في مساءلة الذات

ظاهرة الانشقاق ومساعي التوحيد في الأحزاب الأيديولوجية

 

جاد الكريم الجباعي

عرف جورج لوكاش الحزب تعريفاً كان له وقع طيب في النفوس، في مرحلة الصعود إلى السماء، بقوله: الحزب "شكل التوسط بين النظرية والممارسة"، ومن ثم فهو صورة مصغرة عن المجتمع الذي يتطلع إلى بنائه والنظام الذي ينشد إقامته. علاقاته الداخلية، أي علاقات أعضائه فيما بينهم وعلاقات هيئاته ومنظماته فيما بينها، صورة عن العلاقات الجديدة التي يفترض أن تحل محل العلاقات الاجتماعية التي يعارضها، وعلاقاته الخارجية، أي علاقاته بالأحزاب والتنظيمات الأخرى، وعلاقاته بالمجتمع والدولة، صورة عن علاقات الدولة، وعن علاقات السلطة السياسية التي سيكونها منفرداً أو متحالفاً مع غيره من الأحزاب. فضلاً عن كونه "الممثل الشرعي الوحيد" لهذه الطبقة الاجتماعية أو تلك. هذه الصورة النموذجية لحزب يتوفر على روح رسالية وإرادة ثورية، والتي عززتها "النظرية اللينينية في التنظيم"، وفكرة الحزب الحديدي المتجانس، كما تجلت في التجربتين الروسية والألمانية، حجبت حقيقة أن الحزب جزء من المجتمع الذي ينشأ فيه ويحمل جميع خصائصه، مثلما تحمل قطرة من ماء البحر جميع خصائص البحر، وأن تغيير الأفكار والعلاقات الاجتماعية وأنماط السلوك لا يتم بالسهولة واليسر اللذين تتصورهما الذات الثورية. وبقدر ما أرست تلك الصورة وهم أن السياسة فاعلية حزبية وممارسة "ثورية" فحسب، حجبت حقيقة أن السياسة فاعلية اجتماعية ومجتمعية يمارسها أفراد المجتمع بصور شتى مباشرة وغير مباشرة، بحسب موقع كل منهم في المجتمع وفي عملية الإنتاج الاجتماعي حيث يقوم بوظيفة ضرورية للآخرين، هي، في أحد أهم وجوهها وأكثرها خفاء، وظيفة سياسية. هذا التعارض بين المثال والواقع يضع تعارضاً مقابلاً بين الحزب الأيديولوجي والحزب السياسي، وهو التعارض الذي حكم الحياة السياسية في سورية، منذ نشوء ما أسميه الأحزاب الأيديولوجية، في النصف الأول من القرن العشرين. وأخص بالذكر الحزب الشيوعي السوري وحركة القوميين العرب والحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث العربي الاشتراكي وجماعة الأخوان المسلمين، التي تحمل جميعها خصائص الحزب الأيديولوجي الذي ينظر إلى الواقع بوجه عام وإلى المجتمع بوجه خاص على أنه مادة صلصالية أو موضوع مطاوع، أو ينبغي أن يكون كذلك، للذات "الثورية" وإرادتها "الطيبة".

