة المسرح العالمي. فللتقدم العلمي والتقني وجهه القبيح أيضاً. والثورة العلمية التقنية الهائلة تكشف يوماً بعد يوم عن طابعها الاجتماعي وعن وجهها القبيح. فكيف ستكون أحوال عالمنا في القرن الحادي والعشرين إذا كان "358" شخصاً يملكون، اليوم، مقدار ما يملكه 2.5 مليار نسمة"، وإذا كانت أربعون ألف شركة عالمية متعدية القومية ومتعددة الجنسيات تتحـكم بمصائر الأفراد والجماعات والدول، في ظل "دكتاتورية السوق العالمية"، وفي ظل الرأسمالية المتوحشة وليبراليتها الجديدة المنتكسة عن مبادئ الحق والعدل والحرية والمساواة؟ هذه الوقائع تعيد، مرة أخرى، طرح المسألة القومية بوصفها مسألة اجتماعية.

العولمة الجارية والمتسارعة وأيديولوجيتها الليبرالية الجديدة أمريكية الطابع التي مضمونها: نهاية التاريخ وسقوط الأيديولوجيات ونهاية عصر القوميات ونهاية الدولة الوطنية/القومية وابتداء عصر المواطنة العالمية الكوسموبوليتية، وتفسخ الهويات القومية والحضارية... إلى آخر هذه المعزوفة، تطرح علينا مسائل ومهمات أكثر تعقيداً على الصعيدين النظري والعملي. ومن المهم السؤال كيف ستكون ردود فعلنا على هذه المسائل وإجاباتنا عنها؟ ولكن الأهم هو كيف سنصوغ أسئلتنا ومسائلنا  في ضوء حاجاتنا الجذرية؟ وهل بوسعنا أن نفكر كما فكر الفرنسيون، أيام الثورة الفرنسية: "نحن لا شيء ولكننا نريد  أن نكون شيئاً"، أو كما فكر الإنكليز أيام شكسبير: أن نكون أولا نكون تلك هي المسألة؟! 

لا شك أن في هذا القول شيئاً من أيديولوجيا وشيئاً من الحلم وشيئا من الرغبة، إي شيئاً من الذاتية، ولكن أليست هذه كلها مشروعة وضرورية، إذا كانت الذاتية (لا الذاتوية) هي نفسها الهوية أي الاستقلال والحرية؟ أم إن الموضوعية باتت تعني أن نظل موضوعاً لفعل الآخرين و"مادة" لتاريخهم، إن لم أقل سماداً لتاريخهم، وإن الواقعية لم تعد تعني سوى الاستسلام للأمر الواقع والتصالح معه؟ المشروع القومي، من هذه الزاوية ،هو إطلاق حركة تاريخنا الداخلي، تحرير تاريخنا الداخلي  المحتجز والملجوم بالضغط الإمبريالي الصهيوني، من الخارج، وبتأخر مجتمعاتنا واستلاب فاعليتها السياسية من الداخل. وهو أي المشروع القومي سعينا، كل من موقعه وفي عمله، إلى إنتاج شكل وجودنا السياسي، على نحو يجعل هذا الوجود السياسي الواجب هو نفسه وجودنا الاجتماعي الفعلي. فإذا كان وجودنا الاجتماعي وهميا وضرباً من اقتراض نظري تأملي، فإن المشروع القومي الديمقراطي هو كذلك بالأحرى. أما إذا كان وجودنا الاجتماعي وجوداً فعلياً، أو كينونة واقعية في العالم وفي التاريخ فإن هذه الكينونة لا بد لها من شكل سياسي مطابق لواقعها ومعبر عن هويتها. هذا الشكل السياسي هو الدولة القومية الديمقراطية.

ومن ثم فإن المشروع القومي الديمقراطي هو مشروع تقدم الأمة بكل فئاتها وطبقاتها وقواها، في  جميع المجالات، وانتقالها من جماعات ما قبل قومية متحاجزة ومتنافرة إلى مستوى الأمم العصرية الحديثة، وتحررها من أوهامها الذاتية أولاً، ومن الهيمنة الخارجية متعددة الأشكال ثانيًا، وتصفية سائر البنى والعلاقات والتشكيلات ما قبل القومية وصولاً إلى تصفية التجزئة القومية وتصفية آثارها أخيراً. لكي تتمكن الأمة من السيطرة على ثرواتها ومقدراتها ونتاج عملها وتوظيفها جميعاً في مشروع تقدمها... وهو عمل تاريخي بعيد المدى، بطيء ومتدرج وتراكمي ومتعدد الوجوه والمستويات، منوط بكتلة الأمة على اختلاف  فئاتها وطبقاتها وأحزابها واتجاهاتها الفكرية والسياسية، حين تمتلك هذه الكتلة وعياً بضرورة ذلك وبأهميته وراهنيته. وهنا يبرز دور المثقفين الذين لا يستطيعون أداء  مهماتهم ما لم يندمج فكرهم وثقافتهم بحياة الشعب وممارسته الاجتماعية، ويغدوان عدته وسلاحه في العمل والإنتاج.

