نحو ماركسية إنسانية

الماركسية والمثل الأعلى الأخلاقي

 

حظيت منظومة أفكار كارل ماركس وفريدريك إنجلز التي سميت "الماركسية"، كما حظيت أفكار هيغل من قبل، باهتمام واسع بين المثقفين عامة والمفكرين والنقاد منهم خاصة، فضلاً عن تحولها إلى أيديولوجية عامة للحركة الشيوعية على صعيد العالم. ويمكن القول: إن الناس انقسموا إزاءها إلى أنصار ومحازبين، ونقاد وخصوم؛ فقد ملأت العالم وشغلت الناس. وتفرعت عنها مدارس ومذاهب شتى، واندرجت في العلوم الاجتماعية والاقتصادية، وفي العلوم الإنسانية الحديثة والمعاصرة. كما اندرج منطقها الجدلي، الديالكتيك، في مختلف العلوم التطبيقية في صيغتها الأحدث.

واليوم، يذهب كثيرون في بلادنا، وفي غيرها، إلى أن الماركسية سقطت بسقوط الاتحاد السوفييتي وما كان يسمى دول المنظومة الاشتراكية، أو المعسكر اللاشتراكي. وإلى أنها انتهت بنهاية "عصر الأيديولوجيا" وبلوغ البشرية "نهاية التاريخ" الذي سيغدو تاريخ الرأسمالية وأيديولوجيتها الليبرالية الجديدة. ويعزو إليها كثيرون من خصومها وكثيرون من أنصارها السابقين صفات الشمولية والاستبداد، ويقيمون تعارضاً لا سبيل إلى تجاوزه بينها وبين الديمقراطية.

وفي اعتقادي أن ما شاب التجارب الاشتراكية و"النظريات" السياسية التي نسبت نفسها إلى الماركسية من تعصب وانغلاق جعلا منها تجارب ونظريات أدنى ما تكون إلى الشمولية والاستبداد يرجع إلى عاملين أساسيين: هما فصل الماركسية عن المثل الأعلى الأخلاقي الذي انبنت عليه وتعلقت به، أولاً. وشطرها، من ثم، إلى شطرين هما "العلم" و "الأيديولوجيا"، ووضع كل منهما في معارضة الآخر ثانياً. وتجلى ذلك في الفصل التعسفي بين ما سمي فكر ماركس الشاب والماركسية الناضجة في رأس المال، مؤلف ماركس الأشهر والأهم. وتجدر الإشارة إلى أن أفكار ماركس كانت تنتزع من سياقها التاريخي ومن بيئتها الفكرية، الفلسفية، ويعاد تأويلها بحسب بيئة المؤول وغايات التأويل. وفي سياق تحولها إلى أيديولوجية عامة للحركة الشيوعية، وإلى "نظرية سياسية" للثورة الاشتراكية ضمر جذرها الليبرالي، وجف نسغها الواقعي العقلاني، أعني منهجها الجدلي. وليس مصادفة أن تضمر في معظم تجلياتها السياسية عناصر الإنسية والعقلانية والعلمانية والديمقراطية، وأن يزهق روحها الجدلي، وتتحول إلى منظومة مغلقة أو إلى مذهب مغلق على "حقائق" و "قوانين علمية" ناجزة ونهائية لها صرامة القوانين الطبيعية وحتميتها المزعومة، منظومة مغلقة قطعت كل علاقة بين منطق الواقع ومنطق الفكر ومعقولية العالم، وقطعت من ثم كل علاقة بين الفكر والعمل والأخلاق، في الوقت ذاته. وفي هذا السياق نفسه يذهب بعضهم إلى نفي طابعها الفلسفي منطلقين من تصور يختزل الفلسفة إلى نوع من التأمل الذاتي المقطوع الصلات بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وقد تعرضت مؤلفات ماركس الشاب، ولا سيما المخطوطات الفلسفية والاقتصادية لعام 1844  لكثير من التأويل بغية الدفاع عن مواقف سياسية وأيديولوجية، كما تعرضت لكثير من سوء الفهم حين كانت تدرج في سياقات سجالية لا تعبأ بنظامها العام ومنطقها الداخلي. فالاشتراكيون الديمقراطيون الذين صنفوا "يمينيين" رأوا في المخطوطات تعبيراً عن فكر "قوامه الجوهري أخلاقي"  . وفق هذا التفسير يكون، ماركس قد أفصح عن استنكاره لوضع الإنسان في النظام الرأسمالي بصيغة فلسفية. وقد شاطر الاشتراكيين الديمقراطيين رؤيتهم هذه عدد من المفكرين من اتجاهات فكرية مختلفة، منهم إ . تير في مقدمته لطبعة المخطوطات الصادرة في كولن عام 1950 ، والأب بيغو في مؤلفه "الماركسية والنزعة الإنسانية" وجان إيف كالفيز في كتابه "فكر كارل ماركس" وغيرهم ممن رأوا "جوهر أفكار ماركس في نزعة إنسانية تسمح بأن نشده نحو المثالية" (6). ورأى بعضهم أن المحتوى الجوهري لهذه الأفكار هو نقد هيغل ونظرية الضياع، أي إنهم رأوا أن أفكار ماركس ذات طابع فلسفي بصورة أساسية.

