ضمير المثقف

 

جاد الكريم الجباعي

قال ديستويفسكي على لسان أحد أبطال روايته الشهيرة "الأخوة كرامازوف": إذا كان الله غير موجود فكل شيء مباح. فأكد التلازم الضروري بين الحرية والقانون، وبين المعرفة والأخلاق؛ وميز الحرية المشرَّعة ذاتياً، (المطلق الذاتي) من الحرية المشرعة اجتماعياً وإنسانياً، (المطلق الموضوعي). الحرية التي تضع القانون والمعرفة التي تضع الأخلاق تؤلف جميعها قوام الضمير أو الوجدان أو الروح الإنساني الذي يتموضع في العالم وفي التاريخ بتوسط العمل؛ القانون من ماهية الحرية، والأخلاق من ماهية المعرفة؛ والتعارض الظاهر بين الحرية والقانون أو بين المعرفة والأخلاق هو بالأحرى تعارض جدلي يعني تحول كل من القطبين الجدليين إلى نقيضه. فكرة الله، المطلق والكلي، الذي "ليس كمثله شيء"، تؤسس فكرة الضمير على الصعيدين الفردي والجماعي، لأن المطلق حد يحد النسبي، ويقيم الحد على غلوه وشططه ونزوعه إلى جعل ذاته مطلقاً وكلياً؛ "فمن ليس في روحه وفي فكره المطلقُ يحوِّل نسبيَّه إلى مطلق، وذلكم هو الاستبداد." كما قال الياس مرقص في الوثنية المعاصرة التي تتجلى في المذهبية والطائفية والعشائرية والمحلوية والخصوصية وفي الأنساق الأيديولوجية المغلقة على مسبقاتها وقبلياتها ومصادراتها وحقائقها الناجزة، وفي التحزب الأعمى الذي بذر بذور التعصب والتطرف والعنف والإرهاب، وفي النزعة العلموية التي تغذي الوثنية والاستبداد وتتغذى منهما بقدر ما تكون إثباتاً بلا نفي ويقيناً بلا شك وجواباً قطعياً ليس سؤالاً جديداً.

الضمير هو حضور المطلق في النسبي، وحضور الكل في الجزء، حضور الجماعة في الفرد، وحضور المجتمع والدولة في المواطن أساساً لحضوره فيهما، وحضور الكلية الإنسانية في الفرد "الطبيعي" وفي جميع محمولاته و تحديداته الذاتية، وحضور الآخر في الـ الأنا على أنه هو هو. الضمير أو الوجدان أو الروح الإنساني سعي دائب إلى الاكتمال بالآخر واستعادة موضوعية العالم ومعقوليته إلى الذات فرداً وجماعة ومجتمعاً وأمة وإنسانية عاقلة وعارفة وعاملة وأخلاقية.

 ولا تتجلى إنسانية الإنسان في شيء، ولا يتجلى الضمير أو الوجدان أو الروح الإنساني في شيء أكثر مما تتجلى في الثقافة التي تشكل ذاتية المثقف وضميره، والذاتية هي الاستقلال والحرية. وحين نتحدث عن ضمير المثقف، اليوم وهنا، إنما نتحدث عن ثقافة ضمر فيها المطلق والكلي منذ تحولت إلى ثقافة "جماهيرية" أي إلى ثققافة دولة تسلطية تقوم على مبدأ "الاحتكار الفعال للسلطة والثروة والقوة"، أي على مبدأ تهميش المجتمع وإلغاء فاعليته الإنتاجية، ولا سيما إنتاج الثقافة والقيم الروحية الذي لا ينفصل عن إنتاج القيم المادية. ومنذ تحولت إلى ثقافة حزبية، أي إلى دعاية وإعلام كاذب وناقص، وإلى نوع من ثقافة محلوية مفتونة بالخصوصية، من خصوصية الأمة ذات الرسالة الخالدة إلى خصوصية الدولة القطرية وهلم جراً. ومن ثم فإن ضمير المثقف مرتبط أوثق ارتباط وأشده بمضمون الثقافة. ولعله من المعروف أن الثقافات الحية هي تلك التي أنتجت بدلالة الروح الإنساني الكلي، وبدلالة التحسن والتقدم.