نقطة الارتكاز الموضوعية ،العيانية، التي تنطلق منها رؤيتنا (الذاتية) للمشروع القومي الديمقراطي هي الكينونة الاجتماعية في التاريخ وفي العالم، هي وجودنا الاجتماعي الراهن المتعيِّن في المكان والزمان. والكينونة ( الكائن وفعل الكون) هي وحدة الذات والموضوع الجدلية، ووحدة الوجود   والعدم وتحول  كل منهما إلى الآخر في مجرى الصيرورة التاريخية. وهذا الوجود المتعين هو   الواقع التعددي الأفرادي التناقضي الإمكاني أو الاحتمالي من جهة وهو الجملة الحية الكلية من جهة أخرى، وهو  واقع متغير باستمرار، بفعل تعارضاته الملازمة، وفق نسق القوى الاجتماعية  الاقتصادية والسياسية والثقافية المتغيرة باستمرار، سواء على الصعيد القومي أو على الصعيد  العالمي. لا تنطلق رؤيتنا من مثال "الأمة" ولا من الجوهر القومي "المعلق فوق التاريخ"، ولا من "رسالة خالدة" مفترضة، ولا من مقولات طبقوية لا تمت إلى الواقع بصلة. ولا من رغبة في "إعادة الأمور ٍإلى نصابها" فالأمور لم تكن منذ ألف عام على الأقل في النصاب الذي نرغب فيه ونتطلع  إليه. وفي جميع الأحوال لا تنطلق رؤيتنا من الرغبة في استعادة ماض كان، فاستعادة الماضي   ضرب من الوهم. فنحن لا نستطيع أن نسبح في ماء النهر ذاته مرتين. بل إن رؤيتنا لهذا المشروع تنطلق من ضرورة التأسيس لمستقبل ممكن وواجب، مستقبل سيكون (وقد لا يكون) على نحو ما  نعمل وننتج. من نقطة الارتكاز الموضوعية الصرفة هذه، من الكينونة الاجتماعية العيانية ومن   الجملة الكلية الحية، من الواقع الراهن، ننطلق نحو الهدف، على خلاف مسيرتنا السابقة التي انطلقت من الهدف، ومن الجوهر المتعالي، ومن الرؤية الخطية للتاريخ، فانتهت إلى ما نحن فيه اليوم،  وجعلت من تاريخنا المعاصر تاريخ الفرص الضائعة. هذه الكينونة المتعينة في العالم وفي التاريخ   هي الأمة. فمفهوم الأمة يحيل على واقع متعين هو المجتمع، وعلى المجتمع المدني الحديث.    المجتمع المدني الحديث هو المعادل الاجتماعي الواقعي، الموضوعي، لمفهوم الأمة المجرد. وتنطلق الرؤية الديمقراطية من مقولة الهوية القومية التي تحيل على واقع التعدد والاختلاف والتعارض،  وتضع التماثل في الوقت ذاته. فالهوية دوماً هي وحدة الاختلاف والتماثل الجدلية أولاً، ووحدة الذات والموضوع ثانياً، ووحدة الشكل والمضمون ثالثاً، ووحدة الوجود والعـدم، أو وحدة التشكُّل  والانحلال، تحت مقولة الشكل ومبدأ التشكل رابعاً. وهي مقولة تاريخية كينونية تناقضية وتشكلية في الوقت ذاته. وهذه جميعاً عناصر موضوعيتها وحقيقيتها. ولأني لا أريد أن أصادر على حركة الواقع لم أصف نقطة الارتكاز الاجتماعية والمجتمعية هذه بأي وصف طبقي أو ثقافي أو أيديولوجي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن  صفة القومي التي وصف بها المشروع النهضوي لا تنحل في الأيديولوجـية القومية أو في "العقيدة" القومية، بل تحيل فقط على شكل الوجود السياسي للأمة كما ينظر إليها من الخارج. ولا أغالي في القول إن القوى الاستعمارية والإمبريالية كانت ولا تزال تنظر إلى أمتنا من الخارج على أنها أمة موجودة بالقوة وينبغي، في نظرها، ألا توجد بالفعل؛ ولذلك أمعنت في تجزئتها وزرعت إسرائيل في قلبها. وقد كانت القوى الاستعمارية والإمبريالية تنظر إليها على أنها قومية  ينبغي ألا تتعين في صيغة سياسية جامعة أو في دولة قومية.