تنطلق هذه المقاربة من ثلاثة افتراضات أساسية: أولها أن أفكار ماركس خاصة تولف منظومة فلسفية تحمل أهم خصائص الفلسفة الألمانية الكلاسيكية، ولا سيما فلسفة هيغل التي صبت فيها جميع تيارات الفلسفة القديمة وتفرعت عنها جميع تيارات الفلسفة الحديثة، وأن الاشتراكية الفرنسية والاقتصاد السياسي الإنكليزي كانا تابعين لهذه المنظومة وخاضعين لمقولاتها ومنهجها. والثاني أنها ارتبطت من ألفها إلى يائها بمثل أعلى أخلاقي هو تحرير الإنسان من البؤس والشقاء والقهر والاستغلال، وحذف استلابه في صوره المقدسة وغير المقدسة. والثالث أن الاستلاب أو الاغتراب أو الضياع هو البذرة التي تنطوي على شجرة الديالكتيك، روح الماركسية ونسغها الحي، ومناط واقعيتها أو ماديتها، وهو الذي يضع مفهوم التاريخ وفكرة التقدم، ويجعل من هذه الأخيرة معياراً أساسياً للفكر والممارسة؛ لأنه في أحد وجوهه الصيغة الفلسفية لمقولة الممارسة أو البراكسيس بما هي وحدة الفكر والعمل ووحدة الذات والموضوع.

في ضوء هذه الافتراضات، يميل المرء إلى اعتبار الماركسية فلسفة إنسانية في المقام الأول. واعتبارها كذلك لا يثلم حدها الثوري، ولا يقلل من قيمتها "العلمية"، بخلاف ما ذهب إليه جميع الذين جعلوا "الثورة" معياراً وحيداً بدلاً من تحسن الإنسان وتقدمه على طريق الحرية. ومن هؤلاء إميل بوتيغلي نفسه، وهو واحد من أهم الذين شرحوا المخطوطات الفلسفية والاقتصادية. إذ رأى بوتيغلي أن الذين أكدوا الطابع الفلسفي لأفكار ماركس إنما أرادوا "معارضة فكر ماركس الناضج والاقتصادي بفكره الفلسفي الحق، أو استيعاب هذا الفكر في تيار الفلسفة الكلاسيكية (المثالية) الكبير، وبشكل ضمني نفي القيمة الثورية للماركسية". (7) السؤال المهم هنا لا بد أن يدور حول القيمة الثورية للفكر بوجه عام ولفكر ماركس بوجه خاص. ومخطوطات 1844 وصيغتها "الناضجة" في رأس المال تحمل إجابة وافية عن السؤال.

