ما قبل الحداثة وما بعدها

 

جاد الكريم الجباعي

يبدو سؤال الحداثة اليوم ساذجاً ومتأخراً عن موعده نحو ثلاثة قرون، لكن مصائر الحداثة "الغربية" من جهة، و "الحداثة" المتوحشة التي نعيش أسوأ مظاهرها والتي يخيل إلى الكثيرين أنها الحداثة بألـ التعريف من جهة أخرى تقتضي إعادة طرح السؤال من جديد: ما الحداثة؟ على أن التعارض الذي نفترضه بين الحداثة المحققة و"مثال" الحداثة وقيمها ومبادئها يذهب بنا بخط مستقيم إلى أهم خصائص الحداثة، أعني: النقد. والنقد هو سمة العقل الذي ينفي باطراد.

فقد قامت فكرة الحداثة على تأكيد "أن الإنسان هو ما يصنعه"، ولكي نتلافى الإيحاء "المادي" والميكانيكي لفعل يصنع، نميل إلى القول: إن الإنسان هو ما ينتجه، وما ينتجه الإنسان على نحو لا يفتر ولا يتوقف هو عالمه وتاريخه؛ فضلاً عن إنتاج وجوده الاجتماعي؛ فالإنسان ينتج ذاته في العالم وفي التاريخ ويحول مظاهر الطبيعة وعناصرها، ثم يستعيد موضوعية العالم والتاريخ والطبيعة في ذاته، ويعيد إنتاجها إلى ما شاء الله. ونؤكد مع ماركس أن الإنسان حتى اليوم هو عالم الإنسان، أي المجتمع والدولة. ومن ثم كان لا بد أن يتوافق "الإنتاج" الذي جعله تقدم العلم والتقانة والإدارة أشد فعالية مع تنظيم المجتمع الذي يحدده القانون، ومع الحياة الشخصية التي توجهها المنفعة، كما توجهها إرادة التحرر من جميع القيود.  والتوافق بين الإنتاج الذي بات مشروطاً بالثقافة العلمية، وبين تنظيم المجتمع، والأفراد الأحرار إنما يرتكز على انتصار العقل وسيادته. ولذلك تكاد الحداثة أن تتماثل مع العقلانية، أو العقلنة. ولكن العقلانية كالحداثة مفهوم إشكالي، يتوقف في كل مرة على المعنى الذي نفترضه للعقل، وعلى مدى ما يتوفر عليه هذا المعنى من اتساق وتناغم أو من توتر وتنابذ بين العقلانية والذاتية، أو على ما يتوفر عليه من توتر بين الفرد الطبيعي المسوق بسائق حاجاته ورغباته وأهوائه ونزواته وأحلامه وتطلعاته الذاتية، والمواطن الذي يتوق إلى الحرية والعدالة والمساواة في نطاق جماعة ينظمها القانون بما هو تجريد العمومية وتعبير عن الكلية الاجتماعية وشكل التوسط الضروري للاندماج في الجماعة الإنسانية. أي على مدى اقتراب مفهوم العقل أو ابتعاده عن مفهوم الروح الإنساني في كليته وشموله. وتجدر الإشارة إلى أن الروح الإنساني يتجلى بقوة ووضوح في الثقافة بصفتها محتوى جميع العلاقات والبنى والتنظيمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ ومن ثم يغدو من الضروري أن نموضع حرية الإنسان ورفاهيته وسعادته وذاتيته في المجتمع والدولة، لا بالتضاد أو بالتخارج معهما، كما كانت الحال في عهود ما قبل الحداثة. ومن هنا كان المجتمع المدني (المجتمع العلماني الحديث) والدولة الوطنية (= القومية) الحاملان أجنَّة (جمع جنين) المجتمع الديمقراطي والدولة الديمقراطية من أبرز تجليات الحداثة وأهمها.