لا تتجسد الأمة، واقعياً، إلا في المجتمع. والمجتمع المدني هو تجسيد الأمة بمفهومها الحديث والمعاصر، والدولة القومية، وهي المعادل السياسي للمجتمع المدني، هي صورة الأمة، كما تبدو لأبنائها من الداخل، بوصفها دولة حق وقانون. والقومية هي صورة الأمة الثقافية والسياسية كما تبدو للآخرين من الخارج، بصفتها دولة قومية. فالقومية حدٌّ وفرقٌ يميزان أي أمة من الأمم الأخرى التي تماثلها في الهوية الإنسانية الكليـة. والمشروع القومي هو بالأحرى مشروع تقدم هذه الأمة   ووحدتها. والوحدة القومية هي رافعة التقدم وشرطه الضروري اللازم، و غير الكافي. وهذه الوحدة ليست تضامناً بين رؤساء وملوك وأمراء وشيوخ، على أهمية ذلك. وليست اتفاقات بروتوكولية بين دولتين قطريتين أو أكثر، على أهمية ذلك أيضاً، بل هي الصيغة السياسية التي تنتجها الأمة في سيرورة تقدمها تعبيراً عن وجودها العياني. وليس من الحكمة ولا من المنطق تحديد هذه الصيغة مسبقاً. إنها نفي جدلي للدولة الوطنية في كـل قطر من الأقطار العربية. والدولة الوطنية هي نقيض الدولة القطرية القائمة، سواء في علاقاتها بالخارج أو في علاقتها بالمجتمع الذي هي شكل وجوده السياسي أو تحديده الذاتي؛ لذلك فإن تحويل الدولة القطرية القائمة اليوم إلى دولة وطنية أي إلى دولة مستقلة وذات سيادة إزاء الخارج وتعبيـر عن الكلية الاجتماعية في الداخل، هو الخطوة الضرورية الأولى نحو الوحـدة العربية. وكلما كانت دولة عربية ذات سيادة فعلية واستقلال فعلي إزاء الخارج، وتعبيراً فعلياً عن كلية مجتمعها تغدو أكثر قابلية للاندماج في مشروع وحدوي أو في صيغة وحدوية . فعرقلات الوحدة العربية ليست خارجية فقط ، بل داخلية أساساً.

 

2-مقدمات لتجديد الوعي القومي :

يطلق بعضنا على المشروع النهضوي العربي اسم الثورة القومية الديمقراطية ذات الأفق الاشتراكي، وأجدني ميالاً إلى هذه التسمية، بشرط أن توضع مقولة "الثورة" تحت مقولة التقدم فلا تستنفذها ولا   تحل محلها ولا تحددها؛ لأن هناك "ثورات" كثيرة لم تكن تقدماً في المحصلة النهائية. ومقولة التقدم مقولة تاريخية كلية، ولكنها أيضاً مقولة قياسية، في المكان والزمان، فلا يقاس تقدم أمة إلا بتأخر أمم أخرى، وبالعكس، لا ينكشف تأخر أمة من الأمم ألا قياساً بتقدم أمم أخرى. ونحن العرب لا يقاس تقدمنا أو تأخرنا في هذا العقد الأخير من القرن العشرين إلا بتقدم الأمم الأخرى من جهة، وبما كنا عليه في العقد الذي قبله أو في العقود التي سبقته، من جهة أخرى، وهكذا. ويمكن أن يلاحظ بعضنا  أن تأخرنا يتقدم. وبغض النظر عن هذا الحكم، فإن التقدم، في كل مكان وزمان، محرز إنساني عام، بحكم وحـدة التاريخ البشري وكونية العقل الإنساني.