 لم يترك لنا ماركس مؤلفاً في المنهج أو في نظرية المعرفة أو في الديالكتيك، مع أنه كان قد وعد بذلك، وحسناً فعل؛ لأن أي محاولة لفصل المنهج عن الفكر أو عن الرؤية أو النظر العقلي هي من قبيل فصل الشكل عن مضمونه، ذلك لأن المنهج ليس شيئاً مقحماً على الفكر من خارجه، بل هو روح الفكر وروح موضوعه، وهو بالضبط وحدة الذات والموضوع، وحدة الإنسان والعالم التي يمكن التعبير عنها بكلمة واحدة شعبية وفلسفية في الوقت ذاته هي العقل. ويمكن أن نقول: هو الروح الإنساني في نموه وانبساطه في التاريخ وفي العالم، بعيداً عن التعليم المدرسي الذي يفصل الروح عن المادة، وبعيداً عن المادية المبتذلة وعن اختزال الديالكتيك إلى بضعة "قوانين".

من هذه الزاوية لا تنفصل تأملات ماركس أو فلسفته عن تأملات هيرقليطس التي كانت تتمحور على أربع موضوعات أساسية هي:

1.        "الحرب"، أي الصراع والتناقض، أبو الأشياء كلها؛ "فالعلة في ميلاد الكائنات وبقائها صراع بين أضداد تتواجه وتتناحر، فيبقي كل منها على وجود الآخر . ومن يطلب، مع هوميروس، "انطفاء الشقاق بين البشر والآلهة" كمن يطلب دمار الكون. فهذا الصراع المخصب (التناقض) هو في الوقت نفسه تساوق وتناغم، لا بمعنى التناسب العددي البسيط كما لدى الفيثاغوريين، بل بمعنى الائتلاف بين قوى تفعل كل منها فعلها باتجاه معاكس لفعل الأخرى، مثلها مثل القوى التي تبقي وتر القوس مشدوداً" (قوى النبذ والجذب) .

2. "وحدة الموجودات طراً" فتلك هي الحقيقة العليا التي لا يلحظها العامي العاجز عن الانتباه إلى الأشياء التي يصادفها في طريقه". هذه الوحدة هي "الجوهر الأولي"، سوف نفصل الحديث فيها حين نتناول مفهوم المادة، بما هي المجرد إلى النهاية أو المجرد بامتياز بتعبير إنغلز. إن وحدة العالم تتقوَّم في ماديته.

3.        "الجريان الدائم للأشياء" إذ لا يمكنك أن تسبح في النهر نفسه مرتين؛ لأن مياهاً جديدة تغمرك باستمرار. والوجود غير قابل للانفصال عن هذه الحركة المتواصلة.

4. القيمة ملازمة للأشياء جميعاً، إنها "قلب يرينا في الأشياء نقيض ما نراه فيها لأول وهلة؛ فالوحل أثمن عند الخنزير من الماء الزلال، والتبن عند الحمير أنفس من التبر، وأعظم الناس حكمة وحصافة قرد بالقياس إلى الله، وماء البحر أنقى ماء وأوسخه، فهو للأسماك حياة وللبشر تهلكة" . وللقيمة علاقة وثيقة بالمنفعة من جهة وبالضرورة من جهة أخرى؛ ولذلك كان حكم القيمة الأخلاقي الذاتي ملازماً لحكم الواقع الموضوعي. وأحكام القيمة مفاتيح لتعرف سوية الوعي الاجتماعي لدى هذه الجماعة أو تلك، والوقوف على منظوماتها الأخلاقية. ما هو مقدس عند جماعة قد لا يكون كذلك عند جماعة أخرى، وما هو جميل في نظر الأولى قد يكون قبيحاً في نظر الأخرى.

