مواطنون .. ورعايا

 

جاد الكريم الجباعي

   شهد الخطاب السياسي العربي، في العقد الأخير من القرن العشرين تحولاً أو انزياحاً من حقل "الثورة" القومية أو الإسلامية أو الاشتراكية إلى حقل الديمقراطية التي بدت للكثيرين بلسماً لجراح الأمة، ومخرجاً وحيداً مما تعانيه من مشكلات. فقد أطلق التاريخ حكمه القاسي على الثورة، بسقوط تجارب "الاشتراكية المحققة"، في الاتحاد السوفيتي ودول أوربة الشرقية. ورأى كثيرون أن غياب الديمقراطية عن تلك التجارب هو علة سقوطها الوحيدة، فحلت الديمقراطية في الخطاب السياسي محل الثورة، كأن تغيير الأفكار وحده يفضي إلى تغيير الواقع. وكأن العيب كان في الأفكار ذاتها لا في علاقتها بحاجات الواقع؛ فظل المجتمع المراد تغييره في منأى عن الشك والنقد. وعرفت الديمقراطية تعريفاً نهائياً بأنها حكم الشعب، كأن الشعب الذي سيحكم نفسه بنفسه مقولة بديهية، وكأن تأخره التاريخي الذي يقبع في أساس جميع بلاياه شيء يمكن تجاوزه ذاتياً. فانحل الواقع مرة أخرى في الأفكار الديمقراطية التي ستلتبس هذه المرة بدعوة الليبرالية الجديدة، أيديولوجية العولمة الاقتصادية والرأسمالية المتوحشة. لذلك بات من الضروري نقد الأفكار والمفاهيم، والتحرر من سحر الكلمات. فقبل الحديث عن الديمقراطية بصفتها "حكم الشعب"، وقبل الحديث عن حرية الفرد وحقوق الإنسان، وعن مفهوم الوطن والمواطن، وعن مفاهيم التمثيل والانتخاب، والمشاركة الإيجابية، والشرعية، والسيادة الشعبية، أو عن مشروعية المعارضة وحق الاختلاف، أو عن سلطة الأكثرية وضمانات الأقلية، أو عن الإنسية والعقلانية والعلمانية والمجتمع المدني والدولة الوطنية/ القومية، وعن حرية الآخر، وغيرها مما يقع في الحقل الدلالي للديمقراطية؛ لا بد من تحديد سائر الدلالات والقيم التي ينطوي عليها ركنا الديمقراطية الأساسيين: الشعب والحكم. ففي مسألة الديمقراطية، كما في غيرها من المسائل، إنما نتعامل مع مفاهيم وكليات ومقولات تحيل على واقع قائم، أو على ممكن ومحتمل وواجب. فالمعرفة طريق مبدؤها الكلمة وغايتها الواقع، لإنشاء صورة الواقع في الذهن مقدمةً لازمةً للعمل في سبيل التأثير فيه وتغيير أشكاله؛ فإن غاية ما يستطيعه الإنسان هو تغيير الأشكال والصيغ والعلاقات. ليس بوسع البشر أن يضيفوا إلى عالمهم عنصراً أو ينقصوا منه عنصراً؛ بل إن غاية ما يستطيعونه هو تغيير العلاقات والأشكال. ومقولة الشعب تقع تحت مقولة الشكل والتشكُّل، وتحت مقولة الشغل، والإنتاج الاجتماعي، ومن ثم تحت مقولة السياسة بما هي الشيء العام المشترك بين جميع المواطنين وجميع الفئات الاجتماعية.