يعتقد الحزب الأيديولوجي، منذ لحظة تأسيسه، بأنه يدشن تاريخاً جديداً هو بطله الوحيد، فيجبُّ ما قبله، ويلغي كل ما حوله ومن حوله؛ ويعيد إنتاج مقولة "الفرقة الناجية" المستقرة في اللاشعور الجمعي. فما أن يغدو اسمه "الحزب" أو "الحركة" أو "الجماعة" حتى يرتقي إلى مصاف المقدس، وتأخذ أيديولوجيته بالتصلب والانغلاق، ويغدو "خط الحزب" هو وحده السراط المستقيم. والخروج على خط الحزب أو المساس بقدسيته هي التهمة المقابلة للكفر والزندقة، أو لشق عصا الطاعة والخروج على الجماعة، وعقوبتها القتل بأي شكل من الأشكال. لعل الفارق النوعي الأهم بين الحزب السياسي والحزب الأيديولوجي أن الأول يقوم على مبدأ المشاركة في الدولة مشاركة تحدد نصيبه من السلطة السياسية بعدد ناخبيه ونسبتهم من مجموع المقترعين، والثاني يقوم على مبدأ الاستيلاء على الدولة واحتكار السلطة. تريد هذه التلميحات أن تشير إلى العنصر الشمولي الاستبدادي في الحزب الأيديولوجي، سواء في علاقاته الداخلية أو في علاقاته الخارجية. وهو العنصر الذي يقبع في أساس جميع الانشقاقات التي عرفتها الأحزاب في سورية. وكل بنية تراتبية تنطوي بالضرورة على مثل هذا العنصر، مما يجعل الديمقراطية ضرورية لتوازن العلاقات الاجتماعية والسياسية ونفي الحرب إلى خارج الحزب وإلى خارج "المدينة"، أي المجتمع والدولة، بل مما يجهل الديمقراطية ضرورية لنفي الحرب التي تخاض دوماً باسم السياسة أو على أنها سياسة، ونفي السياسة التي تمارس دوماً على أنها حرب. كما تريد أن تلقي ضوءاً كافياً على الأسباب العميقة للانشقاقات، وهي التي لخصها الجابري في مقولة "اللاشعور السياسي" الذي قوامه "العشيرة والعقيدة والغنيمة"، أي العصبية، والأيديولوجية، والثروة وما تستجلبه وتقتضيه من السلطة والقوة.

في حالة الأحزاب السياسية التي تقوم على مبدأ المشاركة، نحن إزاء حقل سياسي مشترك بين جميع قوى المجتمع، وفي حالة الأحزاب الأيديولوجية التي تقوم على مبدأ الاحتكار والإقصاء، نحن إزاء حقل سياسي مجزأ بالقوة، لا يلبث أن يغدو مجزأ بالفعل لدى أول احتكاك بين الأحزاب الأيديولوجية المختلفة والمتخالفة، أو لدى انشقاق أي منها ( وهو ما تؤكده تجربة حزب البعث في سورية والعراق، وتجربة الحزب الاشتراكي اليمني والتجربة الجزائرية وتجربة المنظمات الفلسطينية، وغيرها من التجارب المماثلة في الوطن العربي وفي العالم، ولا سيما التجربة السوفييتية وتجربة أوربة الشرقية). ومن ثم فإن وحدة الحقل السياسي أو المجال السياسي هي التعبير العياني عن وحدة المجتمع، ووحدة الدولة والمجتمع، ومن ثم وحدة الدولة، أو ما يطلق عليه اسم الوحدة الوطنية. والوحدة غير الوحدانية والواحدية. فليس ثمة وحدة وطنية فعلية في ظل تشظي المجال السياسي المجتمعي، أو تقليصه حتى يتطابق مع حدود الحزب الحاكم أو الحزب القائد، مهما بلغ عدد أعضائه ومؤيديه، إلا إذا تطابقت حدود الحزب مع حدود المجتمع، وفي هذه الحال يكف عن كونه حزباً. الجزئية صفة ثابتة وأساسية للحزب سياسياً كان أم أيديولوجياً، ونفي هذه الصفة ذاتياً هو جذر الاستبداد، لأن نفي الجزئية هو نفي الكلية والعكس صحيح. بيد أن نفي الكلية في أوضاعنا يتمفصل مع نزعة علموية، كانت ولا تزال في أساس "دولة العالم والإيمان" التي تقطع جميع صلاتها بالعلم بصفته نتاج رؤية فكرية روحية للعالم، وتحول من ثم دون اندماجه في حياة المجتمع، وتقطع في الوقت ذاته جميع صلاتها بالإيمان بصفته ضمير الشعب. دولة العلم والإيمان هذه هي المعادل السياسي للزواج الشرعي بين الحتمية العلموية والقدرية الغيبية، والمعادل الموضوعي للطلاق البائن بين السياسة والأخلاق. فما أن تتبنى الدولة عقيدة ما، دينية كانت هذه العقيدة أم مذهبية أم علمانية، حتى تبدو غريبة عن أتباع العقائد الأخرى؛ فإما أن يتخلى هؤلاء عن عقائدهم ليصبحوا أعضاء في الدولة، وهذا مستحيل، وإما أن تتخلى الدولة عن عقيدتها لتصبح دولة جميع مواطنيها. الشخص الطبيعي لا يتخلى عن معتقداته، أما الشخص الاعتباري فمن البديهي ألا تكون له أي عقيدة، ولا تنسب إليه عقيدة ما إلا على سبيل التعسف. إن دولة ظاهرها "علماني" وباطنها "ديني، معتقدي أو عقائدي، هي تناقض في ذاتها، وهذه حال دولة العلم والإيمان ذات العقيدة التلفيقية القائمة في الوطن العربي. وهنا لا نتحدث عن دولة قائمة بالفعل فحسب، بل عن صورة الدولة في "ذهن" الحزب الأيديولوجي. ولا فرق جوهرياً، من هذه الزاوية، بين الحزب الشيوعي وحزب الأخوان المسلمين. وفي اعتقادي أن دولة الحزب الواحد أو الحزب القائد هي أسوأ دولة دينية ممكنة. إن تصور الحزب عن نفسه وعن المجتمع والدولة هو البيئة الذهنية النفسية التي تنمو فيها الانشقاقات، لا لشيء إلا لتناقضها مع الحرية المتعارضة على طول الخط مع تصور ما عن وحدة الحزب، ومن ثم عن وحدة المجتمع والدولة، التي تهددها، وياللدهشة، حرية الرأي وواقعية التعدد والاختلاف. وحدة الحزب هي نفي التعدد والاختلاف، أي نفي موضوعية الواقع ومعقولية العالم، وكذلك وحدة المجتمع والدولة. وهذه مفارقة لافتة ومعروفة، إذ إن أكثر المنادين بالحرية حماسة يصبحون من ألد أعدائها، من دون أن يكفوا عن الزعم بأنهم دعاتها وحماتها.