منذ سنوات، ولاسيما بعد انهيار التجربة الاشتراكية وسقوط الاتحاد، السوفييتي وما كان يسمى "منظومة الدول الاشتراكية" وشيوع الأفكار والتطلعات الديمقراطية، أريق حبر كثير وقيل كلام كثير حول علاقة المثقف بالمجتمع وعلاقته بالسلطة، وحول اغترابه أو غربته وسبل تجاوز هذا الاغتراب. ويبدو لي أن سقوط النموذج السوفييتي، أي سقوط أحد نماذج الدولة الشمولية (النماذج الأخرى هي النازية والفاشية والأنظمة العسكرية / الأمنية) أحدث نوعاً من "صحوة ضمير" متأخرة لدى معظم المثقفين العرب، فراحوا يعملون من أجل / بل يطالبون، بـ دور انتزع منهم وتخلوا عنه، ويبدو لي أن الكلام في هذا الموضوع لا يزال أقرب إلى الضجيج؛ لأن الذين صادروا الثقافة أو أمموها، وأمموا حرية المثقف واستقلاله وذاتيته وصادروها لا يزالون يفعلون ذلك، ولا يزال معظم المثقفين يستمرئون هذه اللعبة، وربما يحلو لبعضهم أن يمثل دور الضحية، وهو، في موقع الجلاد. فمن الذي انتزع من المثقفين دورهم؟

أولاً، هناك الدولة الشمولية، أو الدولة التسلطية، كما وصفها الدكتور خلدون حسن النقيب، سواء كانت دولة الحزب الواحد أو دولة النخبة، أو دولة الطغمة أو دولة العشيرة، الدولة القائمة على مبدأ العصبية بالتعبير الخلدوني، أي على مبدأ القوة و الغلبة، والتي تحتكر جميع مصادر السلطة والثروة والقوة وتحتكر الثقافة، وتحتكر الحقيقة والوطنية، وتنظر إلى كل من هو خارج نسقها على أنه عدو ومارق، وليس له من مكان سوى السجن أو القبر أو المنفى. وقد (ألجأ) معظم المثقفين العرب أنفسهم إلى هذه السلطات خوفاً من مغرم أو طلباً لمغنم. فبات السياسي الذي هو تلميذ المثقف سيده وولي نعمته، وغدا المثقف تابعاً بالمعنى الذي كان لهذه الكلمة في عهود الإقطاع، والتابع موالٍ لسيده وولي نعمته ولاء لا تشوبه شائبة، يأكل على مائدته ويضرب بسيفه. ويكفي أن يتصفح المرء الصحف والمجلات الرسمية وآلاف الكتب وعشرات آلاف القصائد والأغاني الموقوفة على مدح السلاطين والإشادة بمآثرهم والتنويه بصفاتهم التي غدت قدسية ومتعالية، ليكشف الطابع المملوكي للثقافة الرسمية، وليفهم سبب رواج الكتب والمقالات الممنوعة التي يتناقلها الناس كما يتناقلون منشورات سرية. لقد أغرقت السلطات مثقفيها في دوامات الإعلام فانحطت بهم إلى أسفل سافلين، بعد أن ملأت جيوبهم وبهرت عيونهم بالأضواء فأعشتها عن رؤية الحقائق الواقعية. وعاماً بعد عام، وعقداً بعد عقد، كانت الثقافة تتحول إلى إعلام والفكر إلى أيديولوجية، تحت وطأة مؤسسات رقابية صارمة: إعلامية وحزبية وإيديولوجية وأمنية.

