في مشروعية الحوار

 

جاد الكريم الجباعي

تمعن السلطات الحاكمة في الوطن العربي في احتكار السلطة والثروة والقوة وفي إقصاء الشعب وإخراجه من عالم السياسة، وتمعن أكثرية الشعب في السلبية والعزوف. وتمعن الأحزاب السياسية الحاكمة في التماهي بالسلطة  والأحزاب المعارضة في التماهي بالشعب، فيدير كل منها ظهره للآخر، كأنما ليس من حقل مشترك يجمعها. وتمعن الأحزاب والجماعات السياسية على، اختلاف مشاربها وتلاوينها، في الانغلاق على ذاتها، على الرغم من الضجيج الذي يدور حول الديمقراطية والتعددية والاعتراف بالآخر وضرورة الحوار، حتى لتكاد أي محاولة لإنعاش الحياة في داخلها تعصف بـ "وحدتها" الوهمية. فما الذي يمكن أن يفضي إليه  هذا التطرف؟ وكيف ستكون الحياة السياسية، بل كيف ستكون الحياة إذا كانت الدلالات السياسية لا تنعقد إلا على المصالح الخاصة والأعمال الفردية؟ لعله يمكن القول: إن التطرف قد بات السمة  الأبرز لمجتمعاتنا ودولنا وحكوماتنا وأحزابنا بلا استثناء. تطرف في إهدار الإمكانات الفعلية وفي التشظي والتناثر في هوامش النظام العالمي الجديد، وتطرف في الانغلاق على الذات الوهمية  وعلى الأصالة والخصوصية. ما سر هذا التطرف المتناقض، وأين تكمن عوامله الفعلية؟

ربما كان السر كامناً في تلك الأسس والقواعد والمبادئ والمصادرات والمقولات التي تنتج الخطاب الثقافي و السياسي العربي وتوجه الوعي والسلوك. وقد يغامر المرء في وصفها بالوثوقية واليقينية المطمئنتين إلى أن المعرفة تساوي الحقيقة، وإلى أن الرأي المدعم بهذه الوثوقية لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ فالرأي المستند إلى مقولة دينية كالرأي المستند إلى مقولة "علمية" يترقيان كلاهما إلى مصاف الحقيقة الكلية الخالصة، المطلقة والسرمدية، والخطاب الذي يتأسس عليهما صالح لكل زمن ومكان. فثمة، كما أدعي، وثوقية يقينية علموية وأخرى دينية/مذهبية تتعاوران الخطاب العربي المعاصر، وتنتج كل منهما أيديولوجية مغلقة صماء مكتفية بذاتها، وما أكثر ما تتبادلان المواقع. ومن ثم فإن الوثوقية واليقينية تقبعان في أساس التطرف وتعيدان إنتاجه في  جميع تفاصيل الحياة. وأظن أن ثمة ارتباطاً وثيقاً وعلاقة لا تنفصم بين وثوقية الخطاب وحصرية المصالح؛ فما يسميه الفرد أو الحزب أو الحكم رأيه هو في الحقيقة  القناع الأيديولوجي لمصلحته المباشرة، وهي مصلحة مشروعة على كل حال، ما لم تكن حصرية تنفي ما يقابلها ويعارضها ولا ترى فيه سوى عقبة تجب إزالتها وشر يجب استئصاله. ومن ثم فإن الرأي ملازم للمصلحة الشخصية والخاصة لا ينفك عنهما، مادام التعارض الذي يخترق المجتمع ويلازمه في جميع أطوار نموه هو التعارض بين الفرد الذي يسعى من أجل تلبية مصالحه وإشباع حاجاته المتطورة باستمرار والمواطن الذي يرغب في الحرية والانعتاق والعدالة والمساواة، بين ما هو فردي تضرب جذوره عميقاً في حياة الفرد الطبيعية السابقة وما هو نزوع إلى الكلية الاجتماعية والإنسانية في الفرد ذاته، وليس هناك شيء في المجتمع ليس موجوداً في الفرد بالقوة أو بالفعل. بين الروح الذاتية منظوراً إليها في فرديتها وجوانيتها والروح الموضوعية وقد خرجت من جوانيتها وغدت علاقات وبنى ومؤسسات اجتماعية وسياسية وتمثيلات ثقافية وأخلاقية، بين الوجود الحقيقي للفرد والوجود الوهمي للمواطن. فالفرد الطبيعي هو أساس المجتمع المدني، والمواطن هو أساس المجتمع السياسي؛ والتعارض المقيم بين الفرد الطبيعي والمواطن هو أساس التعارض بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، والفرد الاجتماعي الذي هو أساس الكينونة الاجتماعية تركيب جدلي منهما معاً، فالمجتمع ليس معطى بديهياً، ولا كوناً ناجزاً  ونهائياً، وكذلك الدولة بوصفها شكل وجوده السياسي.