هنا يمكن أن نستعير كلمات إنجلز للتعبير عن هذه الموضوعات المترابطة بإحكام، "وحدة العالم في ماديته" أي إن اختلاف الأشياء مركوز في أصلها الواحد ، المادة. ولا بقاء لها إلا بفضل هذه الوحدة، هذا الأصل القابل للتشكل إلى ما لا نهاية. وإنه لا مادة بلا حركة، ولا حركة بلا مادة. وهذا نصادفه عند كثير من الفلاسفة من هيرقليطس إلى ماركس. " الدائم أو الواحد والمتغير لا ينفي واحدهما الآخر. وإنما على العكس من ذلك تماماً؛ ففي التغير بالذات، وفي الشقاق بالذات، وإنما في تغير معتدل وفي شقاق مضبوط يكمن الواحد والدائم". ومن ثم، فإن قوام الحكمة هو اكتشاف الصيغة العامة (اللوغوس) لهذا التغير. ويلفت النظر أن الله كما تصوره هيرقليطس هو ما هية العالم. ووحدة الله في مستهل الفكر الإغريقي هي انعكاس لوحدة العالم. على أننا نرى تساوقاً واتصالاً بين موضوعات هيرقليطس ومقولات العدد والتناسب الفيثاغورية، (بغض النظر عن قشرتها الصوفية) وهما مما يشير إليه التغير المعتدل والشقاق المضبوط، بخلاف ما يذهب إليه برهييه. فكل ما جاوز حده ينقلب إلى ضده وفق المأثور الشعبي، وهو مأثور بالغ الدقة والعمق. وجدلي إذا شئتم.

العالم عند هيرقليطس، كما هو عند بروتاغوراس "لم يصنعه أي من الآلهة أو البشر". ولذلك نظر كل منهما بازدراء إلى الديانات الشعبية في عصره. بل إن حكمة هيرقليطس لا تنظر إلى العامي إلا بعين الازدراء، "وفي المقام الأول الازدراء بالديانة الشعبية وتقديس التماثيل. وعلى الأخص الازدراء بالعبادات السرية، الأورفية والديونيسية على حد سواء .. وازدراء بالمتاجرين بالأسرار ممن يغذون جهل البشر بالغيب. وناهيك عن ذلك، الازدراء بالنبيل الذي يولد في أسرة تتوارث لقب الملك توارثاً، والازدراء بالقصور السياسي للجمهور الذي لا يحجم عن طرد الأخيار من الحاضرة".  والإنسان في كوسمولوجيا هيرقليطس "كون أصغر"، وثمة صلة بين هذه الكوسمولوجيا والطب. و "كل شيء متشابه ما دام متبايناً، وكل شيء متماثل ما دام مختلفاً، وكل شيء مترابط ولا مترابط، وكل شيء عاقل ولا عاقل". ولسوف نرى كيف تنبسط هذه الموضوعات والمقولات ويعاد بناؤها مرة تلو مرة في سياقات مختلفة، مما يؤكد وحدة تاريخ الفلسفة وإيقاع تطورها الجدلي. ومن دون هذا الإيقاع وتلك الوحدة تظل أفكار ماركس وغيره من الفلاسفة معرضة لسوء الفهم، ولضروب من التأويل تخرجها من سياقها التاريخي وتنحو بها نحو نوع من ديانة شعبية تغذي جهل البشر بالغيب.