بنية الحزب الأيديولوجي لا تفسر وحدها جميع أسباب انشقاق الأحزاب، في سورية، فثمة أسباب موضوعية هي في منزلة الأسباب اللازمة والكافية لهذه الظاهرة التي دفعت، عندنا، إلى حدها الأقصى. ويمكن القول بالتحليل الراجع، أن هذه الظاهرة ارتبطت بتراجع المشروع القومي الديمقراطي بدءاً من انفصال إقليمي الجمهورية العربية المتحدة، سورية ومصر، و"اغتيال جنين الدولة القومية" في الثامن والعشرين من أيلول 1961 . إذ بدأت أولى معالم انفصال الأحزاب الأيديولوجية عن الحركة الشعبية ذات النزوع الوحدوي. وفي اعتقادي، أن جميع الانشقاقات التي شهدناها ترجع إلى هذا الجذر، أعني انفصال الأحزاب عن الحركة الشعبية وصولاً إلى استغناء كل منهما عن الأخرى، حتى بتنا إزاء أحزاب لا تحظى بتأييد جزء مهم من عضويتها، وإزاء كتلة شعبية عازفة وغير مبالية بما يجري في الحقل السياسي الذي أخرجت منه. في هذا السياق برزت إشكالية موقف الحزب الشيوعي من المسألة القومية، ومن المسألة الديمقراطية بالتلازم، وإشكالية موقف حزب البعث العربي الاشتراكي من الديمقراطية، ومن الاشتراكية بالتلازم أيضاً. وهي مسائل لم تحسم بعد على الصعيد النظري. وبدءاً من الثامن والعشرين من أيلول 1961 غلب على "الحياة السياسية" منطق الصراع على السلطة، والذين لم يخوضوا الصراع على هذا الأساس أخرجوا، ثم خرجوا، من السلطة ومن عالم السياسة. الصراع على السلطة كان يتغذى من مخزون اللاشعور السياسي المتمحور على العشيرة والعقيدة والغنيمة؛ فأعيد إنتاج التقليد المملوكي / العثماني في الحقل السياسي، وتحولت كثرة الأحزاب المتوالدة بطريق الانقسام إلى كسور سياسية موازية للكسور الاجتماعية، وغدا مشروع الاندماج القومي في خبر كان.