 مفهوم الشعب، بصفته مفهوماً يدل على واقع أو يسمي واقعاً قائماً بالقوة أو بالفعل، هو مفهوم سياسيي يحيل على كينونة اجتماعية، ويتخطى مفهوم المجتمع والمجتمع المدني، أو يتجاوزهما جدلياً، أي إنه يحمل مفهوم المجتمع المدني بوصفه أساسه ومحتواه، ويعيد إنتاجه سياسياً، أو في المجال السياسي؛ أو لنقل: إنه الصيغة السياسية للمجتمع المدني؛ لأن الانقسام الذي يسم المجتمع المدني، بوصفه منظومة الحاجات، ويلازمه، يتحول في المستوى السياسي إلى وحدة، تعبر عنها الدولة، وسلطتها السياسية. ولأن التعارضات الملازمة للكينونة الاجتماعية، والناجمة عن شكل الملكية ونمط تقسيم العمل وتوزيع الثروة تتحول إلى مساواة سياسية أمام القانون، وتعبر عن نفسها في مؤسسات المجتمع المدني كالاتحادات والجمعيات والنقابات والأحزاب بصيغة سياسية تستمد شكلها ومضمونها من السياسة ذاتها بالمعنى الذي سبق ذكره. مؤسسات المجتمع المدني هي الأطر الحديثة التي تجري في نطاقها التعارضات الاجتماعية متخذة صيغة سياسية سلمية ومدنية، فهي ضرب من ترقي التحديدات الفردية والفئوية إلى مستوى تحديدات ذاتية للمجتمع، أو تحديدات ذاتية ذات طابع كلي، أو لنقل إنها تعبير عياني عن ارتقاء الأفراد والفئات والطبقات الاجتماعية إلى مستوى الكلية المجتمعية المفتوحة على الكلية الإنسانية الكونية، وعلى معقولية العالم.

وصيرورة التعارضات الملازمة للكينونة الاجتماعية، والتي تعتمل في قاع المجتمع، تعارضاتٍ سياسيةً يعني تخلصها تدريجاً من طابعها الفردي، أولاً، ومن نزعة الاستئثار والاستحواذ الحصرية المناقضة للنقص والاحتياج الملازمين للأفراد والفئات الاجتماعية على السواء، ثانياً؛ فالسياسة هي التي تحول المصالح  والأهداف الفردية إلى مصالح وأهداف جماعية واجتماعية ومجتمعية. وليس في المجتمع والدولة شيء ليس موجوداً في الفرد؛ لذلك يصح القول: إن المجتمع هو الإنسان وقد صار موضوعياً، ومن ثم، فإن الشعب هو هذا الإنسان الموضوعي في  صيغته السياسية. الشعب هو مضمون السياسة، بقدر ما تكون هذه الأخيرة ملبية لمطالب العقل وحاجات الإنسان الجذرية، أي بقدر ما تكون تجسيداً للحق والقانون والحرية.

يتحدث بعض المثقفين العرب، محقين، عن جنينية المجتمع المدني، عندنا، أوعن ضموره وضعفه، وربما يذهب بعضهم إلى القول بعدم وجوده، فإذا كان مثل هذا الحديث مقارباً للواقع، لا يمكن الحديث عن الشعب كأنه حقيقة قائمة وبديهية ونهائية، بل يمكن الحديث عن "أمة"، بالمعنى التقليدي، وعن رعية، وعن جماعات مغلقة ومتحاجزة. في حين يسهب الخطاب السياسي في الحديث عنه كأنه حقيقة ناجزة. هذه المفارقة التي تشير إلى شقاء الوعي واغترابه، هي نتيجة منطقية للبدء في كل شيء من النهاية، أو مما بعد البداية. فالأحاديث المسهبة عن الشعب، ونزعة تقديس "الجماهير" و"الطبقات الكادحة"، لا تعبر في خطاب بعضهم سوى عن نزعة شعبوية وسمت ولا تزال الدول والأحزاب ذات النمط الشمولي الملتبس بالتقليد المملوكي العثماني. ولا يشك المرء في أن صورة الشعب  في وعي هذه الدول والأحزاب لا تختلف عن صورته في وعي القوى التي تعارضها، كما يشي  بذلك خطابها الأيديولوجي والسياسي، وممارستها العملية. الشعب، في وعي السلطات والمعارضات، هو العامة والدهماء والغوغاء والرعاع والجماهير التي تصفق لكل طالع وتشتم كل نازل وتسبح بحمد السلطان. وهو صولجان الحاكم وسيف المعارضة، تشهره على الشعب ما أن تتمكن من اغتصاب السلطة، وتشرع في نهب الشعب وقتل روحه باسم الشعب. والأرجح أن صورة الشعب في وعي معظم المثقفين مستمدة من ثقافة أنتجت في مكان آخر غير الوطن العربي، وفي زمان غير زمانه الثقافي، وليس من الكينونة الاجتماعية القائمة في زماننا ومكاننا، هنا والآن. فمفهوم الشعب، ومثله مفهوم الأمة عند القوميين والإسلاميين على السواء، لايحيل على واقع اجتماعي سياسي قائم بالفعل، لا يحيل على كينونة متعيِّنة، بل يحيل بالأحرى على صورة ذهنية لسديم بشري متجانس، لا يريد سوى ما يريد المتحدث باسمه أو نيابة عنه، ولا يرى إلا ما يراه ولا يعتقد إلا بما يعتقده.