المجتمع المدني بدلالة الفرد الطبيعي هو ميدان العشوائية والفوضى الناجمتين عن سعي الأفراد والجماعات والفئات الاجتماعية لتلبية حاجاتها وتحقيق مصالحها المباشرة؛ ومن ثم فهو ميدان التنافس والتزاحم والتنازع. ويتبدى ذلك في مظاهر شتى، منها  مظاهر القوة والعنف. وهو نفسه، بدلالة المواطن، ميدان الحق والقانون والنظام، التي تتبدى في التعاون والتكافل والتوافق على مصلحة عامة مشتركة تتحقق في نطاقها المصالح الفردية والخاصة في صيغتها الاجتماعية، وهذا مرهون بكون المجتمع السياسي شكلاً سياسياً فعلياً للمجتمع المدني وليس شكلاً فارغاً ومفارقاً لمضمونه، أو جوداً وهمياً كما هي الحال؛ فالوحدة الجدلية بين الفرد الطبيعي والمواطن هي ذاتها الوحدة الجدلية بيت المجتمع المدني والمجتمع السياسي. المجتمع السياسي نتاج المجتمع المدني وتحديده الذاتي، والتعارض بينهما هو الصيغة الموضوعية للتعارض بين الفرد الطبيعي والمواطن، وهو ما يجعل من المجتمع المدني منظومة حاجات تبحث عن  إشباعها في  نطاق الكلية الاجتماعية بما يحقق اتساقاً وتواؤماً بين الحياة والحرية، وبين الروح الذاتي  والروح  الموضوعي، و يطلق الإرادة من عقال الضرورة العمياء ويفتح أمام الأفراد والجماعات إمكانات الاختيار وإمكانات الارتقاء والتقدم؛ ويضع من ثم مبادئ الحرية والعدالة والمساواة. فقد عاش البشر ردحاً طويلاً من الزمن يدفعون حريتهم ثمناً للبقاء على قيد الحياة، ثم راحوا يدفعون حياتهم ثمناً للحرية والانعتاق، ولم يعد يليق بهم اليوم أن يفعلوا لا هذا ولا ذاك إذا كانت البشرية قد دخلت حقاً في طور  التمدن. فالحياة الفعلية باتت تقتضي الحرية اقتضاء الهواء والماء والغذاء، وغدت جدلية القهر أكثر شفافية بحكم تقدم الوعي ونمو الروح الإنساني، وبات من الواجب والضروري أن يحل الحوار محل النزاع. فالحوار والتوافق وسيلتان من وسائل التمدن ومظهران من مظاهره يرقيان بالتعارضات الاجتماعية إلى مستوى الكلية الاجتماعية الإنسانية، ويرقيان بالحياة الاجتماعية من الحرب إلى السياسة. فالحرب ليست  امتداداً للسياسة بوسائل أخرى، كما قال كلاوزوفتس، بل نكوص إلى الهمجية والتوحش، نكوص إلى البدائية. لقد بات من الضروري إعادة بناء مفهوم السياسة على مبدأ الكلية الاجتماعية الإنسانية، على مبدأ الإنسان ومفهوم التاريخ وفكرة التقدم.

ولكن السلطات الحاكمة ومعادلاتها الموضوعية في بلادنا تزداد توحشاً بكل أسف، وتدفع من ثم مجتمعاتها إلى التوحش، وتمتلئ الهوة السحيقة الفاصلة بين التوحش الفعلي والتمدن الوهمي، أي بين السلطات الحاكمة وشعوبها، بالكلام. وتغدو للكلام كثافة الأشياء والوقائع ودهاء الحاجات والمصالح، ويستعيد أو يكاد طابعه السحري ويكف عن كونه إنتاجاً للمعنى. فما السبيل إلى الخروج من زمن التطرف والاستبداد، زمن اغتيال المعنى وانطفاء الروح؟ ما السبيل إلى إنتاج حقل ثقافي سياسي مشترك بين المجتمع والدولة والسلطة والشعب والحكومة والمعارضة وبين مختلف الجماعات والأحزاب والقوى والتيارات، حقل تتخذ فيه التعارضات  الاجتماعية صيغة ثقافية سياسية مدنية وسلمية، ويحتكم فيه الناس إلى حكم يرتضونه جميعاً لأنه لهم جميعاً وقائم فيهم جميعاً على قدم المساواة؟

لا نعتقد أن ثمة من سبيل آخر غير سبيل العقل الذي يطلب المعرفة ويصبو إلى الحقيقة. وسبيل العقل هو سبيل الحوار. فعلام تتأسس مشروعية الحقيقة ومشروعية الحوار؟

قبل مقاربة السؤال لإنتاج الأسئلة ووضع المسائل وضعاً جديداً لابد من المقدمات الضرورية الآتية:

1-        الاعتراف اعترافاً مبدئياً ونهائياً بالفرد الطبيعي أساساً للعائلة والمجتمع المدني هو اعتراف مبدئي ونهائي بمعقولية العالم، أي اعتراف بأفرادية الواقع واختلاف مكوناته وتعارضها، واعتراف بالمصالح والحاجات الجذرية للأفراد والجماعات والفئات الاجتماعية المختلفة، تلك المصالح والحاجات الثاوية في قاع الأفكار والتصورات والأيديولوجيات المختلفة والمتخالفة. فمن شأن ذلك أن يسهم في إعادة بناء تصوراتنا عما هي الكلية الاجتماعية أو عما هو النزوع إلى الكلية الاجتماعية والعقالة الكونية. فإن كون العقل هو عقل الكون. كما أن الاعتراف بالفرد الطبيعي هو  اعتراف بالكائن الإنساني الواقعي، فالماهية الإنسانية الجوهرية تتعّين في الفرد الطبيعي بصفاته البدنية والذهنية والنفسية أولاً، وفي الفرد الاجتماعي بصفته عضواً في المجتمع المدني ثانياً، وفي المواطن بصفته عضواً في الدولة ثالثاً. وبأن المستويين الاجتماعي والسياسي هما الروح الإنساني الموضوعي، أو شكلين من أشكال التحديد الذاتي للإنسان. ومن ثم فإن حرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن مقدمتان ضروريتان لحياة اجتماعية وسياسية سليمة تلبي مطالب العقل. ومن شأن ذلك أن يكشف لنا، أيضاً، أن القانون بصفته العامة المجردة هو تسوية بين مصالح متعارضة أملتها وتمليها ضرورة الاجتماع، وأن القانون وجد من  أجل الإنسان ولم يوجد الإنسان من أجل القانون. قال ديسويفسكي على لسان أحد أبطاله في رواية الأخوة كرامازوف: إذا كان الله غير موجود فكل شيء مباح. وهذا يعني أنه إذا كان القانون غير موجود فكل شيء مباح.فحضور الله في حياة  البشر مبدأ كليا،ً هو مبدأ الخلق والحياة والحب والتجدد، ومبدأ الخير والحق والجمال، يؤسس فكرة القانون وسموه على الحاكم والمحكوم. وحين آثر سقراط أن يتجرع السم على أن يخالف قوانين بلاده، كان مقتنعاً بأن القانون فوق أثينة المدينة وفوق أثينة إلهة المدينة أيضاً.