على قاعدة انفصال سورية عن مصر، انقسم حزب البعث العربي الاشتراكي أربعة أقسام: القيادة القومية، والقطريين، والاشتراكيين العرب، والناصريين. وكان لهذا الانقسام أكبر الأثر في تشظي الحقل السياسي المجتمعي. ولم تفلح المؤتمرات القومية والقطرية في رأب الصدع، ولا سيما بعد أن استولى الحزب على السلطة، في الثامن من آذار 1963؛ لأن رأب الصدع كان يعني المشاركة في السلطة، وهذا مما لا يرغب فيه أحد من الأقوياء. ومن الأيام الأولى لاستيلاء الحزب على السلطة كانت السلطة الفعلية للجناح العسكري الذي لم تكن القيادة المدنية تعرف عنه شيئاً. وقد تعززت سلطة الجناح العسكري بتنظيرات يسارية حول الجيش العقائدي، والدور الطليعي للجيوش في العالم الثالث، وما إلى ذلك من تنظيرات لم يتراجع عنها أصحابها فحسب، بل ربما ندموا عليها. وما يؤكد ذلك أن كلاً من حركة 23 شباط 1966 والحركة التصحيحية 16 تشرين الثاني 1970 كانت ذات طابع عسكري بصورة رئيسية. ويمكن القول: إن عسكرة الحياة السياسية بدأت بالفعل عام 1961 ، واستمرت إلى يومنا. فعلى الرغم من الطابع الليبرالي الذي حاول الانفصاليون إضفاءه على الدولة، كانت السلطة الفعلية للقيادة العسكرية، بحسب ما ورد في مذكرات عبد السلام العجيلي، وهو من الثقات. عسكرة السياسة هي السمة المشتركة بين جميع "الدول" التي قامت على المشروعية الثورية، وهو ما جعل السياسة تمارس في هذه الدول على أنها حرب. الجيش الذي كان ذات يوم قوة تحسم الصراع بين الأحزاب المتنافسة غدا القوة "السياسية" الوحيدة في هذه الدول. وتجدر الإشارة هنا إلى أن عدد البعثيين المدنيين في سورية لم يكن يزيد على أربعمئة عضو غداة "ثورة الثامن من آذار 1963 . بل إن الأستاذ أنطون مقدسي، وهو من الرعيل الأول من البعثيين، ذكر في رسالة وجهها إلى السيد رئيس الجمهورية، أن عددهم، عشية ثورة الثامن من آذار، لم يكن يزيد على ثمانين يعرف معظمهم معرفة شخصية.

أظن أن انشقاق الحزب الشيوعي السوري تأخر بضع سنوات عن موعد انشقاق حزب البعث العربي الاشتراكي، لأسباب أساسية يرجع بعضها إلى قوة النفوذ السوفيتي في الحزب، وبعضها الآخر إلى هامشية الحزب في المجتمع، خاصة بعد وقوفه في صف الانفصال، وإلى تراجع دوره في الحياة السياسية؛ إذ تقلصت فرص المشاركة حتى اضمحلت أو كادت تضمحل، ولم يعد أمام الحزب من مسائل عملية سوى مسألة الموقف من سلطة حزب البعث العربي الاشتراكي الذي تبنى، بعد المؤتمر القومي السادس (1963)، خطاباً يسارياً قوامه الاشتراكية العلمية والديمقراطية الشعبية. ومع ذلك نشأ الخلاف على الأرضية ذاتها التي نشأ عليها انشقاق حزب البعث، أعني انفصال سورية عن مصر الذي استقدم هزيمة الخامس من حزيران 1967 ، وكان يدور، بصورة رئيسية، حول الموقف من الوحدة العربية، ومن الصراع العربي الإسرائيلي، والموقف من الديمقراطية، واستقلال الحزب عن المركز السوفييتي، وسائر الخلافات الأخرى تابعة. وما يؤكد ذلك أن أكثرية الحزب ولجنته المركزية وكل مكتبه السياسي باستثناء الأمين العام المرحوم خالد بكداش، كانت مع "البرنامج السياسي" الذي غدا اسمه علماً على الجناح الذي قادة الأستاذ رياض الترك، والذي عرف باسم "جماعة البرنامج" ثم باسم "الحزب الشيوعي السوري، المكتب السياسي"، ثم "جماعة رياض الترك".