ويبدو أن اقتران المجتمع المدني والدولة الوطنية بنمط الإنتاج الرأسمالي وما نجم عنه من تعميق استلاب الإنسان وتشييئه واغترابه عن ناتج عمله وعن ذاته، وما تمخض عنه تنافس الدول القومية وصراعها الضاري من ويلات وحروب ومن تدمير للإنسان والبيئة بمعناها الواسع، قد استدعى منذ وقت مبكر، ولا يزال يستدعي اليوم نقد الحداثة ومعارضتها؛ من دون أن يتنبه ذلك النقد وهذه المعارضة إلى العنصر الثوري الذي لا رجعة عنه في نمط الإنتاج الرأسمالي، أعني نمو العمل البشري وتحولاته النوعية حتى غدا أقرب ما يكون إلى العمل الذهني الخالص. فتغيرت من جراء ذلك طبيعة العمل والإنتاج الاجتماعي، وبنية القوى المنتجة، ولا سيما الطبقة العاملة الصناعية (البروليتارية)، وراحت الآلة الذكية تحل شيئاً فشيئاً محل العمل البشري بمعناه الكلاسيكي. على أن نقد الحداثة يذهب اليوم في ثلاثة اتجاهات: أولها، الاتجاه الذي بات يطلق عليه اسم "ما بعد الحداثة"، وهو في اعتقادي اتجاه محافظ، إن لم يكن ارتدادياً، على الرغم من سمته "العلمية"، وسوف نتناوله بدراسات مفصلة تكشف الصلات المقنَّعة بـ "العلم" بين ما بعد الحداثة وما قبلها. والثاني هو الاتجاه الذي يطلق عليه اسم "الليبرالية الجديدة"، أيديولوجية العولمة الاقتصادية الجارية والمتسارعة، بل أيديولوجية الرأسمالية المتوحشة في إهابها الأمريكي؛ ولهذا الاتجاه عنوانات رئيسة أهمها: "نهاية التاريخ" و "صراع الحضارات"، و "تحول "حرية الفرد" إلى مطلق مشرع ذاتياً"، بل لعل الأدق هو تحول حرية قلة من الأفراد إلى مطلق مشرع ذاتياً؛ في مجتمعات تشدد ثقافياً على الحد الأقصى للقناعات الفردية، وعلى الحد الأدنى للقيم الأخلاقية، بل لعلها لا تشدد على هذه القيم، ولا تعبأ بها؛ فتنفصل فيها الحرية عن المسؤولية المدنية. والثالث هو الاتجاه النقدي الذي يعيد إنتاج تقاليد الحداثة ومبادئها وقيمها، في ضوء نمو العمل البشري وتغير بنية المجتمعات الصناعية، وتحول الرأسمالية إلى نوع من رأسمالية خالصة ومتوحشة. ويبدو لي أن هذا الاتجاه يقتضي إنتاج ماركسية إنسانية، تعيد الاعتبار لا للديالكتيك بوصفه منطق الفكر والعمل ومنطق الواقع والتاريخ فقط، بل للمثل الأعلى الأخلاقي الذي كان في اصلها وأساسها، أعني حذف استلاب الإنسان بجميع أشكاله: المقدسة وغير المقدسة.