واليوم، إذا كنا لا نريد أن تكون الديمقراطية حلماً ووهماً، بعد أن سقط الكثير من أحلامنا والقليل من أوهامنا، وإذا كنا نريد للفكر، لفكرنا جميعاً، أن يندمج بحياة الشعب، ويغدو عدته وسلاحه، في الممارسة العملية، أي في عملية الإنتاج الاجتماعي، بكل ما تنطوي عليه من معان، علينا، كما أفترض، أن نجيب عن الأسئلة الآتية:

1-كيف يمكن تأسيس مشروعنا النهضوي على مبدأ يستمد قيمته ومسوغاته ومشروعيته من ذاته، لا من أي شيء خارجه، مبدأ يخرج هذا المشروع من دائرة السجال الأيديولوجي والتجاذب «السياسي»، ومن دائرة السياسة المباشرة، دائرة الدولة القطرية المرسملة والتابعة، دولة الاستبداد  والولاية على البشر، ويجعله قابلاً للاندراج، في الواقع، في ظل الأوضاع العربية والعالمية الراهنة؟.

2- كيف يمكن إنشاء صورة الواقع العربي الفعلية، وصورة العالم الفعلية في أذهاننا - نحن عرب اليوم- على نحو يضع حداً لوعينا الأيديولوجي، على اختلاف تلاوينه، ويقيم الحد على الأيديولوجيات التي يتحمل أصحابها -ونحن منهم- القسط الأوفر من المسؤولية التاريخية والأخلاقية عما آلت إليه أوضاع أمتنا وشعبنا، وبأي أدوات معرفية يمكن أن نفعل ذلك؟.

3- كيف نتخطى محاولات التوفيق والتلفيق بين أيديولوجيات قومية واشتراكية وليبرالية وإسلامية،  لم تكن تعي، وربما لا تعي اليوم أن لها جذراً معرفياً مشتركاً كان ولا يزال يدفع بمشايعيها ومحازبيها خارج الواقع العياني، ببعديه التاريخي والعالمي، وينشئ لكل منها عالماً خاصاً لا  مكان فيه للآخرين من جهة، ومخارجاً للعوالم الأخرى، وللعالم، من جهة ثانية، لكي نتمكن من إنتاج وعي جمعي ومجتمعي أمّوي يعترف بالتعدد والاختلاف والتعارض، أي يعترف بواقع   الأمة الفعلي أولاً، ويرى، من ثم، أن كل فئة أو طبقة اجتماعية وكل جماعة دينية أو مذهبية،  وكل حزب سياسي وكل اتجاه ثقافي أو إيديولوجي إنما هي أوهو جزء من الكل الاجتـماعي، يتحدَّد به ولا يحدِّده، ويستمد منه طابع عموميته، وليس له أن يفرض عليه خصوصيته؟. فالكل هو الذي يحدد الأجزاء وليس العكس.

4- كيف يمكن جعل العمل العربي، ولاسيما السياسي منه، يحقق نتائج مقاربة لأهدافه المعلنة، ومتسقة معها، وليس العكس كما جرت الأمور ولا تزال تجري إلى اليوم؟ أي كيف يمكن أن  نجعل حساب الحقل مقارباً لحساب البيدر.

هذه الأسئلة تضع ثلاث مقدمات أساسية قومية أو أموية بقدر ما هي ديمقراطية، وديمقراطية بقدر ما هي قومية وأموية، وإنسانية في التحليل الأخير. وكلها تحيل على المسألة العملية التي يضعها السؤال الرابع، مسألة الممارسة «البراكسيس» بما هي وحدة الفكر والعمل.

المقدمة الأولى والمبدأ الذي يستمد منه المشروع القومي الديمقراطي قيمته ومسوغاته ومشروعيته   هو الإنسان. والإنسان، هذا المفهوم الكلي، والماهية المثالية، إنما يتعين في الفرد الطبيعي بخصائصه النوعية، البدنية والذهنية والنفسية والروحية وبفاعليته الحرة الواعية والهادفة، والذي يستمد صفاته الاجتماعية بالفعل من الجماعة ومن المجتمع، ومن العائلة خاصة. ثم تنبسط هذه الصفات وتنمو   فتغدو مدنية أو حضارية في المجتمع ومؤسساته، ومن ثم في المجتمع المدني ومؤسساته، سواء منها تلك التي تفرضها الضرورة الاجتماعية، أو التي يقيمها الأفراد بمحض إرادتهم واختيارهم. مع العلم  أن هذه الصفات الاجتماعية المدنية لا تبلغ تمامها إلا في المجتمع السياسي، وفي الدولة خاصة، فإن مناط إنسانية الفرد هو بلوغه مستوى الكلية الاجتماعية، أي أن يصير عضواً في المجتمع، لا عضواً في العائلة الممتدة أو العشيرة أو الطائفة..،  ثم بلوغه مستوى العمومية السياسية، أي أن يصيـر عضواً في الدولة بصفتها تعبيراً عن الكلية الاجتماعية وتجريداً للعمومية. ويتجلى ذلك في مساواة الأفراد أمام القانون وخضوعهم له وتمتعهم جميعاً بحقوق متساوية. فالحق والقانون هما قوام الدولة ومبدأ وحدة المجتمع. على أن تفهم السياسية هنا على أنها الشيء العام المشترك بين جميع المواطنين وبين جميع الفئات والطبقات والأحزاب السياسية أولاً وأنها فاعلية اجتماعية ومجتمعية عامة، بها تتحول الأهداف والمصالح الشخصية والخاصة إلى أهداف ومصالح وطنية/قومية عامة.