باستثناء انشقاقات حزب البعث المتتالية منذ عام 1961 حتى عام 1970 ، وانشقاق الحزب الشيوعي بين عامي 1969 و1972 ، كانت الانشقاقات الأخرى في سائر الأحزاب، وكذلك الانشقاقات المتتالية في الحزبين الشيوعيين، تجري في فراغ الحياة السياسية وخوائها. فقد أخرجت جميع الأحزاب، وخرجت من دائرة الفعل إلى دائرة الانفعال. وفي هذه الدائرة، دائرة الانفعال لم تتوقف حركة الانشقاق حتى يومنا؛ إذ شهدنا في هذا العام 2001 انشقاق الدكتور قدري جميل عن حزب السيدة وصال فرحة بكداش، وانشقاق حركة الاشتراكيين العرب. والمؤسف أن الأحزاب التي عانت من الآثار السلبية للانشقاق لم تقم إلى اليوم بدراسة هذه الظاهرة للوقوف على أسبابها الفعلية، خاصة تلك التي تتعلق ببنية الحزب الأيديولوجي؛ وكل ما كتبته هذه الأحزاب وكل ما قالته كان يندرج في السجال الرامي إلى تبرئة الذات وإدانة الخصم. ويلفت النظر أنه ما من انشقاق في أي حزب من الأحزاب إلا تمسك باسم الحزب وبأيديولوجيته، وادعى الشرعية لنفسه وحجبها عن الآخرين. فنشبت حرب البيانات والبيانات المضادة من أجل مشروعية أيديولوجية تخلى عنها الجميع فيما بعد جزئياً أو كلياً.

تحت جميع السجالات والاتهامات المتبادلة والحجج التي تستعير لبوساً فكرياً وسياسياً وأخلاقياً، كان هناك رغبة مشتركة في الانشقاق وتواطؤ ضمني عليه، فكنيسة الحزب تضيق ذرعاً بالهراطقة والمحرِّفين، أو التحريفيين، وهؤلاء يضيقون ذرعاً بما كان كنيستهم التي تحول دون نشوء كنيسة جديدة وإكليروس جديد. كلاهما يرغب أشد الرغبة في التخلص من الآخر والاستقلال عنه والتبرؤ منه. في كنف هذه الرغبة المشتركة تتحول القضايا الثانوية إلى قضايا أساسية يتوقف عليها مصير الحزب، ومصير وحدته الصخرية. وشيئاً فشيئاً كان يتشكل حزبان داخل الحزب الواحد وتشتغل آليات الانشقاق والشقاق، وهي آليات مركبة تتداخل فيها مختلف أنواع الولاءات والتحيزات، وبعضها لا يمت بصلة إلى عالم السياسة إلا بصفتها حرباً، أو بصفتها فن إنتاج الخصومات وإدارتها.

على صعيد آخر، عبرت ظاهرة الانشقاق عن أزمة الفكر السياسي، وكشفت عن معاضلاته ومفارقاته، وتجلى ذلك في الأهداف الثورية والمناهج التقليدية حيناً، وفي المناهج "الثورية" والأهداف المحافظة حيناً آخر. ولا تزال السمة العامة "للحركة السياسية"، إذا كان ثمة من حركة، تتأرجح بين ثورية سياسية لفظية، ومحافظة أيديولوجية واجتماعية فعلية. على هذا الصعيد تتكثف إشكاليات الأيديولوجية العربية المعاصرة التي رصدها ببراعة غير مسبوقة المفكر النقدي عبد الله العروي. فالشيخ و"الليبرالي" وداعية العلم والتقانة ثلاثة وجوه لحقيقة واحدة هي تأخر الوعي والفكر، أو ثلاثة وجوه لحقيقة واحدة هي الاستلاب في إهابه السلفي حيناً والاغترابي حيناً آخر. وذلكم هو حصاد أكثر من نصف قرن من تجربة الحزب الأيديولوجي.

تركت ظاهرة الانشقاق آثاراً سلبية واضحة، في الحياة العامة، يمكن إجمالها في ما يلي:

1. انقطاع الصلة بين المجتمع وما يفترض أنه تمثيلاته السياسية؛ إذ غدت جميع الأحزاب الأيديولوجية، وليس في البلاد اليوم سوى أحزاب أيديولوجية، أشكالاً متناقضة مع مضمونها، واستلاباً لفاعلية المجتمع السياسية؛ أي إن كل واحد منها غدا تناقضاً في ذاته بين الشكل السياسي والمضمون الاجتماعي. وفي بؤرة هذا التناقض الذي بلغ ذروته في دولة الحزب الواحد والحزب القائد تقع المسألة الديمقراطية المفوتة. وكان لتفويت المسألة الديمقراطية أثر حاسم في ما انتهت إليه الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والأخلاقية التي باتت معروفة للجميع.

