الإعلام في الحرب .. ثقافة العنف والخوف

 

جاد الكريم الجباعي

للإعلام دور مهم في الحياة العامة في الحرب والسلم. خاصة منذ غدا سلطة رابعة، إلى جانب السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية، في الحقبة الديمقراطية؛ ثم سلطة ثالثة، إلى جانب السلطتين البيروقراطية والجهازية أو الأمنية، في الحقبة التسلطية هنا، والبيروقراطية الخالصة هناك، سواء كان مسوقاً بسائق الاهتمام السياسي والأيديولوجي (إعلام الدولة) أو بسائق الربح (الإعلام الخاص)، من دون أن ننفي الاهتمام السياسي والأيديولوجي عن هذا الأخير. ويبدو من الصعب تقدير الأثر الفعلي للإعلام إذا لم ينظر إليه في نطاق علاقته بالثقافة بوجه عام، وفي نطاق "الثقافة الجماهيرية" بوجه خاص. تلك التي عرفها إدغار موران بأنها "ثقافة منتجة وفق المعايير الكثيفة للعمل الصناعي، ومروجة بتقنيات نشر كثيفة (سميت وسائل الإعلام الجماهيرية) ومتوجهة إلى جمهرة اجتماعية، أي إلى تجمع عملاق من الأفراد، مأخوذ في ما هو تحت بنى المجتمع الداخلية (الطبقات والأسرة .. إلخ) ومتجاوز لها". والتي نشأت في ظل ما سماه موران "التصنيع الثاني" الذي غدا تصنيع الروح و"الاستعمار الثاني" الذي بات متصلاً بالنفس. وفي المساحة المشتركة بين الصناعة والتجارة غدت الثقافة المصنعة سلعة تجارية تحملها أمواج الأثير. ويمكن القول إن الإعلام اليوم هو ثقافة مصنَّعة ومتجَّرة توجهها وتتحكم بها مقاصد الصناعة وأهداف التجارة، ويتعهدها بالعناية أرباب هذه وتلك. ولا تختلف غايات إعلام الدولة في النظم الشمولية إلا بتقنيع الاحتكار والربح بقناع أيديولوجي وسياسي. "وغداة الحرب العالمية الثانية هي البرهة التي اكتتشفت فيها السوسيولوجيا الأمريكية هذه الثقافة واعترفت بها وسمتها الثقافة الجماهيرية"، بحسب موران نفسه في كتابه المهم "روح الزمان".

هذه "الثقافة" التي تنداح في عالم متعدد الثقافات، وتبدو لنا مرنة وسلسة القياد يمكن أن تحتوى وتضبط وتراقب، من جانب الدولة أو من جانب المؤسسة الدينية، أو من جانب المعايير الاجتماعية السائدة؛ تنزع في الوقت نفسه إلى حت جميع الثقافات الأخرى وتعريتها وتفسيخها. فهي تتشرب بثقافة قومية أو دينية أو إنسانية وتعيد إنتاجها، وفق منطقها الخاص ومعاييرها الخاصة، وتلونها بلونها الخاص، ليغدو الناتج النهائي شبكة من الرموز والأساطير والصور المتصلة بالحياة الواقعية والحياة الخيالية للفرد المنقسم على نفسه. بل إنها تقدم الحياة الخيالية على إنها الحياة الواقعية وبالعكس. وتوحي للأفراد المسوقين بسائق حاجاتهم والمنغرسين في ثقافتهم المحلية بالانتماء إلى مواطنة عالمية كوسموبوليتية لا تزال وهمية إلى حد كبير. وهي في نهاية التحليل إنتاج صناعي، كالإنتاج الرأسمالي ذاته، لا ينتج الاستهلاك فحسب، بل ينتج المستهلك أيضا، ولا ينتج السلع التي تلبي الحاجات الضرورية فحسب، بل تلك التي تلبي الحاجات الكمالية والزائفة أيضاً. وهي كالإنتاج الرأسمالي ذاته تفصل المنتج عن ناتج عمله، وتجعل من هذا الأخير سيداً لا ينازع وقوة لا تقاوم.