2 –الاعتراف بأن علم الإنسان ناقص دوماً، وأن معارفه تنمو وتتقدم هو أساس الاعتراف باحتمال خطأ الذات وأساس جهاد الفكر وجهاد المعرفة . كما أن الاعتراف بأن النفس أمارة بالسوء هو أساس الجهاد الأكبر،  جهاد النفس، ونقد  نزواتها وأهوائها وضلالاتها وأباطيلها وأوهامها وأفكارها وتصوراتها، ولا سيما تصورها عن ذاتها. فالأيديولوجية بأسوأ معانيها هي الأحكام التي نطلقها على أنفسنا والصفات التي نسبغها عليها والأحكام التي نطلقها على الآخر والصفات التي نسبغها عليه، من دون أن نعي أننا الآخر بالنسبة إليه. إن وعي حقيقة أن كل فرد هو أنا وآخر في الوقت ذاته، وكذلك كل حزب وكل جماعة وكل طبقة وكل شعب وكل أمة .. يجعل كل واحد يعمل من أجل حرية الآخر وحقوقه وأمنه وسعادته. فحرية الآخر هي حريتي الفعلية وحقوقه هي حقوقي التي لا ينازعني فيها أحد. إن لكل فرد في المجتمع وظيفة ضرورية للآخرين، ولكل فئة أو طبقة ولكل حزب. فنحن لا نسأل الزراع و البناء والنجار والحداد والمهندس والطبيب وغيرهم عن آرائهم وأفكارهم ومعتقداتهم الشخصية ما داموا يتقنون أعمالهم ويقومون بوظائفهم الاجتماعية الضرورية. ولا بد من الاعتراف أيضاً أن الأفكار الفعالة ليست دوماً الأفكار الصحيحة، وأن الفكر بوجه عام لا يخضع لثنائية الخطأ والصواب فليس ثمة أفكار صحيحة بصورة مطلقة وأفكار خاطئة بصورة مطلقة، وإلا لكف الفكر عن النمو والبشر عن التقدم.

3 –        لا بد من الاعتراف أن البشر لم يتمكنوا حتى يومنا وساعتنا من السيطرة على نتائج أفعالهم، وأن نتائج أعمالهم لم تكن تطابق النوايا والأهداف التي انطلقت منها ولم تكن تطابق لا تصوراتهم الذهنية ولا مقاصدهم الأخلاقية. فحساب البيدر كان دوماً مختلفاً عن حساب الحقل. ومن ثم فإن النتائج المتحققة على كل صعيد هي أهم المعايير الموضوعية لنقد الأهداف والأفكار والتصورات والبرامج. والفعل السياسي بوجه خاص هو أقل الأفعال وثوقية ونتائجه أقل النتائج مطابقة للأهداف والنوايا بحكم تعدد القوى المؤثرة في حركته واتجاهه وتعارض مصالحها. إن  التوتر والتنابذ الدائمين بين الفكر والواقع واستحالة مطابقة الأول للثاني تجعل من الخطأ ظلاً ملازماً للعمل، ناهيك عن أن للخطأ مصدرين لا بد من وعيهما : أولهما اجتماعي (فئوي أو طبقي) ثاوٍ في النوى الصلبة للأيديولوجيات المختلفة والمتخالفة، وفي الآراء والخطابات الفردية والحزبية المؤسسة على المنفعة الأنانية المباشرة، والثاني غنوزيولوجي أو معرفي يتعلق بالمنهج أو بنظرية المعرفة، وبالتصور الذي يحمله الفاعل عن العالم ولا سيما عن المجتمع والإنسان. التصور الذي يحمله أحدنا عن العالم وعن المجتمع والإنسان ليس التصور الوحيد أولاً، وليس التصور الصحيح بالضرورة ثانياً، وليس التصور الذي تقيمه المعرفة العقلية في ذاتها ولذاتها، أو لذي يقيمه العلم الوضعي في ذاته ولذاته ثالثاً، وليس العالم الفعلي الواقعي في حركته الدائمة وتغيره المستمر أخيراً. هناك دائماً العالم الواقعي، في وحدته وكليته، وصوره غير محدودة العدد في أذهان البشر، فمن هو ذلك السعيد الذي تطابقت صورة العالم في ذهنه مع العالم الواقعي؟ إن وظيفة المعرفة الواعية ذاتها، وهي معرفة نقدية بالضرورة، هي إنشاء صورة العالم في الذهن وإعادة إنشائها باستمرار، وإلى ما لا نهاية، ومن البديهي أن هذا يفوق قدرة الفرد ، مهما أوتي من الحصافة والحكمة والذكاء، ولذلك كان الحوار رفيق المعرفة الواعية ذاتها والمتجاوزة حدودها، وشرطاً لازما من شروط هذا التجاوز. وحدها المعرفة القائمة على مبدأ الحوار تمكن البشر من السيطرة على نتائج أعمالهم وتوجهها باتجاه المصلحة العامة المشتركة.