"العقل وحده هو الذي يوطد التوافق بين العمل الإنساني ونظام العالم"، كما يقول ألان تورين؛ ولكن فصل العقل عن العمل، أو تصور إمكانية مثل هذا الفصل، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج التصور المثالي الذاتي للعقل، أو إرجاعه إلى ما كان هيغل يسميه الروح المطلق أو الفكرة الشاملة، ويؤدي من ثم إلى إعادة إنتاج ثنائية الروح والجسد، وثنوية الفكر والواقع، والوعي والوجود، وثنوية الإنسان والطبيعة؛ وتجاهل حقيقة أن الإنسان طبيعة تعي ذاتها وتعي أنها تعي، أي إنه طبيعة بوسعها أن تكون موضوعاً لذاتها. ولذلك يمكن القول: إن العنصر العقلي في العمل الإنساني، أعني العنصر الإبداعي، لا التكراري، هو ما يجعل هذا العمل متسقاً مع نظام العالم؛ لأن نظام العالم ونظام الفكر من ماهية واحدة. وقد عبر أبو حيان التوحيدي عن هذه الماهية بقوله: "الروح لطيف الجسد، والجسد كثيف الروح"؛ فعيَّن بذلك صيغة التعارض الجدلي بين اللطيف والكثيف، أي بين الروح والمادة، التعارض الذي لا يكون أحد حديه إلا بالآخر، ولا ينوجد إلا بوجوده؛ فليس هناك لطيف بلا كثيف ولا كثيف بلا لطيف، ومن ثم فإن مقولة الروح شقيقة مقولة المادة، إذا فهمنا هذه الأخيرة على أنها المجرد بامتياز أو المجرد إلى النهاية، حسب إنغلز، وإذا نظرنا إليها، أي إلى مقولة المادة، على أنها "مقولة فلسفية"، حسب لينين، تحيل على الوجود الموضوعي المتعين القائم خارج الرأس. هناك دوماً عالم خارج الرأس، ولكن ليس هناك رأس خارج العالم. وبذلك تغدو الذاتية التي يراد لها أن تعارض العقلانية مشروطة بالعقلانية ومحددة بها، فليس ثمة ذات من دون موضوع، بل ليس هناك من ذات خارج الموضوع الذي هو العالم والكون اللامتناهي.

وقد لا يستقيم هذا المعنى في الذهن ما لم ننظر إلى العقل على أنه عقل الواقع، أو عقل العالم، وعقل الكون. وهو المعنى المغروس في عملية الإنتاج التي أشرنا إليها، والتي تحيل على مقولة التموضع والاستلاب أو الاغتراب التي لم يعد في ضوئها من تاريخ للطبيعة مستقل عن عمل الإنسان وتاريخه، والتي من دونها لا يمكن أن تفهم مقولة القيمة بصفتها العمل البشري المجرد المتبلور في المنتج أو في البضاعة، بتعبير ماركس، ولا يمكن من ثم تقدير أهمية حكم القيمة الملازم لحكم الواقع حق قدره، أي لا يمكن تقدير أهمية الأخلاق ومطالب الذاتية حق قدرها. الرأسمالية التي قامت على التعارض بين رأس المال والعمل فصلت الأخلاق عن العمل والإنتاج، وجاء المذهب الوضعي الإيجابي ليعزز هذا الفصل. وأبرز تجلياته تمييز "الأيديولوجية" من "العلم" في مذهب ماركس، وتنحية الإنسان من مركز منظومته الفكرية ؛ وجاء المذهب "الثوري" ليحل مقولة الثورة الاشتراكية، والشيوعية، ودكتاتورية البروليتاريا، والأممية البروليتارية وغيرها محل الإنسان، فأنجز تلك القطيعة المشؤومة بين الماركسية والمثل الأعلى الأخلاقي. بيد أن الرأسمالية لم تكتف بفصل الأخلاق عن الإنتاج، بل تعدت ذلك إلى تنمية العنصر التكراري في العمل البشري على حساب العنصر العقلي الإبداعي، وقد بلغ ذلك ذروته في التايلورية التي كان شارلي شابلن من أبرع نقادها. كما تعدته إلى اعتبار "النظام"، أي نظامها ومعاييرها ومقاييسها النمطية عقلاً أعلى يجب أن تخضع له الدولة والمجتمع، فشلَّت بذلك قوة النفي التي هي أهم خصائص العقل.