   الشعب ليس مقولة بديهية، ولا واقعاً ناجزاً، بل هو ناتج تطور تاريخي وارتقاء من التشظي والتحاجز والتنافس والتناحر إلى الوحدة، ناتج تطور الفرد الطبيعي إلى كائن اجتماعي، ومن ثم إلى مواطن، وناتج تطور الجماعة البشرية إلى مجتمع، ومن ثم إلى مجتمع مدني، ومجتمع سياسي، وليس بالسلاسة التي قد نتوهم. وهو ناتج نمو الروح الإنساني والنزوع إلى الكلية في الفرد والجماعة. و تعبير عن نمو الحرية والمساواة في المجتمع المدني الصائر مجتمعاً سياسياً، و عن انبساط الروح الإنساني واندراجه في مؤسسات تقوم على مبدأ حرية الفرد وحقوق الإنسان، لتغدو هذه المؤسسات إنساناً مموضعاً. فهو نقيض مبدأ التبعية الذي كان يسم النظم الإقطاعية ولا يزال يسم النظم العبودية المعاصرة.

 قوام الشعب كما يدل مفهومه، في سياق تعريف الديمقراطية بأنها حكم الشعب، هو المواطنون الأحرار المتساوون أمام القانون، والذين لكل منهم وظيفة سياسية بصفته عضواً في الدولة التي هي دولة جميع مواطنيها الأحرار. هذه الوظيفة السياسية ملازمة لموقع الفرد في المجتمع ولدوره في عملية الإنتاج الاجتماعي. ذلك لأن كل فرد يقوم بوظيفة ضرورية للآخرين أو بعمل ضروري لهم، والتبطل والتطفل هما الاستثناء؛ وإلا فلا معنى للسياسة غير المعنى السلطاني المستقر في لا شعورنا السياسي؛ إذ لا يعدو مفهومها معنى الولاية على البشر. أو "فن إدارة البشر والأشياء"، ولا فرق هنا بين البشر والأشياء. 

   لم يكن الفيلسوف اليوناني أرسطو قادراً على إلغاء العبودية في العالم اليوناني، ولكنه كان قادراً على فهمها، وأبدع في ذلك أيما إبداع. فالعبد عنده هو جسد سيده، والسيد هو روح العبد. "كل الذين لا يستطيعون أن يقدموا لنا غير نتاج أجسامهم وأطرافهم هم من المحكومين بنظام الرق، بحكم الطبيعة، ومن الأفضل لهم أن يقدموا خدماتهم من أن يتركوا لشأنهم. وبكلمة موجزة، العبد هو من ضعف روحه، وقلت حيلته، فأصبح تابعاً لغيره." ( أرسطو)