في اللحظات الأولى لاصطدام طائرات الركاب بأهداف خاطفيها، في واشنطن ونيويورك، سيطرت على العالم حالة من الذهول كان صعباً معها تمييز الحقيقة من الخيال، في هذه اللحظات التي تستعصي على الوصف تكثفت وظيفة الإعلام اللاهث دوماً خلف الجديد والمفاجئ وغير المتوقع، فارتسمت في أذهان جميع الذين شاهدوا الحدث صورة واحدة، ما لبثت أن غدت صورة مركزية تستدعي الـ ما قبل والـ ما بعد. تلكم كانت لحظة تدشينية لما سيسمى، بعد ذلك، الحرب على الإرهاب. وعلى خلفية هذه الصورة، بدأ الاستقطاب بين قطبين يمسكان كل من جهته بمقاليد الأمور: جورج بوش وأسامة بن لادن اللذين ستختفي تدريجياً سماتهما الشخصية ويتحولان إلى رمزين وبطلين. الأسرار التي تكتنف شخصية بن لادن وحياته ونشاطه وشبكة تنظيماته الإرهابية المنتشرة في غير مكان والقوة الأسطورية التي نسبت إليه بتدمير مركز التجارة العالمي ومقر وزارة الدفاع الأمريكية، وتحدي أقوى دولة في العالم في عقر دارها، ستنتج العناصر الرمزية لصورة الرئيس الأمريكي بصفته البطل النقيض. ومن ثم فإن دور الإعلام الأمريكي والغربي بوجه عام هو تعزيز هذا الاستقطاب وتعميقه وتنميته. حتى ليبدو لكل فرد أنه لا مناص من الاختيار والانحياز، ويا لهما من اختيار وانحياز. بوش قال ذلك صراحة للعالم كله: من ليس معنا فهو مع الإرهاب، وكذلك فعل أسامة بن لادن في خطابه الشهير الذي تذكر فيه فلسطين فجأة. كلاهما يضعان البشرية أمام اختيار أحد الإرهابين. وخلف جميع الوقائع، كلاهما يضعان البشرية أمام مفترق: إما الهمجية والبربرية، وإما القضاء على أسباب الإرهاب والعنف في العلاقات الاجتماعية والسياسية، على الصعيدين المحلي والعالمي.

حول الإعلام أسامة بن لادن إلى كائن خرافي وإلى رمز للإرهاب، وإلى سند ذرائعي لتعريف الإرهاب وتحديد ماهيته، بمعزل عن جميع أسبابه. فرمزية بن لادن ابتلعت حكومة طالبان الموالية لباكستان الموالية للولايات المتحدة، وجغرافية أفغانستان وتاريخها وشعبها، وابتلعت أكثر من ذلك العرب والمسلمين، وسائر المواقف والأفعال والآراء التي تنتقد السياسة الأمريكية أو تعارضها. فلغة الإعلام السمعية البصرية خاصة التي تجمع الصورة والكلام والكتابة والنغمة الموسيقية تولد نوعاً من الإدراك الحسي الجماعي قوامه المماهاة والإسقاط. ويعزز ذلك الإدراك الطابع الانتقائي والتلفيقي للإعلام الذي يصطفي عدداً محدوداً من الصور والوقائع والحقائق من صور ووقائع وحقائق غير محدودة، ويضعها في سياق تتخفى غائيته ومقاصده في ثنايا هذا التصنيع الباهر البالغ الدقة والإدهاش.