4 –اعتراف الذات بحقيقتها الواقعية، الفعلية، شرط لازم لإزالة الورود عن القيود التي تكبلها وهدم الحواجز التي تفصلها عن الآخرين. فثمة في عالمنا ومجتمعنا أفراد وجماعات وأحزاب يعيشون في واقع من صنع أفكارهم وأوهامهم وينكرون واقعهم الفعلي وحقيقتهم الواقعية؛ لذلك كان مجتمعنا مجتمعات وعالمنا عوالم متحاجزة ومتنافرة. وكل فريق منا هو "الملة الناجية"؛ ولذلك كنا ولا نزال يكفر بعضنا بعضاً ويخون بعضنا بعضاً وينكر الصاحب صاحبه قبل صياح الديك. وأول اعتراف بحقيقة الذات الواقعية هو اعتراف الفرد بفرديته وبأنه لا يمثل في رأيه وموقفه  وسلوكه سوى نفسه وبأنه محدد بالكلية الاجتماعية وبالجماعة التي ينتمي إليها وليس محددها، واعتراف الفئة الاجتماعية والحزب السياسي بأنها جزء من المجتمع المدني وبأنه جزء من المجتمع السياسي وبأن الجزء يتحدد بالكل ولا يحدده، وبأنه ليس هناك حزب يمثل طبقة اجتماعية برمتها ناهيكم عن ادعاء تمثيل الشعب والأمة والمسلمين. وبأن الانتماءات الثقافية والأيديولوجية والسياسية هي تحديداتنا الذاتية ليس لأي منها قيمة مطلقة. وبأن أحداً لا يستطيع، ولا يحق له، أن يفرض  حتى السعادة على غيره بالقوة والإكراه. وبأن الله أكبر والله أعلم و"لا إكراه في الدين". وبان الذي يخالفني في الرأي هو مواطني ولا يفعل شيئاً أكثر من ممارسة حقه الطبيعي، كما أفعل حين أدافع عن رأيي  وأحترم كلمتي. وبأن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.

في ضوء هذه المقدمات يمكن مقاربة السؤال : علام تتأسس مشروعية الحق ومشروعية الحوار؟ وعلام تتأسس مشروعية الحقيقة؟

الأساس الذي يستمد قيمته ومشروعيته ومسوغاته من ذاته وليس من أي شيء خارجه هو العقل، وحين نتحدث عن العقل إنما نتحدث عن الروح والوجدان والضمير، وعن العاطفة أيضاً ولا سيما عاطفة الحب، بما تنطوي عليه من بذور السعادة، إذ لا سعادة في الحياة بغير الحب، نتحدث عن ماهية الإنسان التي لا تستنفدها هذه الكلمات المفاهيم؛ لأنها هي ذاتها نتاجات الروح الإنساني، نتحدث عما هو إلهي في الإنسان، أو عما هو إنساني خالص به استحق الإنسان أن يكون خليفة الله في الأرض، عن قابلية التحسن والسمو والارتقاء إلى مستوى الكلي التي تميز الإنسان من غيره من الكائنات. والعقل كما  وصفه ديكارت أعدل الأشياء قسمة بين الناس، فكل فرد على الإطلاق مطمئن إلى أنه قد أوتي كفايته منه. والتفاوت في الذكاء والحيلة والقوة والمكر والدهاء ليس تفاوتاً في العقل ولا تفاضلاً في الإنسانية. الإنسانية صفة جوهرية لا تقبل   التفاوت والتفاضل، ومثلها جميع الصفات الجوهرية التي هي مناط التماثل بين أفراد النوع. ومن  ثم فإن الفروق والاختلافات بين البشر فروق واختلافات في كل شيء عدا الصفات الجوهرية أو الماهوية، وهذه جملة من القابليات والاستعدادات والإمكانات غير المتناهية تمكن الإنسان من أن يكون ما يريد. ونظن أن نمط تقسيم العمل وأشكال الملكية وتوزيع الثروة وأنماط التربية التي تحددها هي من العوامل  الرئيسة  في تفاوت الذكاء والحيلة والقوة والدهاء بين الأفراد.