والإنسان العياني معرف بالعمل الواعي والهادف، وبالإنتاج. فهو ينتج نفسه في المجتمع والدولة،   لذلك فإن المجتمع هو الإنسان العياني، أو هو الإنسان وقد صار موضوعياً تماماً وكلياً تماماً. وإزاء هاتين الموضوعية والكلية تقوم ذاتية الفرد وفرديته وتظلان في تعارض دائم مع صفاته، أو تحديداته الذاتية: الاجتماعية والسياسية. إذاً المجتمع والدولة هما نتاج الإنسان الاجتماعي السياسي. والمجتمع، قبل أي شيء آخر، هو مجتمع الأفراد، مع أنه التجسيد العياني للأمة، فالمجتمع الحر (وقل الأمة الحرة) والمستقل هو ما كان جميع أفراده أحراراً ومتساوين في الحقوق الطبيعية والمدنية والسياسية، بلا استثناء ولا تمييز، لا في الجنس ولا في الدين أو العقيدة ولا في الموقع الاجتماعي ولا في المنبت الاجتماعي ولا في الانتماء الفكري والأيديولوجي والسياسي. وإذا انتقصت حرية بعضهم، مهما قل عدد هذا البعض، فحرية المجتمع كلها منقوصة. فعندما يعترف المجتمع والدولة بالفرد بصفته كائناً إنسانياً أولاً، وبصفته الإنسان متعيناً ثانياً، وبصفته أساسهما الطبيعي والاجتماعي والسياسي ثالثاً، وبحريته وحقوقه، وحقه في الاختلاف أخيراً، تكون قضية الديمقراطية وقضية الوحدة العربية معاً وبالتلازم قد خطت خطوتها الأولى التي يصعب الرجوع عنها.

عندما ينزع الأفراد إلى إنتاج شكل وجودهم السياسي، وإلى تثبيت هذا الوجود وتوكيده، وجعله وجودهم الفعلي، بصيرورتهم أعضاء في الدولة، والعضوية هي المشاركة والمسؤولية، يكون   المجتمع كله قد بدأ فعلاً بإنتاج شكل وجوده السياسي (الدولة)، وبالسعي إلى جعل هذا الوجود السياسي وجوده الفعلي، وتحديده الذاتي. ولا يفعل المجتمع ذلك إلا بحضوره فعلياً في الدولة، من  خلال السلطة التشريعية، وفق مبدأ التمثيل والانتخاب. وكلما كانت الانتخابات حرة ونزيهة، مرة بعد  مرة، يتمكن المجتمع كله من جعل وجوده الاجتماعي وجوداً سياسياً، ووجوده السياسي وجوداً اجتماعياً. ويغدو الشكل السياسي (الدولة) مطابقاً لمضمونه (المجتمع المدني) ومتحداً به. وليس للديمقراطية من تعريف أو تعيين آخر. جميع أشكال الدولة هي تناقض في ذاتها، بين الشكل السياسي والمضمون الاجتماعي، باستثناء الدولة الديمقراطية.

تقدُّم قضية الديمقراطية، على هذا النحو، هو في الوقت نفسه تقدُّم قضية الوحدة العربية. فكلما كانت الدولة تعبيراً فعلياً عن كلية الوجود الاجتماعي، ومن ثم عن الخصائص القومية لهذا الوجود الاجتماعي ذاته، تغدو أكثر قابلية للاندراج في عمل وحدوي، ويزول التناقض تدريجياً بين قومية المجتمع وقطرية الدولة، بقدر ما تضع القوى الاجتماعية والأحزاب السياسية، على اختلافها، قضية الوحدة العربية في صلب عملها الاستراتيجي. ولنسم الدولة التي يزول فيها التناقض بين شكلها السياسي القطري ومضمونها الاجتماعي أو المجتمعي القومي الدولة الوطنية، ونقيضها هو الدولة القطرية. والدولة الوطنية المستقلة وذات السيادة الفعلية إزاء الخارج، والمعبرة عن الكلية الاجتماعية  في الداخل، هي جنين الدولة القومية المرجوة أو مقدمتها الضرورية.