لم يكن زمن المخطوطات زمن نضال أيديولوجي فحسب، بل زمن ثورة فلسفية كان عمانويل كانط أحد أعلامها البارزين. "فقد أنشأ هاينريش هاينه في كتابه "مساهمة في تاريخ الدين والفلسفة في ألمانيا" (1843) مقارنة بين روبسبيير وكانط يقول فيها: "أنتم يافرنسيون، بالمقارنة معنا نحن الألمان، ناعمون ومعتدلون تماماً. إن فيلسوفنا كانط يبز كثيراً في الإرهابية روبسبييركم. أنتم في أقصى حد قطعتم رأس ملك. أما نقد العقل المحض فهو السيف الذي اغتال الألوهية" (10) لقد وضع كانط الإنسان في مركز كل فكر عقلاني وفي ذروته، فوضع بذلك أساساً نظرياً للحرية ولحقوق الشخص الإنساني؛ ونقل مركز ثقل المعرفة بصورة نهائية من السماء إلى الأرض. تلك الثورة الفلسفية حدثت في مناخ الثورة الفرنسية (1789) في ذلك الزمن الذي "وضع فيه العالم على رأسه" بتعبير هيغل، بمعنى أن الدماغ الإنساني والمبادئ التي اكتشفها فكره كانت تزعم أنها القاعدة لكل عمل ولكل اجتماع إنسانيين، وأن الواقع المناقض لمبادئ العقل قد قلب رأساً على عقب. ولا ندري ما إذا كان تطور ألمانيا اللاحق بشكليه العاصف والانسيابي يجيز لنا اليوم أن نفسر الثورة الفلسفية في ألمانيا بعجز الألمان عن مجاراة الفرنسيين في الثورة السياسية؛ من دون أن نعبأ بأثر هذه الثورة في في قهر تأخرها. ولا سيما أن المسألة الأساسية التي انطلقت منها تلك الثورة هي علاقة الإنسان بالعالم، علاقة الذات بالموضوع، علاقة الوعي بالوجود والفكر بالواقع، في وقت كان فيه تقدم العلم يؤكد يوماً بعد يوم أن العالم ليس مناقضاً للعقل، وليس عصياً عليه. وفي هذا الصدد قال فيخته: "إذا قبلت نظرية العلم وانتشرت في الكون برمته بين الذين تستهدف بلوغهم فإن النوع الإنساني سينعتق من المصادفة العمياء؛ ولن يبقى لحسن الطالع وسوئه من وجود. وستتولى البشرية بقيادة مفهومها أمر مصيرها؛ وتصنع من ذاتها بحرية مطلقة كل ما تريد أن تصنعه منها". (هامش ص 12)

لعل مفهوم الممارسة، البراكسيس، أي وحدة النظر والعمل، من أكثر المفاهيم التي لم يتوقف عندها الشراح والدارسون ملياً. الإنسان، في نظر ماركس كائن معرف بالعمل الواعي والهادف؛ العمل الذي بوساطته (أو بتوسطه بين الإنسان والعالم، أو لنقل: بين الفكر والواقع، أو بين الذات والموضوع) ينتج الإنسان ذاته في العالم وفي التاريخ الموضوعيين إلى النهاية، ويستعيد بوساطته أيضاً موضوعية العالم والتاريخ في ذاته وعياً متجاوزاً ذاته باطراد، وذلكم هو أهم معاني الحرية، التي هي، عند ماركس، "وعي الضرورة". بالعمل يتحرر الإنسان شيئاً فشيئاً من الضرورة العمياء. ومن ثم فإن الحرية هي مبدأ العمل وغايته, وهذه أهم ميزات العمل البشري. الذات تتموضع في العالم، والموضوع يتذوَّت. بعبارة أخرى: الذاتي يصير موضوعياً، والموضوعي يصير ذاتياً، الإنسان يتعلمن شيئاً فشيئاً، والعالم يتأنسن شيئاً فشيئاً. وما لا يقل عن ذلك أهمية أن للعمل البشري طابعاً اجتماعياً وبعداً إنسانياً، وهذان، الطابع الاجتماعي والبعد الإنساني، يضفيان على العمل البشري قيمة أخلاقية بصفته مسعى دائماً لا لتحرير الفرد العامل فقط، بل لتحرير المجتمع والإنسان. تحريرهما من الضرورة / الضرورات الطبيعية أولاً، ثم من الضرورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية مآلاً. بوسعنا أن نقول: إن العمل ينطوي على بذرة الديالكتيك، بقدر ما نعي أن العمل فكر متحقق، والفكر عمل قابل للتحقق على الصعيدين المادي والروحي على السواء. هذه البذرة تغدو، في ظل الملكية الخاصة، اغتراب المنتج عن ناتج عمله، ثم عن ذاته. فليس بوسعنا أن نجرد العمل من قيمته أو قيمه الأخلاقية إلا إذا افترضنا أن عمل الإنسان يشبه عمل الآلة الذكية.