تتأسس مشروعية الحق ومشروعية الحوار على استجابتي العقلية الروحية الجوانية للحق الذي في خطاب الآخر  كائناً من كان هذا الآخر وكائناً ما كان سياق الحوار وهدفه، وعلى استجابته للحق الذي في خطابي. فالخطابات، بما فيها الخطابات الفردية، منظومات مختلفة ومتباينة ومتعارضة باختلاف أصحابها وتباينهم وتعارض مصالحهم ورغباتهم وأهوائهم  وغاياتهم، وباختلاف خصائصهم الذهنية والنفسية أيضاً، ولكن بينها دوماً عناصر متماثلة هي عناصر الحق، وعناصر   الحق هي عناصر العقل أو عناصر الروح الإنساني التي لولاها لما كان التعارف والتفاهم  والتثاقف ممكناً بين الناس،  ولما اختلفت المجتمعات البشرية اختلافاً نوعياً عن مجتمعات الحيوان الأكثر تنظيماً كمجتمع النحل أو النمل. عناصر الحق في الخطابات المختلفة تنتمي إلى ما هو جوهري في الإنسان وإلى ما هو جوهري في الحياة، إلى ما يجعل حياة البشر قابلة للتحسن باطراد وقابلة للتقدم ، فهي التي تمكث في الأرض وتنفع الناس. وستظل هذه العناصر ملتبسة بنقائضها ومبثوثة في أفكار الناس وفي أعمالهم وفي ما يخلفه السلف للخلف، من دون أن تبلغ تمامها وكمالها. ولعله من غير الممكن بلوغ منظومة الحق الخالص، بل لعله من غير الممكن أن يكون في حياة البشر حق خالص لا يلابسه باطل وصواب خالص لا يلابسه خطأ. فإن للباطل والخطأ قيمة بيداغوجية وأخلاقية لأنهما ملازمان لأفكار البشر وتصوراتهم وأعمالهم، وبهما  يعرف الحق والصواب. ولعل إدراك المرء أنه على خطأ أسهل من إدراكه أنه على صواب. الصواب والخطأ مترابطان ومتعالقان في الخطابات والأعمال، ويصعب تمييزهما كلما كان الخطاب متماسكاً ومتسقاً في بنيته الظاهرة أو في شكله الخارجي. لكن المرء لا يستطيع إدراك واقع أنه على خطأ إلا بالحوار، الحوار مع الذات والحوار مع الآخر. وأكثر ما  يكون تمييز الصواب من الخطأ والحق من الباطل عند انتفاء الخصومة أو تعليقها؛ فالحكم العادل هو من يرجح كفة الصواب في أقوال المتخاصمين، والحكم العادل هو شيء في الوسط بين التصديق التام والتكذيب التام. والاعتراف هو سيد الأدلة. والقانون تسوية بين مصالح متعارضة لو انحاز إلى أي منها كف عن كونه قانوناً أي شيئاً عاماً.

في كل شخص يتوفر على شروط الصحة والسلامة العقلية حاكم يسوغ آراءه ومواقفه، ويلاحظ ما هو مشروع   ويؤسس عليه أو يهبه مشروعية الحق. والحوار وحده هو الوسيلة التي تجعل هذا الحاكم يقظاً ونشطاً. فليس هنالك شخص سوي يعمد إلى / أو يرغب في تأسيس خطابه على الباطل ، بيد أن ما يعتقده الشخص حقاً قد لا يكون كذلك بالفعل؛ ولذلك تجدنا إزاء آراء وتصورات بعدد الأفراد، وكلها يدعي لنفسه المشروعية والحق. فلو كانت كل هذه الآراء صحيحة، على تنافرها وتعارضها، لما كانت هناك حقيقة أو حقائق عامة وكلية. ولكانت مقولة بروتاغوراس "الإنسان هو مقياس جميع الأشياء، ما هو موجود منها هو مقياس وجوده، وما هو غير موجود هو مقياس لا وجوده" هي الحقيقة النهائية، ولكانت المعرفة الذاتية متطابقة مع الحقيقة، أو لكان الرأي والحقيقة شيئاً واحداً.

في خضم هذه الآراء المتعددة والمتعارضة إلى ما لا نهاية والتي يعبر كل منها عن مصلحة فردية مباشرة، أوعما هي المصلحة العامة من منظور المصلحة الفردية المباشرة، أو من منظور مصلحة خاصة، فئوية أو طبقية أو حزبية أو غير ذلك ؛ الحوار وحده "يجعل ما انقلب من التعارض إلى جدل ينشئ حقيقة أخرى جديدة ليست لأي من المتحاورين دون الآخر، بل لهما معاً لأنها قائمة في كل منهما". ومن ثم فإن الحوار شقيق الجدل، شقيق الديالكتيك، وهو الذي ينتج دوماً حقائق جديدة من الأطروحة ونقيضها معاً، وليس من أي واحدة منهما دون نقيضها. فالديالكتيك هو منطق الواقع ومنطق الفكر، منطق الصيرورة ومنطق التقدم، وعلى صعيد الفكر خاصة هو منطق إنتاج المعنى، وإظهار الماهية الحقيقية للإنسان والماهية الحقيقية للأشياء والسبيل الوحيد إلى دمج هذه الماهية في واقع البشر وحياتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية. ولكن المهم أن تكون "الحقيقة مبدأ ومسعى وغايةً".

الاعتراف بأفرادية الواقع يقتضي الاعتراف بحق جميع الآراء في الوجود على قدم المساواة، وبحق جميع الأفراد في التعبير عن آرائهم بلا قيود، ويؤدي من ثم إلى الاعتراف بأن الحقيقة إنما ينتجها المتحاورون. وربما كان الحوار، بهذا المعنى، هو المدخل الوحيد إلى السياسة بوصفها الشيء العام أو الشأن العام المشترك بين المواطنين جميعاً والذي هو ماهيتهم وجوهرهم، ومخرجاً من حالة الحرب التي ينتجها التطرف على كل صعيد. والاعتراف بتعدد الآراء وتنوعها وتعارضها هو في الوقت ذاته اعتراف بتعدد الحاجات والمصالح الجذرية وتنوعها وتعارضها؛ فإرواء الحاجات الجذرية هو الصيغة الواقعية للعدالة والشرط الضروري للحرية. وهو الشرط لضروري لتحويل الإرادة الذاتية إلى واقع  موضوعي أو إرادة موضوعية؛ والإرادة هي المعرفة والحرية بالتلازم.