ويجدر بنا أن نلاحظ أن نقطة انطلاق الديمقراطية هي ذاتها نقطة انطلاق الوحدة العربية، أعني الإنسـان العياني، أو الوجود الاجتماعي العياني، أو الكينونة الاجتماعية. وأن الديمقراطية والوحدة العربية، في حالتنا الخاصة، هما مضمون المشروع النهضوي وشكله السياسي. وإذا نظرنا إلى الوحدة العربية على غير هذا النحو، نكون قد جعلناها، وقد جعلناها فعلاً في الماضي، صنماً للعبادة وشعاراً وهمياً، وشيئاً غير قابل للتحديد. الديمقراطية هي المضمون، أي المجتمع العربي الذي قوامه التعدد والاختلاف والتعارض، والمجتمعات العربية المختلفة أيضاً. والوحدة هي الشكل والشكل فقط. وجدل الشكل والمضمون، في الوحدة وفي الديمقراطية على السواء، هو نمو المضمون وتقدمه وصيرورته مضموناً فعلياً للشكل السياسي، ومطابقة الشكل للمضمون. أو انتكاسهما معاً وانحلالهما، وهذا وذلك ممكنان دوماً.

ولكي لا تبدو الأمور على هذا النحو من اليسر نتساءل: لماذا بقيت التجزئة الاستعمارية للوطن  العربي وتعمقت بعد رحيل الاستعمار؟ الجواب ببساطة: لأن التقسيمات العمودية في المجتمعات  العربية، أعني التقسيمات العشائرية والدينية والمذهبية والأقوامية أو الإثنية كانت دائماً، ولا تزال، تعوق العمل الوحدوي. وأن الأيديولوجيا التقليدية والأيديولوجيات الدينية والمذهبية عامة، والأقلوية منها خاصة، كانت ولا تزال أيديولوجيات دون قومية. ودون سياسية أيضاً. إن نقص الاندماج القومي في كل قطر كان ولا يزال العقبة الكأداء في طريق الوحدة العربية. وهو اليوم العقبة الكأداء في  طريق الديمقراطية.

الدولة الوطنية/ القومية ليست نفياً جدلياً للدولة القطرية فقط، بل لسائر البنى والتشكيلات والعلاقات   ما قبل القومية، وما دون السياسية. وليس لمشكلة نقص الاندماج القومي هذه سوى حل علماني يرفع هذا السديم البشري إلى مستوى أمة حديثة وعصرية، ويعيد بناء العلاقات الاجتماعية والسياسية على أساس المواطنية والمساواة أمام القانون. فالدولة الديمقراطية هي بالضرورة دولة علمانية. فهل يمكن أن تكون الدولة منحازة إلى دين أو مذهب أو عشيرة، أو إلى أيديولوجية علمانية، قوميـة أو اشتراكية، وتكون في الوقت ذاته ديمقراطية وتعبيراً عن الكلية الاجتماعية؟. لا تستطيع الـدولة الوطنية القومية والديمقراطية بالتلازم أن تكون منحازة، لأنها تجريد العمومية، وتعبير عن الكلـية. وكل دين أو مذهب أو مبدأ سياسي إنما هو شيء خاص والخاص لا يحدد العام. وبالمقابل لا تستطيع الدولة الوطنية القومية أن تكون ملحدة بحكم تدين مواطنيها ومجتمعها.

الديمقراطية، وفق هذه الرؤية، ليست صفة خارجية للمشروع القومي، ولا واحدة من صفاته، بل هي مضمونه وقوامه. لذلك يمكن أن نتحدث عن مشروع ديمقراطي عربي، من دون أن نضع الوحدة العربية شعاراً، ومع ذلك ستظل الوحدة حاضرة وضرورية، بوصفها الشكل السياسي لهذا المضمون، إذ لا مضمون بلا شكل ولا شكل بلا مضمون. فلا بد للفكر العربي أن يتجاوز الثنوية التعادمية: إما الوحدة العربية، وإما الديمقراطية، بعد أن درج زمناً طويلاً على المعارضة بينهما.