ثانياً، هناك الحزب السياسي، "على الطراز اللينيني" ونسخته الستالينية، الحزب القائم على مبدأ تجانس أعضائه وتماثلهم، والذي لا يعدو العضو فيه أن يكون رقماً عشرياُ، لأن القيادة وحدها، ومكتبها السياسي، وأمينها العام هي الأرقام الصحيحة وفق تدرج المراتب، بل وفق درجة الولاء للأمين العام الذي هو صورة مصغرة عن الحاكم. ومثقف الحزب هو الذي يصوغ "خط الحزب" بتوجيه القيادة ومكتبها السياسي وأمينها العام، وهؤلاء غالباً أميون ثقافياً ومحافظون اجتماعياً، حتى حين ينسب بعضهم نفسه إلى الماركسية مثلاً. والمثقف هو الذي يسوّغ "خط الحزب" ويدافع عنه، ويسوغ حماقات القيادة وتناقضاتها، وويل له ثم ويل له إذا سولت له نفسه أن يخالفها أو ينتقدها أو أن يعاملها على نحو أقل مما يعامل المريد شيخه والعبد سيده والمولى ولي نعمته. إن وظيفة مثقف الحزب هي الدفاع عن الحزب أخطأ أم أصاب، بل من يستطيع الادعاء أن الحزب يخطئ، أو أن القيادة تخطئ، أو أن الأمين العام يخطئ؟ فما أن يدعي أحدهم ذلك حتى يطرد طردة الكلب، وما أن يدعي بعضهم ذلك حتى ينقسم الحزب إلى فرق كل واحدة منها هي "الفرقة الناجية".

ثمة قواسم مشتركة كثيرة بين مثقف السلطة ومثقف الحزب أهمها تواطؤهما، أحدهما مع السلطة والآخر مع الحزب، على حرية الرأي والضمير، بل على حرية التفكير والتعبير، وتواطؤهما على عدم الاعتراف بأفرادية الواقع ومشروعية الاختلاف والمغايرة، وتواطؤهما على عدم الاعتراف بحرية الفرد وحقوق الإنسان، تحت إغواء "المشروعية الثورية" والأهداف الكبرى والشعارات الكبرى، والكلمات السحرية. والأدهى من ذلك أن المثقف "اليساري" كان يغتبط باضطهاد المثقف "اليميني" ويتشفى به، والمثقف "القومي" يغتبط باضطهاد المثقف الليبرالي أو الماركسي ويتشفى به، وبالعكس، حتى بات الجميع يساريين ويمينيين، قوميين وليبراليين وماركسيين تحت حذاء السلطة الأمنية التي لا ترى فيهم سوى "علاكين" وثرثارين وتجار كلام لا قيمة لهم ولا خير فيهم.

ثالثاً، هناك القوة الرمزية لليقينية الدينية واليقينية العلمية واليقينية "الثورية" و "الحتمية التاريخية" التي شلت طاقة الإبداع لدى أكثرية المثقفين. واليقينية، على اختلاف صنوفها وتلاوينها، مرض الثقافة وداء الفكر. والمثقفون، من هذا الطراز، هم سدنة الحقيقة المطلقة، الناجزة والنهائية، والإنتاج الثقافي تحت راياتها لا يعدو التفسير والتأويل والتفريع على الأصول.