ولكن كيف ينتج الحوار حقيقة جديدة ليست لأي من المتحاورين بل لهما معاً، أو ما طبيعة الحوار الذي ينتج  مثل هذه الحقيقة؟

تقتضي الإجابة عن هذا السؤال أن نميز الرأي من الحقيقة العقلية/الواقعية، وأن نميز الأيديولوجية من الفكر. فإذا صح أن الرأي مرتبط بالمصلحة الشخصية والمصلحة الخاصة بألف سبب وسبب، فإنه بالأحرى ينتمي إلى دائرة الأيديولوجية التي تعني هنا توظيف الأفكار والمعارف والوقائع في خدمة المصالح الخاصة والأهداف والمآرب الذاتية، بعد أن تقوم بتأويلها وتحويرها وبترها واستبعاد ما يعارض تلك المصالح وهاتيك الأهداف وكف ما يشي منها بخصوصيتها وجزئيتها وذاتيتها؛ لذلك فإن نقد الأيديولوجية هو المدخل الضروري لنقد الآراء والأفكار والتصورات الذاتية والخطابات الصادرة عنها. ومستند النقد الذي لا مستند موضوعياً غيره هو العقل بوصفه أعدل الأشياء قسمة بين الناس، وملكة الحكم المشتركة بينهم بوصفها تعبيراً عن نزوع كل منهم إلى الكلية، وإفصاحاً عن الوجدان والضمير. ومعروف أن الأيديولوجية لا تقنع سوى أصحابها وحامليها، في حين تقنع الحقائق العقلية / الواقعية جميع العقلاء بلا استثناء. فقيامة السيد المسيح بعد الصلب، مثلاً، لا تقنع سوى المسيحيين، ومعراج النبي محمد إلى السماء لا يقنع غير المسلمين، أما كون الجزء أصغر من الكل ومحدد به فيقنع الجميع، وكذلك كون العقل أعدل الأشياء  قسمة بين الناس. فالحوار ليس معرضاً لخطابات متوازية، ولا ضجيجاً بين متحدثين لا يسمع كل منهم سوى صوته الذي هو عنده صوت الحقيقة وموئل الحكمة، بل هو تناصت وتعارف وتفاهم يجري في نطاقه تفكيك الخطابات والآراء المتباينة والمتخالفة لتمييز ما في كل منها من عناصر أيديولوجية لا تقنع سوى أصحابها من العناصر العقلية التي تقنع الجميع؛ فينقلب التناقض بين الخطابات والآراء إلى جدل يوحد الأطروحة ونقيضها في تركيب جديد هو وسط بين التصديق التام والتكذيب التام، ينفي الأطروحتين معاً وينتج حقيقة جديدة هي للمتحاورين معاً، لأنها فيهما. والحوار على هذا النحو متصل أوثق اتصال بالوجدان والضمير، متصل أوثق اتصال  بالجوانية أو بلحظة الأمية  والصفحة البيضاء؛ لأنه يقتضي درجة عالية من التجرد عن الهوى والارتقاء فوق المصالح الخاصة والنزعات الأنانية  التي تسم الفرد الطبيعي، ويقتضي التحرر من الرأي المسبق ومن سلطة التقاليد والمرجعيات الأيديولوجية والعقائد الثابتة. والتحرر من سلطة التقاليد والمرجعيات والعقائد لا يكون إلا بالتحرر من سلطة النص "المقدس" دينياً كان أم علمانياً، فللعلمانيين أيضاً نصوصهم المقدسة، فكل نص يلاقي هوى في النفس يرتفع إلى مصاف المقدسات. التقديس والهوى متلازمان ويغذي كل منهما الآخر، وكلاهما من آثار الوثنية الباقية ومن مظاهرها، وسلطة النص عقبة معرفية في طريق العقل، لأنها تثبت في الذهن أن الحقيقة بتمامها وكمالها قد اجترحت في الماضي مرة واحدة، وأنها  مكنونة في النصوص، وما علينا سوى البحث عنها هناك، بتأويل النصوص وتحويرها وإعادة إنتاجها، وأن وظيفة الواقع الوحيدة هي أن يشهد لتلك النصوص أو عليها، وأنه ليس سوى استطالة زمانية ومكانية للحظة تدشين قدسية أو لعصر   ذهبي تجلت فيه الحقيقة كلها، وأنه ليس بالإمكان أبدع مما كان.

ما يقال في الرأي الفردي، على افتراض أن هناك رأياً فردياً خالصاً، يصح في ما يسمى الرأي العام الذي يمتح من الأيديولوجية السائدة ويستمد مبادئه منها، والذي تتضح هشاشته وتناقضاته في أثر الإعلام الموجه في إنتاجه وإعادة   إنتاجه، وفي توجيهه الوجهة التي تخدم مصالح الفئة المالكة للثروة والقوة والسلطة، ولا سيما في النظم الشمولية والاستبدادية.  فالرأي العام عاجز عن الانتهاء من تناقضاته ومقضي عليه، بحكم طبيعته أن يتشرذم فيها. لذلك فإن البدء بالفكر النظري هو من البداية طرح مشكلة مضمون الآراء المختلفة، ومضمون الرأي العام وكشف علاقته بالمصالح والغايات والأهواء الخاصة لفئة أو طبقة أو حزب أو سلطة سياسية. فعلى محك الفكر النظري تكشف الآراء المختلفة والمتعارضة عن تناقضاتها وتهدم نفسها بنفسها، بل تطرح مشكلة وجود يظن أن الإعراب عن الرأي يعني المعرفة، وأنه يكفي أن يكون الإنسان مقتنعاً حتى يكون رأيه سليماً وصحيحاً. ذلك أن الرأي لا يقنع بأن يكون رأياً، بل يطالب لنفسه بأن يوّحد مع الحقيقة نفسها، ويدعي المعرفة كما هي في ذاتها. وفي غياب العقل أو استقالته، كان هناك دوماً وراء "اللعبة الحرة" للآراء والتعارض في المصالح حكم حقيقي هو الذي يحسم الأمور أخيراً وهو العنف. وعلينا أن نختار بين حكم العقل وحكم السيف.