بهذه الثنوية خسرنا ويمكن أن نخسر الاثنتين معاً. فلا بد للفكر العربي أن يخرج من سذاجة السؤال،  أو من مكر السؤال: أيهما أولاً، الديمقراطية أم الوحدة العربية؟. دعاة الديمقراطية من دون مبدئها الأولي والنهائي، لم تكن ديمقراطيتهم مؤسسة في الوعي والضمير، فالإنسان كان غائباً عن جميع أيديولوجياتنا، إذ حلت محله الكتل الكبرى، الكتل السديمية والقطيعية: الطبقة والجماهير والكادحون  والكتلة التاريخية والأمة والشعب، من دون وعي بالمبدأ والأساس، بالإنسان والفرد، وبحقوق الإنسان وحرية الفرد، بالـ "أنا أفكر"، وحرية الفكر والضمير. وأحزابنا «الثورية» جعلت من الأفراد نسخاً كربونية، أو هكذا أرادت ولا تزال تريد، بل جعلتهم زوائد لحمية للأمين العام. فنحن في فكرنا ووعينا لا نوحِّد عندما نفرِّق، ولا نفرِّق عندما نوحِّد، ولا نصل عندما نفصل، ولا نفصل عندما نصل، ولا نركِّب عندما نحلِّل ولا نحلِّل عندما نركِّب، حتى غدونا لا نحل حلالاً ولا نحرم حراماً. ألا يزدري معظمنا، أو بعضنا، مفهوم الحلال والحرام، والمباح والمحظور، أساس التنظيم الاجتماعي وأساس القانون وأساس ارتقاء الإنسان؟ أليست الصفة المميزة لأنظمة الاستبداد والتسلط العربية أن كل شيء فيها مباح وكل شيء محظور؟ و "إذا لم يكن الله موجوداً فكل شيء مباح"، بحسب تعبيـر ديستويفسكي الذي أسس فكرة سمو القانون على فكرة الله.

المقدمة الثانية هي الـ «أنا أفكر» وموضوعه، في وحدتهما الجدلية التناقضية، وحدة الذات والموضوع، وحدة الفكر والواقع، الروح والمادة، وحدة الفرد أو الشيء العياني الواقعي ومفهومه المثالي، وحدة الخاص والعام، والإنسان والعالم، الإنسان الذي يصير عالمياً والعالم الذي يصير   إنسانياً، بتوسط الشغل والإنتاج. وبكلمة المقدمة الثانية هي المنهج أو الطريقة. والمنهج هنا تحديداً هو الديالكتيك، من بين مناهج كثيرة كلها مهمة ولكل منها ميدانه وحقله، ولكن الديالكتيك هو الميدان العام والحقل العام، لأنه منطق الواقع ومنطق الفكر ومنطق التاريخ. والمنهج ليس شيئاً مقحماً على الموضوع من الخارج، بل هو جدله الداخلي.

 الديمقراطية، أيضاً، تقوم على نظرية المعرفة، وعلى نظرية الكائن، لاسيما حين تنطلق من الوجود العياني، والموجود الفردي العياني، وتعقلهما، في نطاق الكلية الاجتماعية، والعمومية السياسية، والماهية الإنسانية. في هذا الصدد يحضرني قول الياس مرقص: «إن على الفكر العربي ولاسيما التقدمي منه أن يختار اختياراً مبدئياً ونهائياً: إما الديمقراطية والديالكتيك وإما الليبرالية والوضعانية.. الديقمراطية وحدها تنصف الليبرالية، والديالكتيك وحده ينصف الوضعية الإيجابية». الوضعانية، أي الوضعية الإيجابية الصائرة مذهباً، هي مذهب العصمة والحقيقة الناجزة واليقين العلمي القطعي، إنها مذهب الوثنية روحياً ومذهب الاستبداد سياسياً. أما حين يكون المبدأ والأساس هو الإنسان وعلاقته الجدلية بالعالم، وإنتاجه نفسه فيه، واغترابه عنه، ومن ثم عن ذاته، وكفاحه من أجل حذف الاغتراب، فلا مناص من الديالكتيك، منطق الواقع والتاريخ ومنطق الفكر الواعي ذاته، منطق العلاقة ومنطق التعارض ومنطق الصيرورة. الكينونة لحظة من لحظات الديالكتيك، وليس العكس، ومن ثم فالوضعية الإيجابية لحظة من لحظات الديالكتيك. فلكي نكون ديمقراطيين قولاً وفعلاً؛ نحن مدعوون إلى ثورة كوبرنيكية على صعيد الفكر والوعي. كوبرنيكوس لم يغير نظام الكون، فقط، وضع، في الفكر،  الشمس محل الأرض مركزاً للمجموعة الشمسية، ثم تغير كل شيء في فكر البشر وفي وعيهم. نحن مدعوون إلى أن نضع الإنسان في مركز العالم وفي مركز الفكر والوعي، وأساساً موضوعياً لمشروعنا النهضوي، وبعد ذلك سيتغير كل شيء في الفكر وفي الوعي. لنضع الإنسان في مركز عالمنا وفي مركز وعينا تحت مقولة: الله أعلم والله أكبر، في وجه جميع متكبري الأرض ومتعالميها وآلهتها، وتحت مقولة الإنسان المستخلف في الأرض يتابع عملية الخلق المستمرة في كل آن. وللذين يجفلون من الديالكتيك، لارتباطه بالماركسية، أقول: الديالكتيك أقدم من الماركسية ومن الاشتراكية، إنه منطق الفكر البشري عامة ومنطق تطوره وتقدمه، منطق انبساط الروح الإنساني ونموه في العالم، منذ كان الإنسان إنساناً. وهو إبداع العقل البشري وليس نبتاً شيطانياً في حقل المعرفة والتعقل.