   بوسع المرء أن يرى في قول أرسطو هذا بياناً في الحرية، لا تسويغاً  للعبودية. مع أن العبودية مرحلة متقدمة، وتقدمية، في تاريخ تطور البشر، ومن حق أرسطو أن يسوغها في عصره وزمانه. وها نحن نسوغها بمنطق التاريخ، على ما في هذا التسويغ من قلة حياء. أجل، العبد هو من ضعف روحه وقلت حيلته وأتبع نفسه لغيره. لقد وضع أرسطو الحد بين العبد والحر، بين العبيد والأحرار؛ فأخرج العبيد من نطاق الشعب، ومن عالم الدولة، بل من عالم السياسة، وقصرهما على الأحرار؛ لتغدو الدولة دولة الأحرار، والسياسة شأناً من شؤونهم. وجعل من الحرية حداً يحد العبودية ويحد منها، بقدر ما جعل من العبودية حداً يحد الحرية ويحد منها. وتبين لنا جدلية السيد والعبد؛ إذ السيد عبد لعبده، بحكم حاجته إليه، نسبية العبودية ومطلقية الحرية. الحرية مطلق يحد العبودية ويحد منها. بل إن المطلق (الحرية) والنسبي (العبودية) حدان كل منهما للآخر، وهما بالقدر نفسه ضروريان كل منهما للآخر، وواقعيان، بحكم علاقة التناسب العكسي القائمة دوماً بينهما: كلما نمت الحرية تقلصت العبودية؛ وإن سعي البشر إلى الحرية هو سعيهم إلى تقليص العبودية والحد منها باطراد، إلى ما شاء الله. الإنسان عبد الضرورة العمياء، حتى يعيها، والضرورة ضرورات. والحرية من هذه الزاوية هي وعي الضرورة أولاً وأساساً. والضرورات التي يعيها الإنسان تباعاً تغدو قوانين الطبيعة، وحدود الأشياء والظاهرات، ومنطق الواقع أو منطق التاريخ، ولا فرق. منطقياً وتاريخياً وروحياً وأخلاقياً، الحرية المطلقة عبودية مطلقة. ليس بوسع البشر تغيير قوانين الطبيعة، أو منطق التاريخ، لكن بوسعهم أن يتعرفوها ويفهموها ويعوها، ويعملوا بمقتضاها؛ وهذان المعرفة والعمل هما قوام الحرية التي ستظل محدودة بالضرورة والضرورات العمياء من جهة، وبالقوانين التي يتعرفها البشر أو يضعونها لأنفسهم من جهة أخرى. إن مبدأ التقانة، على سبيل المثال هو: "لكي تطيعنا الطبيعة يجب أن نطيعها". وذلكم هو أهم معاني العقلانية.

 التابع، الإمَّعة، والتابعة، بالطبع، جسد بلا روح ولا عقل ولا ضمير ولا عاطفة ولا دين؛ لأن العقل والضمير والعاطفة والدين كلها مجالات الروح وتجلياته؛ فمن ضعف روحه ضعف عقله، واعتل ضميره، وضعف دينه، وجفت عاطفته، أو تحولت إلى غريزة خالصة، وغدا قابلاً لارتكاب جميع الموبقات. والسيد المتبوع عبد تابع بالضرورة، بحكم منطق الواقع وجدلية القهر ووحدة  السيد والعبد. وثَمّ فرق بين العقل والذكاء، وبين العاطفة والغريزة، وبين الدين والشعائر والطقوس والتقاليد.