لا بد أن يقوم الفكر في معارضة الرأي، بشرط أن يستمد مقدماته من نتائج العلم ومن نتائج العمل البشري، واللحظة الأولى في الفكر الذي يضع الإنسان على طريق الحكمة الممكنة تقوم على تحليل الرأي من الداخل حتى يشعر صاحبه نفسه بما ينطوي عليه الرأي من خطاً أو خطل ، وذلك بتعيين الواقع الفعلي الذي يظن أنه يستند إليه، والكشف عن جدله الداخلي، وعن طابعه التناقضي والإمكاني والاحتمالي، وإعادة بناء صورته في الذهن من دون أوهام أو رغبات ومن دون تأويل أو تحوير، وبالتحرر من سحر الكلام، بتوكيد الطابع الاصطلاحي للغة التي لا تعني مفرداتها شيئاً إذا لم تعبر عن معرفة حقيقية. فمفردات اللغة كلها كليات تنتمي إلى الفكر، وليس لأي منها قيمة  معرفية تزيد على قيمة غيرها، فالخير والشر والحق والباطل والجمال والقبح مفاهيم متساوية في القيمة المعرفية؛ الخير معرف بالشر ومحدود به، وكذلك الحق والجمال معرفان بالباطل والقبح ومحدودان بهما. وإن إضفاء قيم أخلاقية  مطلقة على بعض مفردات اللغة دون غيرها كان ولا يزال من أكثر العقبات المعرفية كؤداً. ولا سبيل بغير ذلك إلى إنتاج خطاب متسق ومتماسك يتوفر على وحدة حقيقية بدلاً من الوحدة الوهمية التي تقنّعها البلاغة وتوشيها القيم الأخلاقية الثابتة ويحجبها التماسك المنطقي الصوري الشكلي.

"إن ما يجهله الرأي أنه يستعيض عن كلية الواقع بالمعطى الجزئي" الذي فيه وجهات نظر شتى، بل إن ما يجهله الرأي أنه يستعيض عن الواقع الفعلي بالصورة التي أنشأها الذهن عنه، فينشئ وقائع عن طريق أمثلة محتملة الوقوع يبنيها  بصورة عشوائية قياساً على ما يصادف عرضاً في الحياة اليومية، وعلى مصالح تثيرها الحاجات والرغبات والأهواء.   وهذا الذي يطلق عليه الرأي اسم الواقع أو الواقعي إنما هو الخيالي، بل الوهمي، الذي أنشأه من أجزاء من الواقع استبقاها الإدراك المعتم والإدراك الإهلاسي الذي يلابس عمليات الإدراك الفردي والجماعي. وهذان  الاستعاضة والإنشاء يثويان في أساس اليقينية الوثوقية المزهوة بنفسها والعصية على النقد. وتستوي في هذا المجال وظيفة الوضعية التجريبية الدوغمائية ودوغمائية الدين الوضعي. الدوغمائية الوضعية التجريبية تبخر الواقع وتحوله إلى   مجردات أثيرية تسميها القوانين وتضفي عليها قيمة مطلقة مساوية لقيمة النواميس الدينية؛ فكلاهما تتجاهلان واقعية العالم وكليته أولاً، وأثر الفاعلية الإنسانية وجدل الذات والموضوع ثانياً. ولا عجب أن تتضافر الدوغمائية الوضعية التجريبية ودوغمائية الدين الوضعي في إنتاج الوعي لزائف أو الوعي الشقي، وفي تعميق اغتراب الإنسان عن عالمه  وعن ذاته.