في ظل هذه القوى التي أممت الثقافة واستعبدت المثقف، ولم نتحدث عن قوة التقليد، يغدو السؤال التالي مشروعاً: هل وعي المثقفين زائف إلى هذا الحد ؟ ما من شك أن هذه القوى مجتمعة ومنفردة تسهم في إنتاج الوعي الزائف، لكن الإجابة عن السؤال بالنفي أو بالإثبات لابد أن تنطوي على خطأٍ ما. أدعي أن هناك نمطاً من المثقفين يسوّغون سياسات السلطات الشمولية أو سياسات أحزابهم وأيديولوجياتها، ويعون أنهم يفعلون ذلك، أي إنهم يكذبون ويلفقون ويعرفون أنهم يكذبون ويلفقون، هؤلاء يعيشون ازدواجية مريرة سببها خوف مضاعف: خوف من السلطات الاستبدادية وأجهزتها القمعية، وخوف من الحرية بالمعنى الذي عالجه أريك فروم. ولهذا الخوف المضاعف أسباب تتعلق بالتغيرات والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي حصلت في بلادنا بعد الاستقلال، ولاسيما تغير أساليب الإنتاج الذي لم يرافقه تغير في طرائق التفكير وأنماط السلوك، وبروز ثنائية دولة قطرية مرسملة ومجتمع متأخر ومستباح، وولاء المثقف لا يزال موزعاً بين قطبي هذه الثنائية. هذه الازدواجية في الانتماء أنتجت ازدواجية في الخطاب حتى بتَّ لا تعرف أي الخطابين هو الخطاب الفعلي للمثقف. هؤلاء المثقفون أسهموا في إنتاج الظاهرة "الجماهيرية" القطيعية التي جعلت من "الجماهير" شيئاً أقرب إلى كلاب بافلوف تتصرف وفق مبدأ الإستثارة ورد الفعل، ومن ثم مسؤولية إنتاج ما بات يمسى "الثقافة الجماهيرية".

وإذا كان الخوف من الاستبداد مفهوماً، فإن الخوف من الحرية يكمن في واقع انفكاك علاقة المثقف بالبنى الاجتماعية التقليدية، جزئياُ أو "جزئياً"، وشعوره إذ ذاك بالوحدة والعزلة إزاء قوى لا طاقة له على مواجهتها، فلاذ بالحزب أو بالسلطة السياسية واتخذه أو اتخذها متحداً اجتماعياً جديداً وراح يعيد إنتاج انتماءاته العشائرية والدينية والمذهبية والمحلية أو الجهوية في هذا المتحد الجديد لكي يحقق لنفسه شيئاً من التوازن المفقود، ولكن عبثاً. لذلك نراه يتماهى بالحزب أو بالسلطة، مثلما كان يتماهى بالعشيرة أو بالمذهب أو بغيرهما. إن شعوراً مزدوجاً بالإثم يلازمه كظله: شعور بإثم الانفكاك، وشعور بإثم الانتماء، ولا سيما بعد أن انقطعت واقعياً علاقة السلطة بالشعب وعلاقة الأحزاب بالمجتمع، وبات المجتمع موضوعاً للنهب والقمع، وتحول الشعب إلى ديكور للسلطة. فما أسهل أن يتحول هذا المثقف من موقع إلى نقيضه من دون أن يشعر بتأنيب الضمير، أليس هو صوت العشيرة أو الطائفة أو الجماعة الإثنية في الحزب أو في السلطة، وصوت الحزب أو السلطة في العشيرة أو الطائفة والجماعة الأثنية؟ أليس هو ممثل التقليد المدافع عن الأصالة والخصوصية في حضرة الحداثة، وممثل الحداثة في حضرة التقليد، ألم يقم بشطارة الحاوي وخفة البهلوان بالتلفيق للتوفيق بين المتناقضات والأضداد؟

الخوف من الاستبداد والخوف من الحرية يطبعان هذا النمط من المثقفين الذين يدافعون عن السلطة، لا عن الشعب، أو يدافعون عن الحزب، لا عن الحقيقة. ويلاحظ هنا أنني أضع السلطة والحزب في جانب والحقيقة والشعب في الجانب المقابل. وأفترض أن الدفاع عن الشعب والدفاع عن الحقيقة متلازمان، فالشعب هو حقيقة السلطة وماهيتها؛ والحقيقة دوماً في مصلحة الشعب. ومن ثم فإن السلطة الاستبدادية هي تلك التي تتنكر لحقيقتها الواقعية وماهيتها الفعلية. والاستبداد هو الاستلاب الناجز للشعب.