2. تشظي المجال السياسي المجتمعي، لا بحسب الكسور السياسية فحسب، بل بحسب الكسور الاجتماعية. فما نشهده من تراجع وسطي الوعي الاجتماعي إلى مستوى ما قبل قومي يؤكد قضية "الخوف من الحرية" التي كانت في أساس إعادة إنتاج العلاقات ما قبل القومية في الحقل السياسي. وقد تجلى الخوف من الحرية في موقف "النخبة" الحاكمة وبطانتها من مقولتي المجتمع المدني، بصفته فضاء الحرية، والدولة الوطنية، بصفتها دولة الحق والقانون لجميع مواطنيها بلا استثناء ولا تمييز.

3. اختلال العلاقة بين الفكر والأخلاق والسياسة اختلالاً يتجلى لا في تخفيض الفكر الحر واختزاله إلى أيديولوجية مغلقة على مسبقاتها وحقائقها الناجزة والنهائية فحسب، بل في غلبة المصالح الشخصية والمصالح الخاصة على المصلحة العامة، على جميع الصعد. وفي احتكار الحقيقة، واحتكار ذروة المشروعية العليا، بتعبير محمد أركون، واستعادة مبدأ التفويض الإلهي للأمناء العامين. البنى الأيديولوجية بوجه عام بنى طاردة للفكر الحر، تتوجس من النقد، ولا تقبل منه سوى ما تسميه "النقد البناء"، وما أدراك ما النقد البناء، وما شرعنة النفاق.

4. اختلال العلاقة بين السلطة والمعارضة على نحو عصف بمفهوم الوحدة الجدلية بينهما، على صعيد كل حزب بمفرده من جهة، وعلى صعيد الحياة السياسية العامة من جهة أخرى. فليس للمعارضة من مكان سوى خارج الحزب، وخارج الحياة السياسية. ولذلك حلت علاقات التبعية والولاء محل علاقات العضوية والمواطنة التي تعني المشاركة والمسؤولية. والتبعية والولاء من أبرز قسمات السيماء المملوكية للسياسة.

5. خروج جميع الأحزاب، بما في ذلك حزب البعث العربي الاشتراكي الذي نصب نفسه قائداً للدولة والمجتمع، من دائرة الفعل إلى دائرة الانفعال. وفي دائرة الانفعال أعيد إنتاج تقليد سياسي وسطوي قوامه التأييد السلبي والمعارضة السلبية، إزاء اجتماع الرأي والسيف في يد واحدة.

6. عمقت الانشقاقات المتتالية الطابع الشمولي للبنى الأيديولوجية والتنظيمية المغلقة، ذلك الطابع الذي يتجلى في وهم التمامية والكمال الذي يلابس جميع البنى الأيديولوجية المحددة بذاتها والمكتفية بذاتها، والتي تخلو أو تكاد من أي ارتسام واقعي، أي عقلاني، للآخر في بنيتها. وهذا ما يفسر الصراع على المشروعية الأيديولوجية. ويمكن القول: إن الصورة السلبية الوهمية للآخر في البنية الأيديولوجية هي صورتها الفعلية. ولذلك كانت الدعوة إلى الحوار، ولا تزال، تهدف إلى وضع حد لأوهام كل منا عن نفسه وعن الآخر. أو لنقل إنها كانت ولا تزال تهدف إلى إقامة الحد على الأوهام، وفي مقدمها وهم التمامية والكمال.

7.        تضافرت هذه العوامل مجتمعة في تعميق الهوة بين الصورة الوهمية لـ "الرفيق" و"المناضل" والصورة الفعلية للمواطن. فطغت معايير الصورة الوهمية للرفيق على نظرة الأحزاب الأيديولوجية للمواطن الذي لا يستحق شرف المواطنة إلا إذا صار رفيقاً. فمن ليس معنا هو العدو الموضوعي. وفي ضوء هذه المعايير ُينظر إلى الحقوق المدنية والحريات الأساسية. ويمكن القول: إن الرغبة في الحصول على الامتيازات كانت أحد العوامل الخفية أو المضمرة للانشقاق. فقد تواطأت الأحزاب الأيديولوجية، بلا استثناء، على إحلال الامتيازات محل الحقوق، وإحلال قيم التبعية والولاء محل قيم المواطنة.