والمقدمة الثالثة هي وعي الذات من أجل وعي الواقع ومعرفة العالم. ولهذا الوعي ثلاثة أبعاد: بعد تاريخي،أو بعد في الزمان، وبعد عالمي، أو بعد في المكان، وبعد معرفي نقدي يضمهما معاً ويتجه بهما إلى المستقبل. وهذه الأبعاد هي نفسها أبعاد الواقع. فللواقع مفهوماً فهماً صحيحاً بعد تاريخي،   أي  امتداد في الزمان، وبعد عالمي أو كوني هو امتداد في المكان، وله منطق هو منطق الصيرورة  يتعرفه الإنسان، فـي غمرة الشغل والإنتاج، أي في الممارسة العملية، وإن عقل الإنسان ليس سوى سعيه الدائم إلى عقل العالم أو تعقله، ومن ثم فإن "كون العقل هو عقل الكون"، وأي تعريف آخـر للعقل إنما يفضي إلى احتكار الحقيقة وإلى الاستبداد. وعملية التعقل هذه تظل ناقصة على الـدوام، على الرغم من نموها وتقدمها. علم الإنسان ناقص دوماً وقدرته محدودة دوماً، وكذلك جميع منتجاته المادية والروحية، وجميع البنى والتشكيلات والتنظيمات الاجتماعية والسياسية التي يقيمها لنفسه. مبدأ النقص هذا هو نفسه مبدأ التقدم، بخلاف مبدأ الكمال الذي هو مبدأ الاستبداد. وهذا مؤدى المـبدأ السامي، مبدأ الله أعلم  والله أكبر. وإن وعي الذات يبدأ دوماً بنقد الذات، وهذا يقتضي «استقلال الوجدان وجهاد المعرفة» للكشف عن أوهام الذات وأخطائها وخطاياها وأباطيلها، ومجاهدة النفس الأمارة بالسوء. نحن جزء من العالم، وتاريخنا جزء من تاريخه، ومصيرنا مرتبط بمصيره، والوعي المطابق لحاجات تغيير الواقع وإطلاق سيرورة المشروع القومي الديمقراطي هو بالأحرى الوعي النقدي الحديث والتاريخي والكوني بالتلازم.

وأخيراً، فإن المبدأ الذي اتخذناه نقطة ارتكاز للمشروع الديمقراطي وللمشروع الوحدوي، بالتلازم الضروري، يضع أمامنا مهمات أساسية يفضي بعضها إلى بعض، أولها، العمل في سبيل الاندماج القومي. ومدخله علمنة الفكر والسياسة من أجل علمنة المجتمع والدولة. وثانيهما تحويل الدولـة القطرية القائمة، تدريجياً وسلمياً وديمقراطياً، إلى دولة وطنية؛ بتعزيز حضور المجتمع المدني فيها  عن طريق السلطة التشريعية والانتخابات الحرة والنزيهة وسيادة القانون. وثالثها تنشيط مؤسسات المجتمع المدني، ولا سيما المؤسسات ذات الطابع القومي، كاتحاد المحامين العرب والمنظمة العربية لحقوق الإنسان واتحاد الأطباء العرب واتحاد الصيادلة العرب واتحاد المهندسين العرب واتـحاد العمال العرب واتحاد الطلاب العرب واتحاد الأدباء العرب... إلخ وجعلها مرجعيات قومية، فـي ميادين عملها. والمدخل إلى ذلك كله هو حرية الفكر والتعبير وحرية الرأي والضمير وحريـة الاعتقاد وحق الاختلاف وحق المعارضة، على قاعدة الاعتراف المبدئي والنهائي بحرية الفـرد وحقوق الإنسان.