المثقف الذي انفك للتو من روابطه الأولية لم يطق أن يكون حراً، وربما لا يعرف كيف يكون حراً في المجتمع المدني؛ فالتصق بالحزب أو بالسلطة وجعل منهما عشيرته أو طائفته الجديدة، فهو لم يبع روحه للشيطان من أجل معرفة الحقيقة، بل باعها للوحوش الكبيرة والصغيرة وجعل منها حقيقة لا يلابسها باطل.

 قانون المجتمع المدني هو العشوائية والفوضى، مبدؤه هو الحرية، وأساسه هو الفرد، وكذلك أساس الدولة. في رحاب المجتمع المدني، حيث التنافس على أشده، ومعيار النجاح هو الكفاية والجدارة وطاقة الخلق والإبداع والروح النقدي ومشاجرة الكليات… ، لا يصمد سوى المثقف المثقف المحتفظ بفرديته وذاتيته، والذاتية هي الاستقلال والحرية. أما أشباه المثقفين فيلوذون بالسلطة والأحزاب ويغيبون في دوائرها السوداء حيث يتشابه الجميع ويتفاضلون فقط في درجة الولاء التي هي المعيار الأساسي والوحيد. إلا من كان من هؤلاء رأس الحزب ومحور ماكينته الثقافية، أو من تمرد على السلطة والحزب وكفر بلاهوتهما فعزز فرديته وذاتيته أي حريته واستقلاله واختلافه وقدرته على الإبداع، وتحمل في سبيل ذلك ما لا يستطيع غيره أن يتحمله. فلكي يستعيد المثقف دوره شخصاً حراً ومتضامناً مع الحرية، ومبدعاً خلاقاً ومنتجاً للثقافة وأستاذاً للسياسي؛ لا بد له من أن يشرع في نقد الثقافة الجماهيرية أولاً والثقافة الحزبية ثانياً والسلطة المستبدة ثالثاً والحزب الثوري أو الطليعي رابعاً والدولة الشمولية أخيراً، وأن يخرج من عالمها الأيديولوجي والسياسي والأخلاقي، ويتطهر من اقترافه ذنب التواطؤ على الشعب والسكوت عن الحق.

ثمة جانب آخر في الموضوع، المثقف ابن مجتمع معين وشروط معينة، والثقافة التي ينتجها عادة أفراد لها طابع اجتماعي عام؛ لأن ثمة أطراً اجتماعية للمعرفة ولإنتاج الثقافة. والمثقف هو، ربما، ذلك الفرد الذي يمكن وصفه بأنه فرد / جماعة بينه وبين مجتمعه دوماً علاقة متوترة هي علاقة جذب ونبذ من الطرفين، ومع ذلك لا يحق لمجتمعه أن يفرض عليه شيئاً ولا يحق لأمته أن تفرض عليه شيئاً سوى ما يفرضه عليه ضميره ووجدانه أو روحه الإنساني. وليس له من ثم أن يفرض شيئاً على أحد. إن تأثير المثقف في وسطه هو تأثير غير مباشر غالباً وتأثير غير ميكانيكي دوماً، هناك مثقفون لم يؤثروا في مجتمعاتهم إلا بعد موتهم، وهناك مثقفون انقسمت مجتمعاتهم بين مؤيدين لهم ومعارضين. ولكن ما من مثقف يستحق هذا الوصف كان خارج إطار التعارضات الملازمة للكينونة الاجتماعية.