ومع ذلك، لا محيد عن ربط الحداثة بالعقلنة، والنظر إليها على أنها اعتراف مبدئي ونهائي بسيادة العقل، والثقة بقدرته على جعل العالم جديراً بأن يكون عالم الإنسان. وبهذا المعنى يمكن أن يكون النقد لا سمة الحداثة فحسب، بل مناط حيويتها وقوتها فضلاً عن مشروعيتها. فإن مشروعية الحداثة تنبع من مشروعية النقد، نقد جميع الأوضاع القائمة في كل حين، وهو ما يضع أهمية الفكر النظري، ويؤكد الحاجة إلى الفلسفة.

الحداثة سعي لا يفتر في سبيل  تملك العالم بالمعرفة والعمل، وافتتاح إمكانية التصالح بين الإنسان والطبيعة، وبين الإنسان وذاته، ولذلك كان ارتباطها وثيقاً بعملية الإنتاج الاجتماعي، بمعناها الواسع، فكل إنتاج هو تملك؛ يصح ذلك على إنتاج الخيرات المادية والثروة الروحية سواء بسواء. ولكن الحداثة المحققة لم تبرهن حتى اليوم، سوى بصورة سلبية، على اقتران النمو والديمقراطية كل منهما بالآخر بقوة العقل. بيد أن الديمقراطية كانت ولا تزال إحدى ممكنات الحداثة الرأسمالية، قبل أن تتحول الأخيرة إلى رأسمالية خالصة ومتوحشة؛ ومن ثم فإن ما كان عقلانياً ذات يوم يمكن أن يكف عن كونه كذلك. يتوقف الأمر في كل مرحلة من مراحل التطور على مركز ثقل النظام ونقطة ارتكازه، هل هي الإنتاج من أجل الربح أم من أجل تلبية حاجات المجتمع، وهل الإنتاج ذاته عامل تحرر وانعتاق أم عامل استعباد واستغلال فحسب؛ العمل الصناعي، قبل أن نتحدث عن المجتمع الصناعي، افتتح إمكانية تحرير الإنسان من الضرورات الطبيعية، ومن سيطرة السماء. ولكنه ما لبث حتى أنتج ضرباً من عقلانية أداتية خالصة، ونفعية بالمعنى الضيق للكلمة، أخذت تحل تدريجياً محل الرؤية العقلانية للكون والعمل. هذه العقلانية الأداتية ليست تخفيضاً للعقلانية فحسب، بل هي صيغة موافقة أو غبر معارضة للعنصرية وللتعصب القومي والأصولية الدينية ولنزعات الخصوصية الحصرية من كل صنف ولون. وفي مقابل العقلانية الأداتية كان هناك دوماً عقلانية متسقة مع روح النهضة والإصلاح والعلم والحرية تحفر مجراها بهدوء وعمق وثقة.

عرف أبو حيان التوحيدي العلم بأنه "صورة المعلوم في نفس العالم"، والعلم في هذا السياق هو العقل حتى ليمكن القول: إن العقل هو صورة المعقول في ذهن العاقل؛ وأياً كان الأمر فإن ما يعنينا هنا أنه لا علم بلا معلوم، أي لا ذات بلا موضوع. ومن ثم لا بد أن نموضع العقل في العالم أي في المجتمع والدولة؛ ولذلك كان المجتمع الحديث هو الذي ينظم نفسه ويتصرف لا تبعاً لوحي إلهي أو لجوهر قومي متعال أو لتقاليد وأعراف موروثة، بل وفق مبادئ مستمدة من ماهية الإنسان ومن علاقاته الجدلية بعالمه وبذاته، ومن تعدد مجالات الحياة الاجتماعية وتنوعها، ونموها المطرد. فليس من شيء في المجتمع والدولة ليس موجوداً في الإنسان بالقوة أو بالفعل. الإنسان هو الذي يحتل موقع المركز في المجتمع الحديث والفكر الحديث، ومن ثم فإن العقلنة التي هي سمة الحداثة الأبرز لا تنفصل عن الأنسنة ولا عن العلمنة. بل لعله يمكن تحديد الحداثة بهذه المحددات الثلاثة: العقلنة والعلمنة والأنسنة. وهي ثلاثة وجوه متكاملة لحقيقة واحدة مفادها أن الإنسان لم يعد يدور حول أي شمس سوى شمسه الخاصة؛ فالمجتمع والتاريخ والحياة الفردية لا تخضع لمشيئة كائن أعلى يجب الخضوع لها أو يمكن التأثير فيها بالسحر، بل تخضع جميعها لقوانين الطبيعة التي هي ذاتها قوانين العقل. هذه المحددات تجعل من الحداثة نسقاً مفتوحاً على احتمالات ليبرالية وديمقراطية وعلى قيم العدالة والحرية والمساواة، أو على سلطة مطلقة لعاهل مستنير يرى فيها الشعب المعني تعبيراً عن عمومية المجتمع، وفي قانونها الذي يصون حقوق الأفراد ويحمي حرياتهم الأساسية انتصاراً على الجهل والهوى، ومفتوحاً على الاستبداد أيضا، بقدر ما تغدو صنمية السلطة معادلاً سياسياً لصنمية السلعة، أي بقدر ما يذوي الروح الإنساني ويتحول البشر إما إلى زوائد لحمية ملحقة بالآلات وإما إلى كائنات منمطة ومجرد مستهلكين للسلع والثقافة والقيم سواء بسواء.