العمل عند ماركس (في رأس المال، للذين يفصلون ماركس الشاب عن ماركس الناضج) عمل مجرد وعمل مشخص؛ العمل المجرد هو ميدان تساوي جميع أنواع العمل البشري وتماثلها، إذاً هو ميدان المساواة، لأن كل فرد يقوم بعمل نافع وضروري للآخرين. والعمل المشخص هو ميدان الاختلاف والتفاوت. لنلاحظ أن التفاوت والاختلاف مركوزان في المساواة والتماثل، وذلكم هو المغزى الإنساني الأعمق في فكر ماركس. المساواة والتماثل في العمل المجرد هما مساواة وتماثل في الحيثية الإنسانية، ثم في المواطنة. وهاتان: الإنسانية والمواطنة لا تقبلان التفاوت والتفاضل. العمل المشخص، الفردي دوماً، والاجتماعي بحكم الوعي والغاية، هو تعيُّن العمل المجرد. لنلاحظ أن المجرد يتعيَّن. وكذلك الماهية الإنسانية العامة، المجردة تتعين في جميع أفراد النوع على نحو متساو لا يقبل التفاوت والتمايز، إلا في ضوء القيم التي يضفيها المجتمع المعني على سلوك الأفراد، والمعايير الأخلاقية التي يضعها للحكم على سلوكهم، لا على ماهيتهم كما يفترض. على أن أساس هذه المعايير وتلك القيم، كما أفترض، هو تحول الأخلاق الذاتية إلى أخلاق موضوعية، وبالعكس. فالإنسان كائن أخلاقي أيضاً.

لو كان ممكناً أن نجرد العمل من بعده الأخلاقي لبات ممكناً فصل حكم القيمة عن حكم الواقع، ولرمينا جميع أحكام القيمة في سلة مهملات التاريخ الذي سيغدو حينئذ أقرب ما يكون إلى التاريخ الطبيعي "العلمي" إلى النهاية. وثمة فرق بين العلمي والموضوعي؛ العلمي مستغرق في الموضوعي ومستنفد فيه، والعكس غير صحيح، فأوهام البشر واقع موضوعي يفقأ العين. والأفكار الفاعلة في التاريخ لم تكن دوماً "علمية"؛ وبعضها إن لم نقل معظمها لم يكن صحيحاً إذا ما وزن بميزان "العقل الخالص". العقل كان موجوداً على الدوام، لكن البشر لم يكونوا عقلانيين على الدوام. هنا تحضر مقولة الاستلاب، بكل عمقها وشمولها؛ البشر ينتجون ذواتهم في العالم وفي التاريخ، كما هم في زمان ومكان محددين، وفي شروط معطاة، ويعيدون هذا الإنتاج إلى ما لا نهاية. وفي كل مرة يضعون أو يموضعون ذواتهم، فكرهم وأخلاقهم، في العالم (المجتمع والدولة) ويستعيدون موضوعيته في ذواتهم، وهكذا. مقولة الاستلاب من هذه الزاوية تضع مقولة التحسن والتقدم وفكرة التاريخ.

لا نغالي إذا قلنا: إن ماركس من كبار الإنسانويين، فقد وضع الإنسان في مركز منظومته الفلسفية، لا بوصف الإنسان الواقعي نقطة انطلاق فحسب، بل بوصفه هدفاً أيضاً وأساساً. فقط حين ينحى الإنسان من مركز منظومة ماركس، يمكن تأويلها استبدادياً، كما جرى في كثير من الأحيان.