الرائز الموضوعي الذي يمكننا من الحكم على دور المثقفين في زمان ومكان معينين، والحديث هنا عن مجتمعنا المعاصر، هو المستوى الوسطي للوعي الاجتماعي، وهل ينمو هذا الوعي ويتقدم أم إنه ينتكس ويتراجع، لا قياساً بسوية الوعي الاجتماعي في مجتمعات متقدمة فحسب، بل قياساً بمراحل سابقة في تاريخنا الحديث والمعاصر. ثم في أي اتجاه يذهب هذا الوعي، هل في اتجاه المعقولية الكونية والإنسانية الكلية أم في اتجاه الانغلاق على أوهام الخصوصية؟ وبصيغة أخرى، ما مدى مسؤولية المثقفين عما آلت إليه أوضاع دولهم ومجتمعاتهم، وعما آل إليه وضع الإنسان فيها؟ ما مدى مسؤوليتهم عن هذا الانتكاس إلى الحالة المملوكية/العثمانية على جميع الصعد، ما عدا قشرة الحداثة التقنية وما تفرزه من ظواهر لا تتعدى سطح المجتمع الخارجي، وما عدا هذا التوسع الأفقي في التعليم والخدمات الصحية والمواصلات التي لم تغير في طرائق التفكير وأنماط السلوك ولم تتحول إلى صلات ومواصلات وروابط بين البشر، صلات ومواصلات وروابط تخترق النوى الصلبة للبنى والتشكيلات الاجتماعية ما قبل القومية وتعيد إنتاجها وفق مبدأ المواطنة والمساواة أمام القانون ووفق مبدأ التماثل في الحيثية الإنسانية؟ ما مدى مسؤولية المثقفين عن، وما مدى تأثيرهم في انتعاش البنى والعلاقات والأيديولوجيات ما قبل القومية وتحولها إلى بنى موازية لبنى المجتمع المدني التي اكتست طابعاً دولتياً كالنقابات والجمعيات والمنظمات الشعبية والأحزاب السياسية، وتحولها من ثم إلى بنى موازية لبنى الدولة الشمولية؟ وبكلمة، ما مدى مسؤولية المثقفين العرب عن هزيمة أمتهم من الداخل ومن الخارج؟ أليست هزيمتنا أمام العدو القومي، إسرائيل، هزيمة لثقافتنا السائدة أمام ثقافتها السائدة، ولمدرستنا أمام مدرستها ولجامعتنا أمام جامعتها ولسياستنا أمام سياستها ولزراعتنا وصناعتنا ولتربيتنا أمام زراعتها وصناعتها وتربيتها؟ أدعي أن تربيتنا ومدرستنا وجامعتنا تعيد إنتاج التقليد وتكيف الأفكار والمفاهيم والمبادئ الحديثة "المستوردة" لمنطق التقليد.

وظيفة المثقف اليوم هي تحرير المجتمع من هيمنة السلطات المستبدة سياسية كانت أم دينية أم أيديولوجية، ومن ثم تحرير الثقافة من هيمنة السياسة، أي تحقيق استقلال مجالات الحياة الاجتماعية وتكاملها. فمن دون استقلال ليس ثمة تكامل، الثقافة وحدها لها هذه القيمة التحريرية، حين تكون ثقافة ذات محتوى إنساني وعقلاني وعلماني وديمقراطي بالتلازم الضروري بين هذه الصفات.

نحن نعيش اليوم في وضع أشبه ما يكون بأوضاع العصور المظلمة تحت سطوة الاستبداد ومحاكم التفتيش من كل نوع. محاكم تفتيش دينية تحاول وضع الناس في مستنقعاتها الراكدة والآسنة، ومحاكم تفتيش سياسية تحاول وضع الناس في زنازينها المنفردة والجماعية، ومحاكم تفتيش أيديولوجية تحاول أن تمسخ الثقافة، وقد أفلحت إلى حد كبير؛ المهمة التنويرية والتحديثية للثقافة والمثقف هي المهمة التحريرية التي نصبو إليها. فالمثقفون لا يستطيعون تغيير الأوضاع بعصا سحرية، إذ لا يملكون سوى أدواتهم الثقافية والمعرفية والجمالية. ولكن المثقفين وحدهم قادرون على تحرير الأحياء من قبضة الأموات، وتحرير الحاضر من أوهام الماضي، وتغيير الزاوية التي ننظر منها إلى العالم وإلى المجتمع والإنسان. وهذا هو المدخل الضروري، وربما الوحيد لتحرير المجتمع من الاستبداد وكل ما يرتبط به ويؤول إليه.