الآراء المتناقضة يهدم بعضها بعضاً، وتخلي مكانها للفراغ الذي تنفتح فيه إمكانات التعقل وإمكانات القوة والعنف.  وحين يتحدث المرء ليعبر عما في نفسه للآخرين أو ليسوغ موقفاً أو سلوكاً فإنه يتحول إلى ذات وموضوع في الوقت نفسه: فهو ذات لأنه ينتج الكلام ويراقبه، وهو موضوع لكلامه خاضع له، ولو كان حمقاً محضاً أو جهلاً أو كذباً، فإن عليه أن يخضع لقوانين القول. فالإنسان زميل الحديث ومواطنه معاً، بل هو سيد الحديث وعبده معاً. واحترام  المرء لذاته يتجلى في احترام كلمته، وهذا أهم قوانين القول، فضلاً عن قانون الصدق وموافقة القول للعمل. ومهما يكن الإنسان فإنه يظل يحب الحقيقة ويريدها. إلا أن إرادة الحقيقة إنما تعبر عن نفسها بعدم قبول التناقض. وهو على حبه لقناعته وحرصه عليها يظل كذلك محباً للانسجام، ومن ثم فهو في موقف حرج، وهذا الحرج هو الذي يحمل إمكانية تجاوز الذات التي كانت منغلقة على نفسها. والآراء ، إذ تحل الصورة محل الواقع والجزئي محل الكلي والمثال محل الحادث والاسم محل الشيء الذي يدل عليه، تقع دوماً في الخلط وعدم الانسجام، ويظن كل منها أنه يملك المعنى الكامل والسلامة التامة. ولكننا حين نرغمها على التجابه ونحلل بنيتها الغريبة والفريدة فإننا نكشف عن تناقضاتها  وعن فراغها. "بفضل الكلام الذي يحاور لا مجال لما في الرأي من فقر مدقع"، وإن تستر بزينة الألفاظ. بالحوار  يتحول الفقر في الرأي إلى غنى لا متناه عن طريق الكلام نفسه، وهو الغنى الذي تقدمه المعرفة الحقيقية. وعندما ي تدرب أحدنا على تحديد ما يعنيه بكلامه والتزامه إياه فإنه يفهم ماذا  يعني كلام الآخرين. وحين نتعلم الإصغاء إلى الآخرين ونحاول أن نكون مع ذلك على انسجام مع أنفسنا، أي حين نتعلم أن نحب ذواتنا في الآخرين وأن نحترمها فيهم فإننا نبدأ بانتزاع أنفسنا من إغواء الهوى والمصالح الأنانية الضيقة والاعتداد الفارغ بالذات، نبدأ بالتحرر من التعصب والانغلاق على مسبقاتنا وقبلياتنا وقَبَلياتنا، وعندئذ تبدأ مسيرة طويلة ربما نصل في نهايتها إلى ارتواء مستمر.

الحوار مدخل ضروري إلى السياسة، بل لعله المدخل الوحيد. والسياسة، في أحد معانيها وأهمها، هي نفي الحرب خارج المدينة، خارج المجتمع، خارج الدولة، وفي مستوى متقدم هي نفي الحرب كلياً ونهائياً. جدلياً، السياسة هي نفي الحرب، وهي المعنى الذي تنعقد عليه وحدة المجتمع والدولة، والسلطة والشعب، والحكم والمعارضة، وحدة  الساحة والقصر، ووحدة المعارضة أيضاً. هي المعنى الذي تنعقد عليه وحدة المجال السياسي المجتمعي. السمة الأبرز للمجتمعات المتقدمة الموحدة أو المندمجة قومياً واجتماعياً هي وحدة مجالها السياسي الذي تتجابه فيه وتتقاطع تيارات واتجاهات مختلفة ومتعارضة. في نطاق مثل هذا المجال السياسي الموحد تقوم الوحدة الجدلية بين السلطة والمعارضة، وهذه الوحدة التي لا تعرفها النظم الاستبدادية ويستهجنها سياسيوها ومثقفوها أيضاً، هي التي تفضي إلى الاستقرار السياسي الفعلي وإلى التداول السلمي للسلطة. إنه من المستحيل أن يتم تداول سلمي للسلطة ما لم تكن هناك وحدة جدلية بين السلطة والمعارضة، وإلا كيف يمكن أن يتحول الشيء إلى نقيضه من دون تدمير الوحدة أو تفكيكها؟ إن مصير السلطة الاستبدادية أن تدمر وحدة المجال  السياسي ثم المجتمعي ثم تدمر نفسها. منطقياً وأخلاقياً، السلطة  السياسية لا تستطيع أن تنفي المعارضة من دون أن تنفي ذاتها، وكذلك المعارضة. والدولة لا تستطيع أن تنفي المجتمع من دون أن تنفي ذاتها أيضاً. الدولة المستبدة هي أي شيء سوى الدولة السياسية، والسلطة المستبدة هي أي شيء سوى سلطة سياسية؛ لأنهما، بالقدر نفسه، استلاب ناجز للمجتمع والشعب. والحوار هو المدخل الضروري إلى الإصلاح الديموقراطي لأوضاع مجتمعاتنا ودولنا وأوطاننا التي أوصلها الاستبداد إلى مفترق: إما الإصلاح الديموقراطي وإما الكارثة، إما الديموقراطية وإما التوحش والهمجية، إما نجاة الجميع أو غرق الجميع. قال الشاعر الألماني هايني: "نادراً ما فهمتكم ونادراً ما فهمتموني، ولكننا حين نسقط في الوحل نتفاهم فوراً". ألم نسقط في الوحل بعد؟

لعله من المثالية الادعاء بأن ثمة تماثلاً بين نظام العالم ونظام العقل وبين ما يجب أن يكون عليه نظام المجتمع أو  النظام الاجتماعي السياسي. ولعلها صبوة من صبوات النفس، أو نوع من يوتوبيا، أن يتطلع المرء إلى وحدة الفكر  والأخلاق والسياسة، وحدة جدلية لا تنفي الفرق والاختلاف واستقلال المجالات. ولعله من الواجب والضروري أن يتحد الفرد الطبيعي والمواطن في الكون الاجتماعي وفي الكائن الاجتماعي، وأن يتحدوا جميعاً في الإنسان. وأن يكون الشكل السياسي الذي تمثله الدولة هو ذاته الوجود الاجتماعي الفعلي، بكليته ووحدته التناقضية، بغناه وتنوعه اللامتناهي. ولكنها مثالية ممكنة وواجبة على بني الإنسان، وصبوة مبعثها الحب والشوق إلى الانسجام والظمأ إلى الحوار، وواجب تمليه الحاجة إلى نظام اجتماعي سياسي ديموقراطي يستجيب لمطالب العقل، مطالب الروح الإنساني.