إن تساوق قوانين العقل وقوانين الطبيعة يضع تعريفاً للطبيعة يتعدى كونها مجال الوجود الفيزيائي، أو الواقع المادي الذي يمتاز من الواقع الفكري أو الروحي؛ فإن "الطبيعة لا تختص بكينونة الأشياء، وإنما بأصل الحقائق وأساسها. فإلى الطبيعة تنتمي جميع الحقائق ... القابلة لأساس ملازم لها ملازمة خالصة، والتي لا تستوجب أي وحي متعال، والتي هي أكيدة لذاتها وبديهية. هذه هي الحقائق التي نبحث عنها لا في العلم الفيزيائي فحسب، بل في العلم العقلي والأخلاقي، لأن هذه الحقائق هي التي تجعل من عالمنا عالماً واحداً مرتكزاً في ذاته مالكاً في ذاته مركز جاذبيته الخاص" . و "إن لمفهوم الطبيعة هذا، شأنه شأن مفهوم العقل، وظيفة رئيسية هي أن يوحد بين الإنسان والعالم .." ولعل تطور مفهوم البيئة وشموله البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، وإعادة الاعتبار لمقولة الترابط الشامل بين ظاهرات العالم وقوانين الكون هي نوع من استعادة لمفهوم الحداثة يقتضيها شعور عميق بالمخاطر الناجمة عن تخفيض العقل إلى مجرد عقل أداتي ونفعي، وعن نمو عدم العقل الذي يضع عالمنا أمام مفترق، إما البربرية والهمجية، وإما إعادة إنتاج الحداثة في الفكر والعمل.

عالم ما قبل الحداثة كان عالم الأوهام والخرافات والأساطير وخضوع الإنسان لتصوراته الذاتية عن نفسه وعن العالم، ولنتاجات عمله، وكذلك عالم ما بعد الحداثة.

 

قوانين العقل وقوانين الطبيعة

كان لفكرة الطبيعة في عصر الأنوار معنى أوسع من معناها الشائع اليوم، ولا سيما حيث تسيطر رؤية وضعانية تختزل العقل إلى علم وضعي أيجابي أو إلى ما كان هيغل يسميه "الفهم". فالطبيعة لا تعني مجال الوجود الفيزيائي أو الواقع "المادي" الذي يجب تمييزه من الواقع "الفكري" أو "الروحي"؛ "فكلمة الطبيعة لا تختص بكينونة الأشياء، بل بأصل الحقائق وأساسها؛ فإلى الطبيعة تنتمي جميع الحقائق القابلة لأساس ملازم لها ملازمة خالصة، من دون مساس بمضمونها، والتي لا تستوجب أي وحي متعال، والتي هي أكيدة لذاتها وبديهية. هذه هي الحقائق التي نبحث عنها لا في العالم الفيزيائي فحسب، بل أيضاً في العلم العقلي والأخلاقي؛ لأن هذه الحقائق هي التي تجعل من عالمنا عالماً واحداً، تجعل منه كوناً مرتكزاً في ذاته، مالكاً في ذاته مركز جاذبيته الخاص".