   مفهوم الشعب يتضمن الحرية والاستقلال والمساواة، أو تقليص  العبودية أو استلاب الروح الإنساني، وينطوي على تطلع دائم وسعي حثيث إلى حذفهما، بقدر ما يتضمن معنى القانون والمسؤولية الفردية. أي إنه يتضمن الذاتية على صعيد الفرد والجماعة، والذاتية هي الاستقلال والحرية. وهي شعور عميق وأصيل بالكرامة الإنسانية. هي احترام الذات ووعي ماهيتها، والإيمان بقدراتها الخلاقة. هي معرفة الذات، الـ "أنا"، ومعرفة "الآخر"، وشرط كل معرفة، ولا سيما معرفة الله، وهي مقدرة على الحياة والحب والإبداع. والعبودية بنت نظام كان لزاماً على الضعفاء فيه أن يدفعوا حريتهم مقابل حياتهم، والحرية هي قوام الروح الإنساني. العبودية هي ازدراء الروح الإنساني وإزهاقه، وهي في أيامنا تشييء الإنسان وعبادة المال والقوة. العبودية بنت الحرب، والحرية بنت السياسة، والحرب والسياسة ضدان، خلافاً لرأي كلاوزوفيتس وجميع منظري القوة البهيمية الهمجية الغاشمة وجميع قادة الجيوش وجنرالات الحرب وأبطال التاريخ الزائفيـن وتاريخ "الأبطال" الزائف.

 ويتضمن مفهوم الشعب، بصفته مفهوماً سياسياً، معنى السلام والمحبة و"نفي الحرب خارج المدينة"، أي خارج المجتمع والدولة، وخارج المدنية، على الرغم من التعارضات الاجتماعية السياسية التي هي محرك التاريخ؛ فالسياسة لا تنفي هذه التعارضات، ولكنها تنفي أساليبها الهمجية، وتستبدل بها أساليب تتفق وروح الإنسان المتمدن. السياسة تحول التنافس إلى تضامن وتكافل وتآزر، والتعارض إلى ديالكتيك يفضي إلى وحدة المتعارضات التي لا تقوم أي منها بغير نقيضها. السياسة والديالكتيك صنوان. والديالكتيك هو منطق السلم الاجتماعي والسلام الإنساني وتصالح الإنسان مع ذاته ومع الطبيعة، ومع العالم. وفي هذا  تكمن قيمته ومضمونه الإنساني. والديالكتيك، بوصفه منطق الواقع والتاريخ ومنطق الفكر، لا يستنفد في الماركسية أو غيرها من المنظومات الفكرية.

   ثمة ثلاثة أركان يقوم عليها مفهوم الشعب، هي: الحرية والمساواة والقانون. الحرية نقيض العبودية، والمساواة نقيض الامتيازات من أي نوع ومن أي درجة، والقانون هو الضمانة الموضوعية لهذه وتلك، أي للحرية والمساواة. وعلى هذه الأركان ذاتها يقوم مفهوم الوطن، وإلا تحول الوطن إلى مكان إقامة، وإلى مثوى فحسب، أو إلى مجرد بيئة طبيعية غريبة ومعادية للإنسان، بقدر ما يكون غريباً عن ذاته وعن ماهيته الإنسانية. أو إلى رقعة من الأرض لا تتعدى علاقة الإنسان بها علاقة الكائن الحي ببيئته الطبيعية. الشعب جماعة سياسية حديثة متدامجة وموحدة، ولكن وحدتها تناقضية أو جدلية، فهو منقسم إلى فئات وطبقات وتيارات واتجاهات فكرية وأيديولوجية وأحزاب سياسية مختلفة ومتباينة، ومن دون انقسام ليس هناك وحدة. وكل من هذه التيارات والاتجاهات والأحزاب والفئات والطبقات  لا يقوم إلا بالآخر أولاً، وهو محدد بالكل ثانياً، وجزئيته الواقعية هي تعيين كليته ثالثاً. لأن العام والكلي لا يوجدان فعلياً إلا في الخاص والفردي. ماهية الإنسان الكلية، على سبيل المثال، تتعين في الفرد الواقعي وتحدده التحديد الأخير. فإذا نفينا عن الفرد المعين: زيد أو عمرو أو عبد الله .. جميع صفاته الفردية إلى النهاية لا يبقى منه سوى الإنسان، ولنقل لا يبقى منه سوى الإنسان المجرد، الكلي، وأود أن أقول: لا يبقى منه سوى الروح الإنساني، ومقولة الروح هنا شقيقة مقولة المادة بوصفها المجرد إلى النهاية والمجرد بامتياز. أما إذا حذفنا منه إنسانيته فلا يتبقى منه شيء. لذلك كان إنكار الماهية أو إنكار الذات أخطر من إنكار الصفات. وما الصفات سوى تعيينات وحدود واقعية، كينونية، لا تستنفد الموصوف، فضلاً عن كونها ناتجة وصائرة، أي متغيرة ومتحولة، وفي هذا يكمن شرف الموصوف  وعلو شأنه. نتحدث هنا بالطبع عن المطلق (الإنسان) الذي يؤسس النسبي (الفرد والطبقة والمجتمع والأمة..) ويحده، من دون أن نخشى تهمة المثالية. الإلحاد هو إنكار الماهية، إنكار الذات، أما الصفات ففيها نظر. وفي اعتقادي أن إنكار ماهية الإنسان هو الإلحاد عينه؛ لأنه إنكار للعنصر الإلهي في الإنسان، وإنكار للماهية التي كرمها الله؛ ولذلك كانت حرية الفرد وذاتيته واحترام ماهيته هي أساس حرية الشعب وموئل سيادته، بل أساس مفهوم الشعب، إذا شئنا أن نؤسس هذا المفهوم على أساس يستمد قيمته ومشروعيته ومسوغاته من ذاته، لا من أي شيء خارجه.