8. ولما كانت ظاهرة الانشقاق مظهراً من مظاهر أزمة المجتمع، وأزمة مجاله السياسي خاصة، فقد جعلت هذه الظاهرة من الأحزاب جزءاً من أزمة المجتمع لا حلاً لها. وجذر هذه الأزمة هو انقطاع العلاقة بين المجتمع ومجاله السياسي، وتحول الأحزاب من جراء ذلك إلى مظهر من مظاهر استلاب فاعلية المجتمع السياسية، وخروجها من ثم من دائرة الفعل إلى دائرة الانفعال. لذلك فإن محاولة تلزيق بعض الكسور السياسية، كما حدث في المؤتمر التوحيدي للحزب الشيوعي السوري، جناح الأستاذ يوسف فيصل، لا يحل المشكلة، ما لم يذهب إلى جذورها، ولا يبدو لنا ذلك قريب المنال. إن جمع الأصفار لا يمكن أن يساوي إلا صفراً، وكذلك تقسيمها وضربها وطرحها. إن معظم الانشقاقات كانت من قبيل تقسيم الأصفار، والعملية المعاكسة تقع في المجال ذاته، مجال اللانهاية الزائفة، كما تبدو في جمع الأعداد الطبيعية المجردة وطرحها، وعلة ذلك انقطاع الكم عن الكيف. ومن هذه الزاوية لا يفيد حزب البعث العربي الاشتراكي، قائد الدولة والمجتمع وقائد الجبهة الوطنية التقدمية تضخم الكم، ولا يضير غيره من الأحزاب تقلص الكم، فاللانهاية الزائفة الموجبة مثل اللانهاية الزائفة السالبة. ما دام الجميع خارج السياسة.

يقول المناطقة: إن المقدمات تظهر في النتائج، وإن الأسباب والعوامل الكثيرة، المباشرة منها وغير المباشرة، التي تنجم عنها الظاهرة تظل متخفية في ثنايا الظاهرة الناتجة وقيعانها، أي إنها تصير إلى نتائج أو تصير في النتائج. ولذلك تكون الظاهرة معقدة وذات وجوه عدة ومستويات عدة. فجذور معظم المشكلات التي تعاني منها سورية اليوم ترجع إلى بدايات ما يسمى "المرحلة الثورية" التي تستحق النقد، بكل نجاحاتها وإخفاقاتها. وللنجاح مشكلاته أيضاً. ومن هنا كان نقد تجربة العقود الأربعة الماضية خاصة مدخلاً ضرورياً لتعرُّف الواقع واستشراف آفاق المستقبل، بشرط أن ينظر من يمارس النقد إلى هذه التجربة على أنها تجربة المجتمع كله، لا تجربة هذا الحزب أو ذاك وحده، ومن ثم يغدو النقد نوعاً من مساءلة المجتمع لذاته، لا إدانة هذا الفريق أو ذاك، هذا الحزب أو ذاك؛ فللماضي قيمة تفسيرية فحسب؛ والسياسة في التحليل الأخير إنتاج اجتماعي ومجتمعي، فليس بوسع مجتمع معين أن ينتج في حقله السياسي سوى ذاته الفعلية، أي حقيقته الاجتماعية والثقافية. ولكن وهم التمامية والكمال لا يزال حجاباً كتيماً يحول دون رؤية الواقع كما هو، ويغري أصحابه بكل من تسول له نفسه الدنيئة أن يسمي الأشياء بأسمائها. ولله در القائل: جميع الفنون أنتجت روائع، إلا السياسة، بصفتها فن إدارة البشر والأشياء، فقد أنتجت مسوخاً. والاستثناء يؤكد القاعدة.

 

دمشق 17/11/2001

جاد الكريم الجباعي

دمشق، تيليفاكس  00963 11 6711599

Email  jebaae@scs-net.org