إن فكرة الطبيعة، كما استخدمها فلاسفة عصر التنوير، تكاد تكون مرادفة لفكرة الخليقة في التصور الديني، ولفكرة الواقع في الاستعمال المعاصر، أو لفكرة الكون والوجود بمعناهما الكلي والشامل؛ وإن "لمفهوم الطبيعة بهذه المعاني، شأنه شأن مفهوم العقل، وظيفة رئيسية هي أن يوحد بين الإنسان والعالم، كما كانت تفعل فكرة الخليقة المقترنة في الغالب بفكرة الطبيعة أكثر مما هي معارضة لها. بيد ان هذا المفهوم يسمح للفكر والعمل الإنسانيين أن يؤثرا في هذه الطبيعة بمعرفة قوانينها ومراعاة هذه القوانين دون اللجوء على الوحي أو على تعليم الكنائس" .

"وإذا كان لهذا اللجوء إلى الطبيعة وظيفة نقدية ومعارضة للدين خاصة فذلك لنه يسعى إلى أن يمنح الخير والشر أساساً لا هو بالديني ولا هو بالبسيكولوجي، بل اجتماعي فحسب. فالفكرة التي مفادها أن المجتمع هو مصدر القيم، وأن الخير هو ما ينفع المجتمع والشر هو ما يضر تكامله وفعاليته، هذه الفكرة عنصر جوهري في الأيديولوجية الكلاسيكية للحداثة" .

 

الطابع النقدي للحداثة

تظل دعوة الحداثة قوية وفعالة ما دامت نقدية؛ فهي دعوة ثورية، كما كانت في عصر الأنوار، ولكنها ليست شيئاً آخر؛ فحين تنتقد المجتمع التقليدي وثقافته لا تحدد آليات عمل المجتمع الجديد ولا تعين محتوى ثقافته. فهي في هذه الحيثية تجسد أهم صفات الفكر أعني روحه النقدي وانفتاحه على المستقبل وعلى ممكنات الواقع واحتمالاته. "الأيديولوجيا الحداثية لا تكاد تقنع عندما تسعى إلى إعطاء الحداثة محتوى إيجابياً" . الوضع القائم فقط يمكن تحديده إيجابياً؛ لأنه واقع متعيِّن، والمتعين هو ما اكتملت تعييناته. الحداثة في ارتباطها بالعقلانية والعلمانية والأنسية تنطلق من الواقع المتعين نحو آفاق مستقبلية مفتوحة، نحو أوضاع ليس بوسع العقل أن يحددها سوى بصورة سلبية. هذه الصورة السلبية هي قوة تفكيك المجتمع التقليدي لا قوة بناء المجتمع الحديث، قوة تفكيك الأوضاع القائمة لا قوة بناء أوضاع جديدة، وإلا فقدت الحداثة أهم مضامينها. ففكرة العقد الاجتماعي أو المجتمع المدني يمكن أن تفضي إلى قيام جماعة تمارس الظلم والجور، في حين كانت دعوة إلى التحرر. والفكر الحديث من ثم نسق مفتوح لا يسلم بأي حتمية. "إن الأيديولوجية الحداثية لم تكن مرتبطة بالفكرة الديمقراطية؛ فقد كانت ثورية حصراً، ناقدة نظرياً وعملياً سلطة الملك والكنيسة الكاثوليكية باسم المبادئ الشاملة، وباسم العقل نفسه".