   والمساواة الفعلية بين الأفراد، ومن ثم بين الفئات الاجتماعية والأحزاب السياسية والاتجاهات الفكرية والأيديولوجية هي الصورة الواقعية للعدالة الاجتماعية التي هي رديف فكرة المواطنة وتتمتها المنطقية وصورتها النهائية؛ فالفقر في الوطن غربة، كما قال الإمام علي بن أبي طالب. فما بالكم إذا كان مقروناً بالقهر والاستغلال وازدراء الإنسان والنظر إليه على أنه مادة ووسيلة فحسب؟ والمساواة أمام القانون هي المدخل الضروري للعدالة، فلا عدالة ممكنة قبل هذه المساواة أو من دونها؛ لأن المساواة تقوم على اعتراف ضمني وصريح بماهية الإنسان الكلية المتعينة في سائر الأفراد بالتساوي، واعتراف ضمني وصريح بالتساوي في الكينونة الاجتماعية، وبأهمية الوظيفة التي يقوم بها كل فرد للآخرين، والتي لا تلبث أن تتحول إلى وظيفة سياسية هي قوام المواطنة. على أن المساواة هنا لا تعني إلغاء الفروق والحدود الطبيعية والمكتسبة، فالإنسان ليس ابن الطبيعة فقط، بل ابن التاريخ أيضاً.

   مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة وسيادة الشعب وسيادة القانون، ومفاهيم الأمة والوطن والمجتمع المدني والشعب كلها تقع في حقل دلالي واحد، أو تنتمي إلى حقل دلالي واحد هو ذاته حقل الإنسانوية والعقلانية والعلمانية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية. ولعل الديموقراطية المؤسسة على مبدأ الإنسان وفكرة  التاريخ ومفهوم التقدم هي المجال المعرفي، أولاً، والاجتماعي ـ الاقتصادي السياسي، تالياً، الذي تتجسد فيه أو تتعين هذه المفاهيم وتنتفي جدلياً؛ فكل تعيّن هو نفي. وذلكم هو مبدأ التقدم.