رمزية أسامة بن لادن التي تحيل على العرب، وعلى المسلمين ومن بينهم الأفغان تحيل في الوقت ذاته على التخلف والهمجية والعنف والإرهاب كما لو كانت صفات أنتروبولوجية ثابتة في كل من يمثلهم هذا الرمز. وهذه الإحالة تلبي حاجة نفسية لدى المعتدي لتبرير عدوانه وتسويغه لنفسه وللآخرن. فما دام الأفغان على هذه الصورة فإن في قتلهم وتشريدهم وتدمير شروط حياتهم حماية للمدنية ودفاعاً عن قيمها التي لا تعدو كونها قيم "الحضارة الأمريكية". وقل مثل ذلك عن العرب وغيرهم من المسلمين، وغير المسلمين. لا يستطيع المعتدي أن يستمر في عدوانه من دون أن يقنع نفسه بأن "العدو" لا يستحق الحياة. وعلى الإعلام أن يقوم بهذه الوظيفة "الإنسانية" التي تخفف شعور المعتدي بالذنب، وتعزز لديه وهم التفوق والامتياز. الصور المنتقاة من حياة الأفغان البائسة التي لم تبق منها الحرب الأهلية وحروب الآخرين فيها سوى المظهر البيولوجي وبقايا حياة اجتماعية اصطبغت بصبغة السلطة الحاكمة، من شأنها أن تقنع مشاهدي الـ CNN   وغيرها من وسائل الإعلام الغربية بمشروعية العدوان الأمريكي على شعب فائض عن الحاجة، وعلى شعوب أخرى مماثلة.

على أن ما هو أخطر من هذا وذاك هو ما يقوم به الإعلام بطريق مباشرة وغير مباشرة، من إيقاظ النزعات والرواسب الدينية والمذهبية والقومية والإثنية. فهو إذ تشرب بهذه الثقافات وعمل على تفسيخها، ينكأ، في مناخ الحرب، ما ترسب في اللاشعور الجمعي من آثار الحروب والنزاعات الدينية والمذهبية والقومية والإثنية. ولا سيما أنه يخاطب كتلاً هائلة من البشر أسهم هو نفسه في تنميطها وتسطيح ثقافتها وتحويلها إلى قوة استهلاك للسلع المادية والسلع الثقافية سواء بسواء. والإعلام الغربي الكثيف لا يترك للمستمع أو المشاهد على وجه الخصوص فرصة للتأمل والتفكير والتحليل، بل يشده في كل لحظة من لحظات الاستماع أو المشاهدة إلى تبني الموقف الذي تضمره الرسالة الإعلامية، ويستثير على الأغلب في المستمعين والمشاهدين استجابات بافلوفية على المثيرات التي ينتقيها بحرص وعناية بالغتين. ويتسلح لأداء هذه الرسالة بسلاح النقل المباشر والحي للوقائع والأحداث، على نحو يوحي بالحياد والبراءة والتزام الحقيقة ولا شيء سوى الحقيقة.

في مقابل الإعلام الغربي الكثيف، لدينا نحن العرب إعلام ناقص وكاذب في الوقت نفسه، لا يحظى باحترام المواطنين وثقتهم، بل إنه لا يحظى باحترام معظم العاملين فيه، باستثناء بعض الفضائيات العربية التي لا يشاهدها في الوطن العربي الكبير سوى عشر السكان أو أكثر قليلاً أو أقل قليلاً، وبعض الصحف والمجلات العربية التي يمكن إحصاء قرائها بعدد النسخ التي تبيعها، وهذه وتلك تستمد معظم مادتها الإعلامية، أو بعضها، من مصادر غربية لديها إمكانية مواكبة الحدث وتغطيته. في ظل الإعلام الناقص والكاذب في معظم أقطار الوطن العربي يتعرض الرأي العام العربي لتأثيرات الإعلام الغربي التي تسهم إلى هذا الحد أو ذاك في تشتيته وتعميته. ولكن الذين لا يثقون بالإعلام "الوطني" ولا يحترمونه، وليس بمقدورهم متابعة الفضائيات العربية والإعلام الغربي، يظلون في منجى من هذا وذاك. ورب ضارة نافعة. الإعلام سلاح مهم في الحرب والسلم، ولكنه في الحرب أشد قوة ومضاء. ولما كانت الحرب اختباراً شاملاً للقوى، فإنها تكشف عن المعنى العميق للثقافة الجماهيرية بوصفها ثقافة الاستلاب الناجز، ثقافة العنف والخوف.

 

جاد الكريم الجباعي

دمشق، تيليفاكس 00963 11 6711599

E.Mail:   jebaae@scs-net.org