   كل جماعة بشرية تقوم فيما بينها روابط اجتماعية واقتصادية وثقافية هي شعب بالقوة، تتحول بالحرية والمساواة والقانون إلى شعب بالفعل، وتتحول الأرض التي تقطنها إلى وطن بالفعل، ويتساوى لديها الدفاع عن الحرية والمساواة والقانون والدفاع عن الوطن. الجماعات التي تعاني من الاستبداد والقهر والاستغلال  وغياب القانون الذي ينظم حياتها، ويكفل حقوق الأفراد، ويصون حريتهم، لا  تستطيع أن تدافع عن وطنها، بل لعلها غير معنية بالدفاع عنه، أو هي جماعة  قابلة للاستعمار، بتعبير مالك بن نبي. القابلية للاستعمار أو للاختراق هي نتيجة ضرورية للاستبداد والقهر والاستغلال وغياب القانون. والدفاع عن الوطن لا يستنفد في مقاومة الاستعمار والاحتلال ومختلف ضروب الهيمنة والانتهاكات الخارجية، بل هو قبل ذلك، وبعده، دفاع عن الحرية والحق والقانون. لقد تحررت شعوب أمتنا من الاستعمار الكولونيالي المباشر بعد كفاح مرير وتضحيات جسام، ولكنها لم تكسب الحرية ولم تذق طعمها؛ لأنها لم تنتج دولة الحق والقانون، أو الدولة السياسية. وربما خلطت نخبها عن عمد الحرية بالتحرر من الاستعمار، لأن حرية الشعب قيد على حريتها. وما أكثر ما لاحظنا أن معظم الذين ينادون بالحرية هم الذين يخافونها فيعادونها.

 الجماعات المغلقة المتحاجزة، ما قبل القومية، وما دون مستوى الأمة، كالعشائر والطوائف والإثنيات ..، ليست شعوباً بعد. والاستبداد والقهر والاستغلال وغياب القانون ليست عقبات حقيقية تحول دون تكوّن الشعب أو تشكُّله فقط، بل هي عوامل انتكاس أي شعب إلى أسوأ ما في تاريخه. والتاريخ غني بالدروس والعبر في هذا المضمار.

   تحيل مقولة الشعب، في بلادنا، على مقولة الاندماج القومي والاجتماعي، أي على جميع العمليات أو السيرورات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية  التي ترقى بمجتمعاتنا من مجتمعات تقليدية إلى مجتمعات حديثة، أو التي ترقى بالجماعات المغلقة المتحاجزة من حالة الملل والنحل والطوائف والعشائر إلى الحالة الوطنية / القومية؛ من دون إلغاء الملل والنحل والمذاهب والأديان، فهذه لا يمكن إلغاؤها. الذي يمكن إلغاؤه هو العلاقات الطائفية والمذهبية والدينية التي لا يجوز بحال من الأحوال أن تكون علاقات سياسية. هذا الانتقال أو الارتقاء الضروري غير ممكن إن لم يتأسس على المساواة، وعلى الاعتراف المبدئي والنهائي بحرية الفرد وحقوق الإنسان.. فالاندماج القومي أو الاجتماعي يعني تصفية جميع العلاقات والروابط الأولية، "ما قبل القومية أو ما قبل الأموية"، بتعبير ياسين الحافظ. والعلمانية، بوصفها "موقفاً منفتحاً للروح إزاء قضايا المعرفة وقضايا الواقع"، كما عرفها محمد أركون، هي العملية التاريخية الكفيلة بإنجاز هذا الاندماج. مسألة العلمانية هي مسألة المساواة قبل أن تكون، ومن أجل أن تكون مسألة فصل الدين عن السياسة بوجه عام، وعن الدولة بوجه خاص. وهذا الفصل الضروري هو فصل من أجل وصل، أي من أجل تحقيق قيم الدين الإنسانية في حياة البشر، ومن أجل جعل العالم جديراً بالإنسان.

   كثيراً ما يردد المثقفون والسياسيون والأكاديميون أن الشعب هو مصدر السيادة والمشروعية، وهذا صحيح نظرياً منذ أن كف الناس عن النظر إلى السلطة على أنها تفويض إلهي، أو هبة من السماء. بيد أن هذه الحقيقة تغدو فارغة من أي معنى ما لم يكن الشعب الذي يفترض أنه مصدر السيادة سيداً حراً مستقلاً، ومن ثم، فلا معنى للمشروعية إذا لم تكن مستمدة من هذه السيادة وهذه الحرية وهذا الاستقلال، وقائمة عليها، أو مؤسسة عليها. إن سيادة الشعب وحريته واستقلاله لا تحتاج إلى تسويغ، فالشعب يستمد قيمته ومشروعيته ومسوغاته من ذاته وليس من أي عنصر خارجي؛ ذلك لأن كل عنصر من عناصره هو عنصر واقعي. فهو الصيغة السياسية الأولية أو الشكل السياسي الأولي للوجود الاجتماعي. ففي حين ننظر إلى المجتمع على أنه وجود اجتماعي مباشر ينقسم بحسب مصالح الأفراد والجماعات والفئات المختلفة، ننظر إلى الشعب على أنه وجود اجتماعي موّسط، أو غير مباشر ينقسم بحسب الاتجاهات الفكرية السياسية والأيديولوجية التي يثوي في قاع كل منها عنصر اجتماعي، فئوي أو طبقي. لنلاحظ هنا كيف تتحول المصالح المباشرة التي هي أساس كل سياسة إلى اتجاهات فكرية وأيديولوجية وسياسية مختلفة اختلاف تلك المصالح ذاتها، ولكن العنصر الاجتماعي المباشر لم يعد كذلك، بل غدا موسطاً أو غير مباشر. لولا هذا التوسيط، لولا هذه العملية التاريخية العظيمة التي تتعين في الثقافة والسياسة لكان المجتمع غابة يفترس فيها القوي الضعيف، ولكانت العلاقات بين البشر علاقات عداوة متبادلة، ولكان الإنسان ذئب الإنسان. فالفرد الطبيعي الذي هو أساس المجتمع والمجتمع المدني يغدو كائناً سياسياً بقدر ما يتوفر على الحرية والاستقلال، ويغدو سيد نفسه ومسؤولاً عن نتائج أعماله بقدر ما يغدو القانون الناظم الرئيس لحياته وعلاقاته بالأفراد الآخرين. في هذا المستوى الاجتماعي السياسي الموسّط الذي ما يزال الوجود السياسي فيه ملتبساً بالوجود الاجتماعي تغدو التعبيرات الفكرية والثقافية والأيديولوجية هي ذاتها تعبيرات اجتماعية غير مباشرة، فتأخذ التعارضات الاجتماعية الملازمة للكينونة الاجتماعية صيغاً فكرية وثقافية وأيديولوجية تحول دون تفجر العنف الذي تنطوي عليه تلك التعارضات وتستدعيه. وفي قاع كل من هذه التعبيرات الفكرية والثقافية والأيديولوجية يثوي عنصر اجتماعي، طبقي يكاد لا يلحظ إلا للمنقب الحصيف.

 الشعب جملة حية وكلية عيانية؛ لا يستقيم أن تكون حرة وسيدة وجزء من أجزائها منقوص الحرية والسيادة. فإذا انتقصت حرية الفرد وسيادته على نفسه انتقصت حرية الشعب وسيادته، وإذا كان في شعب من الشعوب جماعة ثقافية أو لغوية أو قومية أو إثنية لا تتمتع بحريتها وحقوقها، مهما قل عددها، فإن حرية الشعب كله منقوصة، وكذلك حقوقه وسيادته. بل أكاد أقول: إذا كان في المجتمع ومن ثم في الشعب فرد واحد أو عدد قليل من الأفراد لا يتمتع أو لا يتمتعون بحقوقهم وحريتهم فحق الشعب كله منقوص وحرية الشعب كلها منقوصة. المجموعة الحرة، في الرياضيات، لا تكون حرة إذا كان أحد عناصرها مقيداً. والرياضيات هي التعبير الأكثر تجريداً والأكثر واقعية في الوقت ذاته عن منطق الواقع. في ضوء هذه المحددات لا يعقل أن يكون الشعب حراً وسيداً، ومن ثم مصدراً للسيادة والمشروعية، في ظل الجهل والأمية والفقر والفاقة والقهر السياسي وغياب القانون الذي هو الضمانة الوحيدة للحق والحرية. القانون هو ضمانة الحق والحرية وشرطهما الضروري. والقانون هو روح الشعب وماهية الدولة.